ثمة طروحات متداولة منذ أعوام مفادها أن الولايات المتحدة تتراجع، وهي في طريق الاضمحلال، لصالح نشوء قوة عظمى أخرى (الصين) لتقاسمها عرش العالم، أو لجهة ترسخ تكتلات دولية مثل مجموعة “بريكس” التي تضم قوى إقليمية كبرى تجمع بينها القمة الدولية الوحيدة، ونعني بها الصين.
أدناه عينة من الأسباب التي نعتقد أنها تمثل أسباباً موضوعية لتقييم وضعية الولايات المتحدة للمرحلة المقبلة، باعتبارها لا تزال القوة العظمى الوحيدة في العالم، التي تمثل مجموعة المؤشرات الرئيسية صورة لتفوقها. طبعاً، التفوق بات نسبياً وليس مطلقاً كما كان عليه الحال مع انهيار الاتحاد السوفياتي. ونزعم أن تفوق الولايات المتحدة سيظل يطبع العلاقات الدولية على مستوى السياسة والدفاع والاقتصاد والمال.
الذكاء الاصطناعي
ما زالت الولايات المتحدة تتقدم الركب العالمي في تطوير الثورة التكنولوجية الجديدة المبنية على الذكاء الاصطناعي، الذي يمثل حقاً نقلة نوعية كبرى للبشرية على مختلف الصعد والمستويات الإنسانية والثقافية والصناعية والتجارية والمالية والأمنية والعسكرية. والتطبيقات لا تُعد ولا تحصى، ومثلها المسارات التطويرية التي تحقق قفزات ضخمة وسريعة: سرعة التطوير مخيفة! وإذا كانت الولايات المتحدة تتقدم الركب العالمي في ثورة الذكاء الاصطناعي، فإن دولاً أخرى تتقدمها الصين، المنافس الاستراتيجي الوحيد للولايات المتحدة حالياً، لم تصل بعد إلى حد إزاحة أميركا عن عرش الذكاء الاصطناعي.
الدولار الأميركي
حاولت تكتلات عالمية مواجهة سلطة الدولار الأميركي على مستوى الأسواق المالية، بدءاً بالاتحاد الأوروبي من خلال إقرار العملة الموحدة “اليورو”. ومثلها، حاولت مجموعة “البريكس” – بدفع من الصين – العمل على إقرار عملة موحدة لإنزال الدولار عن عرش العملة المرجعية للعالم. مع ذلك، فشلت التجربتان، وحتى اليوم بقي الدولار الأميركي في الموقع المتقدم عالمياً، وبفارق كبير.
التفوق العسكري
تنطلق من الميزانية العسكرية الأميركية التي تقارب 900 مليار دولار، وتضاهي مجموع ميزانيات الدول العشر التي تليها في الترتيب العالمي. اما التفوق التكنولوجي فيبقي أساساً في تأمين التفوق العسكري، والقدرة على الانتشار في جميع أصقاع العالم، وهذه ميزة لا تمتلكها أي قوة كبرى في المقدمة، كالصين وروسيا الاتحادية
فشل الآخرين
فشلت القوى الكبرى الأخرى في الحلول مكان الولايات المتحدة كمرجعيّة دولية معترف بها عالمياً وحاضرة في جميع القارات، تارة في سياق الانخراط، وتارة في سياق الوساطات، وتارة ثالثة لممارسة الضغوط ما دون العسكرية! هذه ميزة غير متاحة لأي من الدول الكبرى كالصين وروسيا، ولا من التكتلات الكبيرة مثل الاتحاد الأوروبي!
ليونة النظام السياسي الأميركي
يقوم هذا المعطى على أساس الاحتكام للدستور والقانون والمؤسسات، والمجتمع المدني الأميركي المتنوع، والجاذبية الثقافية والاقتصادية على رغم تعرض الولايات المتحدة لأزمات اقتصادية وسياسية دورية مدى العقود الماضية. مع ذلك، هذا لا يلغي أن أمام النظام السياسي الأميركي تحديات كبيرة تواجهها الولايات المتحدة.
