
لم يكن الفلسطينيون في لبنان بمعزل عن زلزال 7 أكتوبر الذي لم يترك بقعة في الشرق إلا وأصابها، وارتداداته ما زالت تحفر عميقاً اجتماعاً وسياسة داخل مخيماتهم وتجمعاتهم وعلاقاتهم الأهلية، وتلك التي تربطهم باللبنانيين.
فمنذ ساعات الصباح الأولى لذلك اليوم، كان المشهد أكبر من أن يتسع له إدراك الفلسطينيين، كيلومترات تفصل بين التحام غزة بالضفة، وآلاف المشاهد من المستوطنات والقواعد العسكرية الإسرائيلية، تقول شيئاً واحداً، وبلا شاعرية أو تمنيات معتادة، أن الحلم بات بأيديهم لأول مرة، وحسبوا أنه ما عادت مسافة تفصلهم عن عكا وحيفا وكل مدن الجليل وقراه.
لحظة الطوفان تقاطعت في الذاكرة مع لحظة “معركة الكرامة”، بالاحتشاد الوجداني، والاستعداد للانخراط الفوري بالمعركة، وتجاوزتها بالنظر إليها بواقع أنها حرب تحرير لا معركة على طريق العودة.
لحظة استعادة الشتات إلى الهوية الوطنية، بعدما شطبت الوقائع والخطاب السياسي أكثر من نصف شعب فلسطين، ولم يعد أكثر المسؤولين الفلسطينيين، حتى من هو معارض لأوسلو، يتحفظ في ترداد مصطلح “جناحي الوطن”، كناية عن الضفة وغزة. أما فلسطينيو الشتات، ومنهم فلسطينيو لبنان، فهم المنبوذون من المشروع السياسي الفلسطيني، وخارج أية خطة تنموية، على ما تقول المقارنة الفاضحة بين أرقام الميزانيات التي كانت تُدفع لغزة والضفة، وتلك التي تُخصص لفلسطينيي الشتات.
جاء الطوفان، أعاد لشعار التحرير الكامل اعتباره. وأعاد معه الفلسطينيين في الشتات من هامش المشروع الوطني الفلسطيني إلى متنه. قد يراه البعض شعاراً حلّق بعيداً من الواقع، ويعيش في عالم “اليوتوبيا”، لكن هناك من يرى أن لا معنى للحياة دون حلم ويوتوبيا.
تمسّك الفلسطينيون في لبنان بهذا الحلم، الذي يأخذهم بعيداً من يومياتهم. يعيد لهم بعض ألقهم المفقود. لا حديث بعد عن تقليصات الأونروا التي تنغّص عليهم يومياتهم البائسة. لن يكون هناك غرقى إضافيون في البحر المتوسط، أو هكذا ظنوا. سيشيحون بوجوههم عن الصراعات الفصائلية، وعن شبكات المياه والكهرباء المتلاصقة والفقر وقوانين العمل الغالبة دائماً. سيؤجلون شراء زيت الزيتون “لأن زيتون بْلادنا ما في منّو”.
وكأن الزمن لا يحتمل أغاني وطنية كنشيد سعيد المزين “فدائي” بعد معركة الكرامة، فالأحداث المتسارعة تحتاج شعارات سريعة، يُطلقها شبان وصبايا في التظاهرات اليومية بالمخيمات من قبيل “حط السيف قبال السيف/ ونحنا رجال محمد ضيف” وبعد ذلك “هاي أسرانا بالدار/ تسلم إيدك يا سنوار”.
هي مرحلة الاعتزاز بالذات المجروحة، هل كان جزء منها تعويضاً عن ماضِ بائس، وشعور بكرامة مهانة طيلة سنوات؟ لم تخل لحظة الغضب والاعتزاز وإعادة المعنى إلى دور فلسطينيي لبنان، من الجدل الداخلي حول مدى الانخراط، وضرورة الاستفادة من دروس الحرب الأهلية في لبنان، لكن الكتلة الشبابية خصوصاً كانت الأكثر ميلاً إلى الانخراط حتى لو أدى إلى انطلاق العمل العسكري الفلسطيني عبر الحدود بعد يومين من انطلاقة الطوفان، بعملية للجهاد الإسلامي، تلاها في اليوم التالي الإعلان عن انطلاقة كتائب القسام في لبنان.
انطلاقة عسكرية أعادت تشكيل العلاقة مع القوى اللبنانية عامّة. اعتراضات فئات وأحزاب لبنانية استرجعت مسرح أواخر الستينيات، مع تغير باللاعبين. الجماعات الفلسطينية القريبة من حزب الله رسّخت تلك العلاقة. والشريحة الفلسطينية المعترضة على أدائه في المنطقة انتقلت إلى حالة تعاطف. لا ينفي ذلك وجود مجموعة فلسطينية بقيت على موقفها الرافض لأي عمل عسكري فلسطيني انطلاقاً من لبنان، والخشية من تداعياته على المخيمات، والعلاقة مع فئات لبنانية واسعة، لكن المشهد الفلسطيني العام بدا أقرب إلى حزب الله.
تزايد القتل والتدمير في قطاع غزة سيدفع الفلسطينيين في لبنان لتقديم التبرعات للقطاع المنكوب. ولم ينحصر ذلك بالمقيمين منهم، بل بشكل خاص الميسورين خارج لبنان، ممّا ترك أثراً اجتماعياً سلبياً على معيشة اللاجئين الفلسطينيين في هذا البلد.
مع استمرار الارتفاع في عدد الشهداء بغزة، كانت حماسة الفلسطينيين للطوفان تضعف، لكن بقي التأييد واسعاً، ويُلاحظ أن الانتقاد لعملية السابع من أكتوبر داخل المجتمع الفلسطيني في لبنان ظل بالحدود الدنيا، ومردّ ذلك بشكل أساسي لأسباب أخلاقية وربما وطنية وليست سياسية، فالغالبية الساحقة من قادة الطوفان استُشهدوا، مما يفرض حذراً اجتماعياً في التعاطي مع العملية.
لا يمكن تجاهل أن آثار الطوفان السياسية التي امتدت إلى لبنان قد كان لها وقعها على الساحة الفلسطينية فيه. فالمساحة السياسية التي كانت تحظى بها فصائل فلسطينية قد تقلّصت، خصوصاً تلك القريبة من النظام السوري السابق، فسلّمت مواقعها خارج المخيمات. كما أنه لا يمكن تجاهل أن الاغتيالات منذ انطلاقة طوفان الأقصى طالت قادة أساسيين في فصائل رئيسية، وهناك غيرهم يتحرك ضمن محظورات أمنية، مما يفرض قيوداً سياسية إضافية.
والتغيرات السياسية في لبنان، سمحت لحركة فتح أن تبدأ بتسليم سلاحها منذ آب 2025، وهذا ما شكل عاملاً ضاغطاً على الفصائل الفلسطينية الأخرى لتحذو حذوّها. ضبابية الرؤية بفعل غبار غزة ستسمح للأونروا بالانسحاب المتسارع من حياة اللاجئين. وستُمرَّر قوانين إضافية تخنق الفلسطينيين دون ضجيج.
الفلسطيني المثقل بشعور الضحية، ستزيده الصور القادمة من غزة قناعة بصدق ذلك الشعور، الذي يُثقل حركته، ويُضاعف غضبه، ويُفقد ثقته بالآخرين. فيبحث عمن يعيد تنظيم مجتمعه، فلا يجد عملاً فصائلياً جدياً بهذا الاتجاه. وهو ما يزيد الشكوك حول المستقبل، ويعزز حالة الضياع التي يعيشها الفلسطينيون.
لا يبدو أننا أمام نهاية الفصل الأخير من تداعيات 7 أكتوبر على المجتمع الفلسطيني في لبنان، والمنطقة بأسرها. وكما أن الارتدادات الأولى حفرت عميقاً في وجدان الفلسطينيين وحياتهم، فإن المشهد النهائي ربما لن يُبقي الكثير من ملامح الواقع الفلسطيني في لبنان الذي عرفناه طيلة عقود، كما تقول الأحداث المتسارعة.