كتابة عزة مغازي
ثلاثة أجسادٍ ضئيلةٍ هشةٍ متوترةٍ، وثلاثة أزواجٍ من الأعين يمتزج فيها غضبٌ مكتومٌ وإصرارٌ وبؤسٌ وخوفٌ وذكاءٌ لامعٌ، تسير بمحاذاة سورٍ معدنيٍّ كئيبٍ، تترقب ظهور أيّ وجوهٍ أوروبيةٍ بيضاء كي تعدو وتبحث عن مخبأٍ مؤقتٍ خشية إنهاء الرحلة قبل بلوغ الهدف. طوال تسعة أسابيع، سارت الطفلات الثلاث مولي وغريسي وديزي ألفاً وستمئة كيلومترٍ على أقدامهن العارية فوق الرمال الساخنة، تقودهن أكبرهن صاحبة العشرة أعوام ليعُدن إلى أمهاتهن من أقصى الشمال، حيث نفاهن الأوروبيون الذين احتلّوا جزيرتهن وأسموها أستراليا، إلى أقصى الجنوب حيث قرى السكان الأصليين المعزولين في الصحراء.
الرحلة الحقيقة وثقتها نوغي غاريمارا، ابنةُ مولي، في كتابٍ أصدرته سنة 1996 بعنوان “فولو ذا رابيت برووف فينس” (اتبع سور صدّ الأرانب) في إشارةٍ للسور الكئيب الذي اتخذته الفتيات الثلاث دليلاً يسرن بمحاذاته حتى يصلن إلى قريتهن.
قرأتُ الكتاب بعدما اخترتُه عشوائياً في واحدةٍ من جولات القراءة العمياء التي أنظمها لنفسي مرةً كلّ عام. ترك الكتاب في روحي وجوفي مرارةً وغضباً يعقبه شعورٌ بالقهر. واستعاد حلقي شيئاً من تلك المرارة واستدعت ذاكرتي الكتاب بينما أطالع مقالات الفراتس لهذا الأسبوع. فإن كانت الفتيات قد اخترن شكلاً من أشكال الحدود التي أقامها المستعمرون بهدف منع الأرانب من أكل مزروعاتهم فوق الأرض المنهوبة، ليعدن إلى قريتهن، فإن السلطات الحاكمة في عالمنا العربي الكبير – من مشرقه إلى مغربه – قررت أن تحوّل الحدود التي رسمها المحتلّون إلى عمودٍ لصياغة هوية بلدانهم الوطنية، مغرقين شعوبَهم في صراعاتٍ لم تكن لتتحقق لولا أن خلقتها الحدود.
يظهر ذلك بجلاءٍ من مقال الفراتس الأول هذا الأسبوع، الذي نُشر بعنوان “حواجز من رمل وورق.. كيف أصبح التنقل داخل المغرب العربي صعباً”. وفيه يتتبع الكاتب أحمد نظيف تحوُّل المغرب العربي الكبير (كما يطلق عليه في مصر الآن) إلى دولٍ متصارعةٍ بفعل تضارب مصالح حكامها، وكيف حوّلت سلطات بلدان المغرب العربي الحدودَ السياسية التي رسمها المستعمر إلى حواجز بين شعوبها ذات التاريخ المتقارب والمشترك أحياناً. ويلفتنا المقال الثري إلى مفارقةٍ مهمةٍ، في أن سكان المغرب العربي لم يُحرَموا التنقلَ الحرّ بين البلدان الخمسة (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) إلا بعد الاستقلال وقيام الدولة الوطنية.
الحدود تحضر أيضاً في المقال التالي الذي كتبته ليلى أحمد لترصد أوضاع فلسطينيّي غزة الذين لجؤوا إلى مسقط خلال الحرب الجارية، التي صنّفتها لجنةُ تحقيقٍ خاصةٍ بالأمم المتحدة “جريمةَ إبادةٍ جماعية”. في مقالها “الغزّيون في مسقط.. هجرة اضطرارية بلا أفق بعد السابع من أكتوبر”، تُظهر ليلى أثرَ الحدود في مفاقمة معاناة الفلسطينيين من أهل غزة الذين طالما ربطتهم بالمصريين علاقةٌ خاصةٌ ووثيقةٌ منذ ما قبل ظهور الدولة الوطنية الحديثة في مصر. إلا أنهم بعد السابع من أكتوبر، وجدوا أنفسهم في وضعٍ شائهٍ في البلد الذي كان دوماً ظهيراً اجتماعياً لهم. فاضطرّ بعضٌ منهم إلى مغادرة مصر صوبَ عُمان التي ترحب بذوي الاستثمارات الصغيرة، ليجدوا أنه، وإن كانت أوضاعهم في عُمان أفضل، إلّا أنهم عالقون حيث تنسدّ أمامهم منافذ الخروج واحداً تلو الآخر.
شكلٌ آخر من الحدود يحضر في مطولة الباحث أحمد مأمون أبو عامر عن “جدل العلاقة بين السويداء والمركز” إذ يتحدث عن الحدود الطائفية التي صارت واقعاً جغرافيّاً وسياسيّاً في سوريا، حيث تكتّل الدروز مرتحلين من أنحاء بلدان الهلال الخصيب على جبل حوران بالسويداء منذ وقت الحكم العثماني الذي يقرؤه البعض احتلالاً. يلفت المقال إلى فشل أنظمة الحكم العربية في التخلي عن منهجها في مركزة الحكم جغرافياً وسياسياً في مدنٍ وعواصم وطبقاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ – وطائفيةٍ أحياناً – بعينها، وما يترتب عليه من الانتقاص من حقوق سكان الأطراف، ما يترك أثراً يصعب محوه في تكريس الانفصال. يقيس الباحثُ ذلك الفشلَ السياسيَ المتكرر من أنظمة الحكم العربية في سوريا وخارجها في استعداء مواطنيها. ويتكثف ذلك في الحالة الدرزية السورية التي باتت مدخلاً لتهديد الاستقلال ووحدة الأراضي السورية.
تعيدنا المحامية الحقوقية سارة سوجار إلى المغرب في تقريرها الموسع عن احتجاجات جيل زِد في المغرب، الذي نشرته الفراتس بعنوان “من 20 فبراير إلى جيل زد 212.. نضال شباب المغرب من الشارع إلى العالم الرقمي”. يكشف تقرير سارة عن بقاء تلك الحدود الفاصلة بين الدولة المغربية وشبابها، وتجددها مع توالي الأجيال. وهي حدودٌ قاسيةٌ يشكلها التجاهل والحرمان من الحقوق الأساسية. وفيما تستثمر الدولة في تعزيز تلك الحدود باستمرارها في تجاهل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها لصالح أولوياتٍ أخرى تراها، تنزاح الحدود بين جيل زِد المغربي ببناته وأبنائه وبين أقرانهم في دول أخرى. فهؤلاء يواجهون حكوماتهم في احتجاجاتٍ يتراوح منهجها بين السلمية والعنف في عديدٍ من دول العالم، لأسبابٍ تبدأ من البحث عن الحقوق الأساس كما في المغرب، ويضاف إليها مواجهة الفساد كما في نيبال، أو مواجهة الفساد والتمييز كما في بنغلاديش.
وفي آخر مطولات هذا الأسبوع، يكتب لنا الباحث عبدالرحمن عاطف عن “الهاكتيفزم في العالم العربي”، وهو شكلٌ من أشكال الاحتجاج الرقمي القائم على التخريب المحمود عبر الإضرار بالأصول والمصالح الرقمية للمؤسسات والدول والأفراد الذين يمارسون انتهاكاتٍ منظمةً لحقوق الشعوب عبر القمع أو الفساد أو نهب الثروات عبر العنف والتلاعب السياسي. يتتبع الباحثُ تطورَ ذلك اللون من الاحتجاج في العالم العربي، وكيف تغيّر شكله وممارساته الوقائية أو الهجومية منذ ميلاد هذا النوع من النشاطية في العالم العربي خلال الأعوام القليلة ما قبل الثورات العربية سنة 2011 وإلى الآن.
لم تخفف نهايةُ رحلة الفتيات بجوار سور صدّ الأرانب من المرارة التي خلّفَتها متابعةُ الرحلة في حلقي. نجحت ثلاث طفلاتٍ، أكبرهن في العاشرة وأصغرهن في السادسة، في مراوغة العسس ومن تشبه ملامحهم الجنود، وعُدْنَ إلى أحضان أمهاتهن متحدّياتٍ المصيرَ الذي رسمه لهنّ محتلّوهن. وعِشْنَ لتصبح ابنة إحداهن كاتبةً تخلّد رحلتهن في كتابها. لكن هذا لم يغيّر كثيراً في أوضاع سكان أستراليا الأصليين، وإن تحسنت بعض الشيء. فهل يمكن لحدودنا العربية بمختلف أشكالها أن تتحول من وسيلة قمعٍ إلى سبيلٍ للتحرر وانتزاع الحقوق؟ يؤسفني أنني أعرف الإجابة. فليتها لم تكن الحدود.
هذا النص تحية وشكر لأستاذي الذي لم ألتقِه: محمد عيسى الشرقاوي…
المصدر مجلة الفراديس