دمشق- عاد ملف المقاتلين الأجانب في سوريا إلى واجهة المشهد الأمني والسياسي بعد بروز خلافات جديدة حول آليات دمجهم في الجيش السوري، في تطور يكشف حجم التحديات التي تواجهها السلطات في مساعيها لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتوحيد القوى المسلحة تحت مظلة الدولة.
وأظهرت الأزمة الأخيرة المرتبطة بمقاتلين أوزبك في محافظة إدلب أن عملية الدمج لا تزال تواجه عقبات تتعلق بالثقة والولاءات والضمانات القانونية، ما يثير تساؤلات حول مستقبل آلاف المقاتلين الأجانب الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وتسعى الحكومة السورية منذ أشهر إلى إعادة تنظيم المشهد العسكري عبر دمج الفصائل المسلحة المختلفة ضمن مؤسسات الدولة، في إطار مشروع يهدف إلى تعزيز السيطرة المركزية وإنهاء حالة التعدد العسكري التي سادت البلاد طوال سنوات الحرب. غير أن ملف المقاتلين الأجانب برز باعتباره الحلقة الأكثر تعقيداً في هذه العملية، نظراً لخصوصية أوضاع هؤلاء المقاتلين وتشابك أبعاد قضيتهم مع اعتبارات أمنية وسياسية وإقليمية.
وجاءت أحدث مؤشرات الأزمة بعد صدور بيان لمجموعة من المقاتلين الأوزبك أعلنوا فيه رفضهم الاندماج ضمن صفوف الجيش السوري، مؤكدين أن عدداً من المقاتلين الذين سبق لهم الانضمام إلى المؤسسة العسكرية الرسمية باتوا يفكرون بالانسحاب.
وأثار البيان مخاوف من أن تتوسع دائرة الرفض لتشمل مجموعات أجنبية أخرى تراقب عن كثب كيفية تعامل السلطات مع هذا الملف.
ويشير هذا الموقف إلى وجود حالة من عدم الثقة بين بعض المقاتلين الأجانب والجهات المشرفة على عمليات الدمج. فبحسب معطيات متداولة داخل الأوساط المحلية، يشعر بعض هؤلاء المقاتلين بأن عملية الاندماج لا توفر ضمانات كافية بشأن أوضاعهم القانونية ومستقبلهم الأمني، خاصة في ظل الحديث عن ضغوط مورست على بعض العناصر للانضمام إلى الجيش أو مواجهة احتمالات الاعتقال أو الترحيل.
وتحولت هذه المخاوف إلى أزمة ميدانية في محافظة إدلب، حيث شهدت المنطقة توترات أمنية متكررة خلال الأسابيع الماضية.
ونقلت تقارير عن مسؤولين أمنيين أن قوات حكومية نفذت عمليات أمنية استهدفت عدداً من المقاتلين الأوزبك المطلوبين، ما أدى إلى تصاعد الاحتقان واندلاع احتجاجات نظمها مقاتلون أجانب للمطالبة بالإفراج عن بعض الموقوفين.
وبدأت الأزمة عندما حاولت السلطات اعتقال مقاتل أوزبكي متهم بإطلاق النار داخل مدينة إدلب، قبل أن تتطور الأحداث إلى احتجاجات مسلحة خارج منشأة أمنية حكومية.
ومع اتساع التوتر، دفعت القوات الحكومية بتعزيزات إضافية إلى المنطقة ونشرت أرتالاً عسكرية في محيط إدلب وريفها الشمالي، فيما سجلت اشتباكات متقطعة قرب بلدة الفوعة بالتزامن مع فرض إجراءات أمنية مشددة.
ولا تمثل هذه الحوادث مجرد خلاف أمني محدود، بل تعكس إشكالية أعمق تتعلق بمصير المقاتلين الأجانب في سوريا الجديدة. فهؤلاء الذين قدموا من دول مختلفة خلال سنوات الحرب وانخرطوا في فصائل إسلامية متعددة، يواجهون اليوم تحديات مرتبطة بإعادة تعريف دورهم ومكانتهم في مرحلة ما بعد النزاع.
وتعد المجموعة الأوزبكية واحدة من أبرز التشكيلات الأجنبية التي نشطت في شمال غربي سوريا خلال السنوات الماضية.
ووفق تقديرات أمنية سورية سابقة، يوجد نحو 1500 مقاتل أوزبكي داخل البلاد، بعضهم يقيم مع عائلاته في مناطق إدلب وريفها.
ويجعل هذا العدد من أي خلاف معهم قضية تتجاوز البعد الفردي لتتحول إلى ملف أمني وسياسي واسع التأثير.
وتزداد حساسية القضية بسبب اختلاف أوضاع المقاتلين الأجانب. فبعضهم حصل على مواقع رسمية داخل مؤسسات الدولة الجديدة، فيما لا يزال آخرون يفتقرون إلى وضع قانوني واضح.
وقد شغل عدد من المقاتلين الأجانب مناصب بارزة في المرحلة الأخيرة، الأمر الذي خلق تبايناً في التوقعات والمطالب بين المجموعات المختلفة بشأن طبيعة دورها المستقبلي داخل الدولة.
كما أن الأزمة الحالية لا تقتصر على المقاتلين الأوزبك وحدهم. فمجموعات أخرى من جنسيات متعددة، بينها شيشانية وآسيوية وعربية، تتابع مسار الأحداث باعتباره مؤشراً إلى كيفية تعامل السلطات مع ملف الأجانب بشكل عام.
ولذلك فإن أي تصعيد أو فشل في معالجة الأزمة قد ينعكس على بقية المجموعات ويؤثر على فرص نجاح مشروع الدمج بأكمله.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي تعثر عمليات الدمج إلى بقاء مجموعات مسلحة خارج سيطرة الدولة أو إلى ظهور شبكات منفصلة تحتفظ بقياداتها وولاءاتها الخاصة.
وفي هذه الحالة ستواجه السلطات تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على الأمن الداخلي من جهة، ومنع إعادة إنتاج مراكز قوة عسكرية مستقلة من جهة أخرى.
كما أن استمرار الغموض بشأن أوضاع المقاتلين الأجانب قد يفتح الباب أمام توترات أمنية متكررة، خصوصاً في مناطق الشمال السوري التي شهدت خلال السنوات الماضية وجوداً كثيفاً لهذه المجموعات.
وتزداد هذه المخاوف مع تكرار حوادث استهداف شخصيات أجنبية أو قيادات سابقة في الفصائل المسلحة، ما يعكس هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بهذا الملف.
وفي المقابل، تدرك السلطات السورية أن نجاح مشروع إعادة بناء المؤسسة العسكرية يرتبط إلى حد كبير بقدرتها على استيعاب مختلف القوى المسلحة ضمن هياكل الدولة. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب معالجة الهواجس القانونية والأمنية للمقاتلين الأجانب، وإيجاد صيغة توازن بين متطلبات السيادة الوطنية وضرورات الاستقرار الميداني.
وتكشف أزمة المقاتلين الأوزبك أن مشروع دمج المقاتلين الأجانب لا يزال يواجه اختبارات صعبة رغم التقدم الذي تحقق في ملفات أخرى. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بترتيبات إدارية أو عسكرية، بل باتت تعكس تحديات أعمق تتعلق ببناء الثقة وإدارة التنوع داخل المؤسسة العسكرية الجديدة.
ومن المرجح أن يشكل أسلوب التعامل مع هذه الأزمة عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل آلاف المقاتلين الأجانب، كما سيحدد إلى حد بعيد قدرة الدولة السورية على استكمال مشروعها لإعادة تشكيل المشهد الأمني والعسكري خلال المرحلة المقبلة.