دمشق – أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الأحد أن الرئيس أحمد الشرع سيزور البيت الأبيض في العاشر من الشهر الجاري. وتعتبر الزيارة المنتظرة حدثا تاريخيا بالنسبة إلى سوريا، حيث لم يقم أي رئيس سوري على الإطلاق بزيارة رسمية إلى البيت الأبيض، وسط تطلع السوريين لأن تشكل الخطوة نقطة تحول حقيقية في العلاقة بين دمشق وواشنطن.
وكان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك أعلن السبت عن زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة ليأتي التأكيد من وزير الخارجية السوري، على هامش حوار المنامة.
وقال الشيباني إن “هناك الكثير من المواضيع التي يتم الحديث عنها بداية من رفع العقوبات وفتح صفحة جديدة بين أميركا وسوريا. نريد أن تكون هناك شراكة قوية جدا بين أميركا وسوريا.” وقام الشرع في سبتمبر الماضي بزيارة إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى خلالها كلمة، تحدث فيها عن أولويات حكومته خلال الفترة الانتقالية، وحرصها على الانفتاح على المجتمع الدولي.
وقبلها كان الرئيس السوري التقى بنظيره الأميركي دونالد ترامب في السعودية خلال شهر مايو، في أول لقاء بين رئيس سوري ورئيس أميركي منذ 25 عاما. واعتبر الاجتماع، الذي عقد على هامش لقاء ترامب مع قادة مجلس التعاون الخليجي، بمثابة تحول كبير في الأحداث بالنسبة إلى سوريا التي لا تزال تتكيف مع الحياة بعد انتهاء حكم عائلة الأسد الذي استمر أكثر من 50 عاما.
ومنذ سيطرة المعارضة على السلطة بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر، قام الشرع بسلسلة من الرحلات الخارجية في وقت تسعى فيه حكومته الانتقالية إلى إعادة بناء علاقات سوريا مع القوى العالمية التي كانت تتجنب دمشق خلال حكم الأسد. ويرى مراقبون أن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض تشكل أهمية كبرى، حيث من المنتظر أن يجري خلالها مناقشة الملفات الشائكة التي تعوق حتى الآن تثبيت أسس جديدة للعلاقة بين سوريا والولايات المتحدة، ومن بينها العلاقة بين دمشق وتل أبيب.
وتوقع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا عقد جولة خامسة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وسوريا، بوساطة الولايات المتحدة ، بعد زيارة الشرع إلى واشنطن. ولفت باراك إلى أن هدف الولايات المتحدة هو التوصل إلى اتفاق أمني على الحدود بين البلدين بحلول نهاية 2025.
وتسيطر إسرائيل على الجولان، وقد استغلت سقوط نظام الأسد للمزيد من التمدد في الأراضي السورية حيث سيطرت على منطقة جبل الشيخ، ولم تكتف بذلك بل عمدت إلى التوغل في قرى وبلدات في درعا والقنيطرة.
وتراهن السلطة السورية على الدبلوماسية كخيار في مواجهة التحركات الإسرائيلية، لكنّ مراقبين يرون أن الإشكال يكمن في أن إسرائيل تنظر إلى سوريا كطرف ضعيف منهك، وهي تحرص على الاستفادة من ذلك والحصول على المزيد من التنازلات. ويعتقد مراقبون أن واشنطن قد تمارس قدرا من الضغوط على الشرع للموافقة على بعض أهداف إسرائيل في سوريا، خلال الزيارة المرتقبة إلى واشنطن.
وقال الرئيس الشرع في سبتمبر الماضي إن الجولان أرض سورية، وسوريا تحاول أن تعيدها من خلال المفاوضات واتفاقيات السلام، أو أي شيء يضمن حق سوريا في هذه الأرض التي لا يزال المجتمع الدولي يعترف بها كأرض سورية.
وأوضح الشرع في حوار مع شبكة “سي بي آس” الأميركية أن على إسرائيل العودة عن أي نقطة تقدمت إليها بعد 8 ديسمبر 2024، معتبرًا أن ذلك هو “الوضع الطبيعي”، وأن سوريا “لم تقم بأي استفزازات تجاه إسرائيل منذ وصول الحكومة الحالية إلى دمشق،” بل أعلنت بوضوح أنها “لن تكون منصة لتهديد أي دولة مجاورة، بما في ذلك إسرائيل.”
وأشار الشرع إلى أن إسرائيل قصفت القصر الجمهوري مرتين، معتبرًا أن “قصف القصر ليس رسالة سياسية، بل إعلان حرب،” وتساءل “ماذا لو قُصفت الحديقة الخلفية للبيت الأبيض؟ ألن تدخل أميركا في حرب لـ20 سنة؟”
وقال إن إسرائيل تحاول جرّ سوريا إلى حالة من الصراع عبر “استفزازات متكررة تعتمد على القوة العسكرية،” معتبرًا أن هذه السياسة “خاطئة وتشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي،” وأن استمرارها قد يدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى “البحث عن خيارات بديلة بسبب المخاطر التي تخلقها التصرفات الإسرائيلية في المنطقة.”
ويرى المراقبون أن زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة ستكون ربما فاتحة لاتفاق أمني مع إسرائيل، لكن يبقى السؤال بشأن الثمن الذي سيتعين على السوريين دفعه. ومن جهة ثانية، من المنتظر أن يوقع الرئيس الشرع خلال زيارته إلى البيت الأبيض على اتفاقية الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو ما يلغي احتكار قوات سوريا الديمقراطية لهذا الدور في الداخل.
كما ستكون العقوبات من ضمن أبرز نقاط أجندة الزيارة، والتي يبقى حلها مشروطا بمدى تجاوب الشرع مع المطالب الأميركية. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية الجمعة إن إدارة دونالد ترامب تدعم إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر من خلال مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الذي يناقشه المشرعون الأميركيون.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة على تواصل منتظم مع شركائها في المنطقة، وترحب بأي استثمار أو مشاركة في سوريا بما يدعم إتاحة الفرصة لجميع السوريين في بناء دولة يسودها السلام والازدهار، في ما بدا ردا غير مباشر على الرياض التي أبدت استعدادا لاستثمار المليارات من الدولارات في سوريا، لكن العقوبات الأميركية تعيقها.