تريد واشنطن كما أعلنت أكثر من مرة انخراط سورية في محاربة الإرهاب المتمثل حالياً بتنظيم داعش، واتخاذ خطوات جدية للتطبيع مع إسرائيل، وإزالة برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، إلى جانب ضمان عدم منح أجانب مناصب قيادية في الحكم. وتُبدي الحكومة السورية تعاوناً وتفهماً للكثير من المطالب الأميركية وشرعت بالفعل في خطوات تظهر تجاوباً حيالها، فيما يُعد الانضمام المحتمل إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب خطوة متقدمة على هذا الصعيد. وتعاونت الإدارة السورية الحالية مرات عدّة مع التحالف الدولي خلال الشهور الماضية من أجل تنفيذ هجمات على خلايا وقياديين لـ”داعش” في الأراضي السورية. ويعد هذا الملف أولوية لدى الإدارة الأميركية الذي توليه كل الاهتمام، وتريد كما يبدو تسليم هذا الملف للحكومة السورية والذي هو اليوم بعهدة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)؛ وهي بمثابة الذراع البرية للتحالف منذ تأسيسها لهذه الغاية قبل نحو عشر سنوات.
ملفات يحملها الشرع إلى واشنطن
في المقابل، يحمل الشرع في جعبته العديد من الملفات التي تشكّل اليوم تحديات ماثلة أمام بلاده التي تمر بمرحلة انتقالية، للحصول على دعم أميركي لمواجهتها، ولا سيّما في مجال الاقتصاد الذي ما تزال العقوبات الأميركية تكبّله، خصوصاً تلك المشرّعة بقوانين، كما سيحاول الشرع حشد التأييد في أروقة السياسة الأميركية لرفع هذه العقوبات من داخل الكونغرس، فضلاً عن طلب الدعم الأميركي لحل ملفات عالقة، خصوصاً ملف “قسد” التي ما تزال تحظى بدعم أميركي يدفعها إلى المماطلة في الانضمام إلى الجيش السوري وتسليم الشمال الشرقي من البلاد للحكومة (بموجب اتفاق وقّعه الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي في دمشق يوم العاشر من مارس/آذار الماضي). ومن المرجح أن يكون ملف الجنوب السوري من أهم الملفات التي سيناقشها الشرع في واشنطن، فالجانب الإسرائيلي لم يكف عن الاعتداءات على السيادة السورية منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي عقب إسقاط نظام الأسد، للضغط على دمشق للتوقيع على اتفاق أمني مناقض لاتفاقية فك الاشتباك المبرمة عام 1974، والتي تطالب سورية بالعودة إليها. وربما ستكون زيارة الشرع إلى واشنطن خطوة واسعة باتجاه توقيع اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب على أساس هذه الاتفاقية، يضع حداً للتدخل الإسرائيلي في الشأن السوري، ويضمن وقف جميع الأعمال العدائية بين البلدين.
في هذا الصدد، رأى السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “واشنطن تريد من دمشق الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش وتمتين الارتباط بها منعاً لزيادة التوجه نحو روسيا”، وأضاف أنه “في المقابل، تريد سورية من الولايات المتحدة الدعم لبسط سيطرة الدولة على الشمال الشرقي والجنوب، ولجم إسرائيل ورفع العقوبات فعلياً”. غير أن العمادي ذكر أن زيارة الشرع إلى واشنطن ربما لن “تحقق كل النتائج المرجوّة”، موضحاً أن “الموالين لإسرائيل والمؤيدين لقسد لديهم الأغلبية في دوائر صنع القرار الأميركي”.
وكان سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر الماضي بداية تحول جذري في السياسة الأميركية تجاه سورية، فقد بادر ترامب في يونيو/حزيران الماضي لتوقيع أمر تنفيذي ينهي البرنامج الأميركي للعقوبات على سورية وإعادتها إلى النظام المالي الدولي لمنحها “فرصة للازدهار”. لكن العقوبات المشرّعة بقوانين، أبرزها “قانون قيصر” (بهدف الضغط على نظام بشار الأسد لإيقاف الهجمات على المدنيين وقبول حل سياسي)، التي تتضمن إجراءات أكثر صرامة، ما تزال محل شد وجذب في أروقة المشرّعين الأميركيين، رغم وجود تأييد لإلغاء هذه القوانين في أوساط الحزبَين الجمهوري والديمقراطي، ومن إدارة ترامب.
علاقات أمنية واقتصادية
وتعليقاً على زيارة الشرع إلى واشنطن الشهر الحالي، اعتبر الباحث السياسي مؤيد غزلان، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الزيارة “تروّج سورية أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي”، مضيفاً أنها “خطوة عملية من واشنطن لاستثمار العلاقات مع سورية في منحيَين: أمني واقتصادي”. وفي رأيه فإن “هذه الزيارة ستدفع باتجاه رفع العقوبات بشكلها التشريعي نهائياً، ما يعني إعطاء الثقة للشركات لتبدأ خطواتها في مجال إعادة الإعمار في سورية”. الزيارة كذلك وفق غزلان، “بمثابة سحب ورقة مكافحة الإرهاب من يد قسد، وإعطاء أولوية للسيادة السورية على أراضيها، ما يعطي الحكومة دفعاً قوياً في مسار التفاوض مع هذه القوات”، مضيفاً أن “اندراج سورية في التحالف (الدولي) اعتراف بأن الاستقرار الأمني الإقليمي والدولي لا يجري إلّا عبر الحكومة السورية”، وأشار إلى أنه “في الآونة الأخيرة جرى تعاون وثيق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي في محاربة الإرهاب”.
وعن دخول سورية في التحالف الدولي، رأى غزلان أنه “يعني حصولها على برامج دفاعية وتكنولوجيا مراقبة كانت ممنوعة عليها”، معتبراً أن “الزيارة ودخول سورية إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب عامل طمأنة للاتحاد الأوروبي لرفع وتيرة خطواته تجاه سورية، خصوصاً لجهة إعادة الإعمار”. وستدفع الزيارة، وفق غزلان، “باتجاه التوصل لاتفاق أمني مع إسرائيل بوساطة أميركية”، مضيفاً أن “انخراط سورية في التحالف الدولي ورقة بيد الإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لمنع الاعتداءات الإسرائيلية على سورية”. وأشار في هذا السياق إلى أن “القصف الجوي الإسرائيلي على سورية توقف قبل أشهر عدّة بسبب الضغط الأميركي”. من جهة ثانية قال غزلان إن انضمام سورية إلى التحالف الدولي والتوصل لاتفاق أمني مع إسرائيل “يقوي موقف الحكومة السورية في التفاوض حول ملفات داخلية شائكة مثل ملفَي قسد، ومحافظة السويداء”. وشدد على أن “لغة سورية اليوم هي لغة المجتمع الدولي سواء في محاربة الإرهاب أو عدم الاستقطاب وإبعاد المحور الإيراني عن سورية”، معتبراً أن ذلك “نجاح للحكومة السورية في كل الملفات، ما ينعكس إيجاباً على الداخل السوري، قبل أن يكون تلبية لشروط إقليمية أو دولية”.
المصدر العربي الجديد