
-
-
في علم الاقتصاد السياسي لا يُنظر إلى الفساد على أنه انحراف أخلاقي أو سلوك شخصي، بل يُعدُّ بنية وظيفية في نوع محدد من أنظمة الحكم الهشّة التي تتركز في غالبيتها الساحقة في الدول النامية. تناول عدد من منظري الاقتصاد السياسي موضوع الفساد من خلال فكرة الدولة الريعيّة، أي الدولة التي تُعيد توزيع الريوع على شبكات الموالين للحاكم. ومن بين أبرز من تناولوا هذا الموضوع هناك حازم الببلاوي وجيانفرانكو لوتشياني في نظرية الدولة الريعية، ومشتاق خان في دراساته عن «الفساد الوظيفي»، ودوغلاس نورث في تنظيره لمفهوم «نظام الوصول المحدود». اعتبر هؤلاء أن الفساد يمكن أن يتحول إلى آلية حكم لا إلى مجرد خلل فيها.
في الدول التي تعجز عن تحصيل الإيرادات أو بناء مؤسسات مستقرة، يُصبح الريع السياسي هو العملة الحقيقية التي تُشتَرى بها الولاءات، ويتحول الفساد إلى وسيلة لضبط التوازنات بين القوى المتنافسة. في مثل هذه السياقات، لا يُكافَح الفسادُ إلا في الخطاب، بينما في الممارسة يُعاد تنظيمه ليُصبح أكثر فاعلية في خدمة السلطة.
من هذا المنظور، يُمكن قراءة التجربة السورية الراهنة بوصفها مثالاً مكثفاً على هذا المنطق. فمنذ تشكل السلطة السياسية الجديدة، حاولت أن تقدم نفسها كبديل مدني يسعى إلى تأسيس دولة جديدة قادرة على تجاوز الفوضى والانقسام. غير أن هذا التحول من سلطة فصائلية إلى سلطة مدنية شكليّة لم يغيّر البنية التي تستند إليها السلطة في جوهرها. فبين مرحلة الحكم التي استندت إلى الخطاب العقائدي ومرحلة الخطاب المدني، لم يتبدل سوى القاموس، بينما ظلَّ الاقتصاد السياسي نفسه: اقتصاد الحرب، والريع، والفساد بوصفه لغة الحكم الوحيدة الممكنة، ومنذ استلام السلطة الجديدة للحكم في دمشق بدأ يتداول مصطلح «إدلبنة الاقتصاد»، وهو مصطلح يُعبّر عن كيفية إعادة هندسة الفساد وتدويره في مرحلة ما بعد النزاع لا القضاء عليه.
تسعى النخبة الحاكمة الجديدة إلى إظهار قطيعة رمزية مع المرحلة الجهادية السابقة تترافق مع خطاب معادٍ للفساد، لكن الواقع يضعها في مفارقة لا يمكن الخروج منها بسهولة. فالنظام الذي يرفع شعار مكافحة الفساد يعيش عملياً على الاقتصاد الموازي القائم على الولاءات والمنافع، وبالتالي صار الفساد شرطاً ضرورياً لبقائه لا خللاً يمكن إصلاحه. وتُشكّل الإيديولوجيا قيداً إضافياً يُكبِّل التحول نحو المدنيّة ويُعزز الفساد بل يجعله ضرورة. وقد عكست مؤخراً بعض التغطيات الإعلامية ذات المصداقية المقبولة ملامح هذه العملية.
في تحقيق نشرته وكالة رويترز في تموز (يوليو) 2025 بعنوان «سوريا تُعيد تشكيل اقتصادها سراً، وشقيق الرئيس هو المسؤول» سُلِطَ الضوء على لجنة اقتصادية سريّة يرأسها حازم الشرع، شقيق الرئيس. تُفاوض هذه اللجنة رجال أعمال من عهد الأسد على تسويات مالية مقابل «تطهير» أموالهم، وقد ضمت شخصية أسترالية تُعرف باسم «أبو مريم الأسترالي». في جوهرها، لم تكن هذه لجنة إصلاح اقتصادي بل آلية لإعادة توزيع الريع تحت إشراف العائلة الحاكمة. والنتيجة كانت ولادة اقتصاد موازٍ يربط رجال الأعمال الجدد بالرئاسة عبر شبكة من المصالح والصفقات، في نموذج كلاسيكي لما يسميه الاقتصاديون «إعادة هيكلة الفساد» لا مكافحته.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2025 نشر موقع The Syria Report تقريراً بعنوان «إدلبنة الاقتصاد: نموذج هيئة تحرير الشام يتمدد على نطاق وطني» كشف ميدانياً عن التحول الجاري. يُبين التقرير أن السلطات الجديدة نقلت فعلياً نموذج هيئة تحرير الشام في إدارة اقتصاد إدلب إلى باقي مناطق سوريا. فقد مُنحَت شركات واجهة مثل طيبة بتروليوم احتكار توزيع الوقود دون مناقصات عامة، واستحوذت شركة زاجل للنقل على خطوط حكومية سابقة، بينما تولت شركة شام كاش الرقمية إدارة نظام الرواتب عبر تطبيقات مرتبطة بمصرف خاص يملكه رجال أعمال مقربون من الشرع. هذه الحالات تكشف كيف تم تحويل «اقتصاد الحرب» الذي أدارتهُ الفصائل في الشمال إلى اقتصاد ريعي منظم تحت سلطة مركزية جديدة، في عملية تُوصف بدقة بأنها «علمنة شكليّة» لاقتصاد هيئة تحرير الشام، لا قطيعة معه.
بعد ذلك ببضعة أيام نشرت وكالة رويترز تقريراً آخر بعنوان «لا غنائم حرب: الحاكم الجديد لسوريا يضع حداً لمظاهر الثراء بين الموالين». ظهر فيه الرئيس المؤقت غاضباً من مسؤوليه الذين حضروا بسيارات فارهة إلى اجتماع عقده في إدلب، فأغلق مكاتب عدد منهم، بما في ذلك مكتب شقيقه الأصغر. لكن التقرير ذاته يُوضح أن الرشاوى والمعاملات السريّة استمرت بلا انقطاع. ويُمكن أن نستنتج من التقرير أن «مكافحة الفساد» قد لا تكون سوى وسيلة لتجميع خيوط الاقتصاد المبعثر تحت سلطة الرئاسة. الفساد هنا لم يُمحَ، بل جرى تأميمه؛ أصبح منظماً وهرمياً، وجزءاً من جهاز الدولة بدل أن يكون ضدها.
وفق منطق الدولة الريعية كما صاغه ببلاوي ولوتشياني، حين تضعف الدولة الإنتاجية، تُصبح السلطة السياسية قائمة على توزيع المنافع لا على إنتاجها. الولاء يُشترى بالمناصب والعقود، والسلطة تتحول إلى شركة ريعية تتقاسمها النخب.
في سوريا اليوم، تتجسد هذه القاعدة بشكل صارخ: فقد دمّرت الحرب قاعدة الإنتاج، واستُبدلت الضرائب بالجبايات والرسوم غير الرسمية، وتحول النفوذ الديني والعسكري إلى مصدر مباشر للربح. «إدلبنة الاقتصاد» التي وثّقها تقرير The Syria Report ليست سوى التعبير الميداني عن هذا المنطق، إذ تحولت شبكات الريع من سلطة محلية جهادية إلى سلطة مركزية بيروقراطية، من دون أي تغيير في جوهر العلاقة بين السلطة والثروة.المعضلة الأعمق لدى السلطة الجديدة في سوريا ليست اقتصادية فقط، بل أيديولوجية أيضاً، والقوة التي تحميها هي نفسها التي قد تُسقطها. فهي محاطة بفصائل مسلحة متشددة ترى في المدنية خيانة دينية، ولأن هذه السلطة لا تستطيع مواجهتها بالسلاح ولا بالإصلاح، يبدو أن اللجوء إلى «الإفساد الممنهج» هو وسيلة الترويض الأجدى، وربما الوحيدة. لذلك منحت قادة الفصائل مواقع قيادية وامتيازات اقتصادية، وحولت العقيدة إلى مصلحة، فتحول الجهادي إلى بيروقراطي، والشيخ إلى رجل أعمال.
يؤدي الفساد هنا وظيفة مزدوجة: يُسكِن الأصولية ويُكرِّس الولاء في آن واحد. إنها عملية «علمنة ناعمة» تتم عبر الإغراء لا الصدام، حيث تتبدل اللغة لكن يبقى المنطق ذاته: السلطة مقابل الولاء.
هذه الاستراتيجية ليست سوريّة الصنع رغم وجود خصوصية سورية. ففي العراق بعد عام 2003، تحوّل نظام «المحاصصة الطائفية» إلى وسيلة لتوزيع الريع السياسي بين الأحزاب، فصار الفساد هو ما يحفظ التوازن الهش لا ما يُهدده. وفي السودان بعد الثورة، استخدم المكون العسكري الفساد لإعادة دمج الإسلاميين السابقين في الاقتصاد، فأُعيد إنتاج المنظومة القديمة بأسماء جديدة.
أمّا في أفغانستان، فقد اعتمدت الحكومات المتعاقبة على شبكات أمراء الحرب الذين حولوا المساعدات الخارجية إلى موارد خاصة، وحين انقطع الريع انهارت الدولة سريعاً.تتشابه هذه النماذج جميعها في جوهرها؛ فالأنظمة الخارجة من النزاعات لا تميل إلى بناء شرعيتها على المشاركة أو الكفاءة، بل على توزيع الريع والفساد كبديل عن المؤسسات. ولا يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة إلا عبر تسويات سياسية شاملة، وآليات مشاركة فعلية، ونظم حوكمة رشيدة تُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والثروة على أسس قانونية ومؤسسية مستدامة.
في هذا الإطار، يُمكن القول إن سوريا ما بعد الحرب تُمثّلُ نموذجاً صافياً لما يمكن تسميته «المنظومة الريعية ما بعد النزاع»، حيث لا تستطيع السلطة أن تحكم بلا فساد، ولا أن تُصلِح دون أن تهتز بنيتها. فالفساد أصبح الآلية التي تُمول بها السلطة وتدار بها التحالفات، لا الخطر الذي يهددها. قد ينجح هذا التوازن مؤقتاً، لكنه لا يصنع دولة. فالفساد يمكن أن يشتري الوقت، لكنه لا يبني مؤسسات. وما لم تتغير البنية السياسية–الاقتصادية التي تجعل منه شرطاً لبقاء النظام، ستظل سوريا دولة مؤجلة، يحكمها من يدرك أن الفساد هو آخر ما يملك.
المصدر الجمهورية.نت
-