الكآبة موضوع يتكرّر في الأدب، يمكن أن يكون مصدرًا للإبداع والوضوح في الكتابة، ولكنه يمكن أن يكون أيضًا موضوعًا عميقًا نتصفّح فيه مفاهيم النفس وتراجعها في الواقع. وتتجلى الكآبة في مظاهر مختلفة، مثل التأمل الفكري، أو الشعور بالفقدان والخسارة، أو الإحساس بهشاشة العالم. وقد استكشف الأدب الكآبة من خلال أشكال متعددة، في الأعمال الرومانسية التي كتبها المعاصرون، مرورًا بالشعر وباقي أجناس الأدب والفن.
كيف يمكن للكآبة أن تكون مصدرًا من مصادر الوضوح عند الكاتب؟ كثيرًا ما تمّ ربطها بشكل من أشكال الوضوح والاستبصار، الذي يسمح للكاتب رؤية بشكل أفضل لهشاشة الأشياء والطبيعة العابرة للوجود. وإذا أردنا أن نعطي أمثلة واضحة وراسخة من عالم الأدب فلن نجد أفضل من: بودلير صاحب “سأم باريس” و”فصل في الجحيم”، أو فرناندو بيسوا الذي كتب حزنه في مختلف أشكال الكتابة والتعبير، منها الشعر، الفلسفة، النقد وبعض الترجمات والمسرحيات. إنه صاحب الكتاب الضخم، حقيبة الأحزان، “كتاب اللاطمأنينة” و”لست ذا شأن”. أو فيرجينيا وولف صاحبة “بيت تسكنه الأشباح”، المنتحرة التي كانت من أول من استخدم تيار الوعي كطريقة للسرد. انتحرت بعد أن أنهت روايتها “بين الأعمال”. لكن السبب الحقيقي لإصابة وولف بكآبة حادة هو الحرب العالمية الثانية التي دمّرت كل شيء كانت تملكه أوروبا، وتسببت بتدمير منزلها في لندن. وهذه الكلمات من رسالة انتحارها التي تركتها إلى زوجها، تلخّص كل ما نريد قوله: “عزيزي، أنا على يقين بأنني سأجنّ، ولا أظنّ بأننا قادرون على الخوض في تلك الأوقات الرهيبة مرة أخرى، كما ولا أظنّ بأنني سأتعافى هذه المرة. لقد بدأت أسمع أصواتًا وفقدتُ قدرتي على التركيز. لذا سأفعل ما أراه مناسبًا…”.
إن جلّ من كتبوا في هذا الموضوع ربطوا الكآبة والحزن والأدب بالانتحار. وحتى أن العديد من تقارير الجوائز الأدبية الكبرى، نوبل مثلًا، تشير إلى أن الفائز/ الفائزة، كتبوا/ كتبن عن التوتر اللامتناهي ونهاية الحياة والكائن الضائع… مما جعل فكرة اتصال الكتابة بالسوداوية تترسّخ أكثر. وحتى من الجانب التاريخي والسياسي تظهر فرضية القراءة بحسّ التحليل النفسي.
يمكن الاستعانة في هذه الزاوية من الدراسات بأعمال المحلّل النفسي والشاعر التشيكي فرانز كالتنبيك (1940-2018)، خصوصًا كتابه “الكتابة والكآبة” الذي يدرس فيه فكرة الكآبة عند الأديب الألماني هاينريش فون كلايست (1777-1811)، الذي انتحر رفقة صديقته، المشهد الذي يذكرنا بأن نعود إلى نفس صيغة الانتحار التي نفذها الكاتب الألماني ستيفان تسفايغ (1881-1942) الذي انتحر مع زوجته لوت ألتمان، ثم بول تسيلان، الذي تسببت له الإبادة الجماعية لليهود بعقدة نفسية رهيبة، والكاتب والمفكر الأميركي ديفيد فوستر والاس، نموذج الكاتب المغترب، الذي كان يعاني من فوبيا الحشرات والأصوات التي تُحدثها. في نص وٌجد بعد وفاته كتب جيرار دي نيرفال (1808-1855): “سوف أحاول وصف انطباعات مرض قديم جرت أطواره كاملة في أعماق روحي. كما لا أعرف لماذا أستعمل كلمة “مرض”، لأنه حين يتعلق الأمر بي لا أشعر بأنني أفضل حالًا”. ماذا فعل دي نيرفال حين عرف أن المرض وصل إلى أعناق روحه؟ هل يمكن أن تكون قصيدته الشهيرة “الشقي” انتصارًا على المرض؟ هل أسفاره الكثيرة إلى الشرق، خصوصًا إلى مصر وتركيا وسورية ولبنان التي جمعها في كتاب “رحلات إلى الشرق”، كانت علاجًا لمرضه القديم؟ لقد أثبتت الدراسات التي تناولت قصيدته “الشقي” أنها سوناتة معقدة تستكشف هوية الشاعر، حزنه العميق بين مقاومته لليأس وأمله في ولادة جديدة. توظف القصيدة الاستعارات والتلميحات الأسطورية (مثل صورة “الشمس السوداء” المستوحاة من لوحة للرسام والنحات الألماني ألبريخت دورير (1471-1528)، وأسطورة الكاتب والموسيقي الأسطوري الإغريقي أورفيوس) لترمز إلى حالة من الراحة والقدرة على تحويل هذا الألم إلى شعر يصرّح عبره الشاعر: ّأنا مظلم من الداخل.
| كلّ نماذج الأدب الحزين تدفع إلى الإيمان بأن هذا الحزن يقود أصحابه إلى الاستبطان العميق |
كلّ نماذج الأدب الحزين تدفع إلى الإيمان بأن هذا الحزن يقود أصحابه إلى الاستبطان العميق، مما يسمح باستكشاف الجوانب المخفية للطبيعة الإنسانية. كما يمكن أن يكون، بدون شكّ، أرضًا خصبة للتأمل الفكري والفكرة في السؤال، وبدون وعي من هؤلاء الأدباء، فهم يبدون شعورًا بالخير الذي كان سائدًا في الماضي، ولعلّ ذلك هو سبب الحنين إلى زمن مضى أو إلى إدراك أن العالم كان سعيدًا فيما مضى. وقد أضاف التحليل النفسي للأدب مفهوم “سعادة الشعور بالحزن” حيث تختلط الكآبة بنوع من النعومة، وبوعي حادّ بالجمال الهش للعالم.
إن أهم مرحلة لهذا الظلام الروحي هي الفترة التي ارتبط بها الأدب بالحزن بشكل خاص، ألا وهي الرومانسية، لكن مظاهره تطوّرت مع العصور، وارتبطت جزئيًا بمسائل الحداثة وفترات الأزمة الإنسانية والفردية. أما ترسخ هذه الثيمة فلم يحدث إلا بتكرارها كموضوع في الأدب الغربي، منذ الشعراء الجوالين (التروبادور) إلى الشعراء في أدب جلّ الأمم، على غرار الباروك والرومانسية والتحليل النفسي.
في سنة 2012 أصدر جان ستاروبنسكي كتابًا يدرس هذه الظاهرة عنوانه “حِبر الكآبة” ركز فيه على مقولة في الإلياذة “الألم يفترس قلبي”. كما اعتمد على العديد من الأعمال الأدبية منذ هوميروس، والتحديدات من علم النفس، واللوحات والرسومات التي اهتمت بهذه المادة السميكة، الناهشة والمظلمة التي يحدّدها المعنى الحرفي لكلمة “كآبة”. ففي العصور القديمة كانت الكلمة تعني من حيث الاصطلاح المزاج الأسود والغضب.
إن السؤال الذي يخطر على بالنا حين نقرأ كتاب “حِبر الكآبة” هو: هل تسبق المشاعر الكلمات التي تُسمّيها، أم أنها لا تخطر على بالنا إلا بعد أن نُسمّيها؟ لا شك في أن الأدباء، مع الحزن والوحدة والضيق، كما مع الفرح، يختبرون أحاسيس تتجاوز، إلى حدٍّ ما، حدود اللغة والثقافة. ومع ذلك، كما يُشير جان ستاروبنسكي: “بمجرد أن نُسمّي الشعور، ونكتسب هوية، لا يعود هو نفسه تمامًا. تُكثّف الكلمة شيئًا لم يُفهَم سابقًا، وظلّ مبهمًا. وبمجرد تبنيها، تُولّد مشاعر جديدة”. ويُضيف: “نختبر عواطف تسبقنا كلماتها، ولم نكن لنشعر بها لولاها”.
لقد أنجز ستاروبنسكي بحثًا ضخما عن الكآبة، بدءًا من أول ذكر لها في أعمال هوميروس وجالينوس وصولًا إلى علاجها في الطب النفسي، من خلال كيفية تجربتها والتعبير عنها وتحويلها من قِبل الشعراء والرسامين والفلاسفة. وليس ذلك غريبًا عنه، فقد عُرف بأنه أحد أعظم نقاد الأدب (ناقد الأدب لا يمكن أن يتجاوز المشاعر في النص)، وقد تدرّب في مدرسة جنيف على ممارسة التعاطف مع النصوص، مما سمح له بالكشف عن جوانب لا تزال سرية، وإن كانت جوهرية، للأعمال التي يدرسها، مثل أعمال جان جاك روسو. إننا غالباُ ما ننسى أنه درس الطب والطب النفسي، وأنه جمع بين دورَي أستاذ الأدب والمتدرب. في الواقع، يبدأ كتاب “حبر الكآبة” بأطروحته الطبية، المُخصصة لتاريخ “العلاج الطبي” للكآبة. إنها أطروحة أدبية بامتياز، أدرك صاحبها في وقت مبكر جدًا، في فترة ما بعد الحرب، أن شيئًا حاسمًا كان يحدث: تحوّل الكآبة، وهي قارة حقيقية للحساسية الغربية، إلى مجرد مرض نفسي.
حين ندرس الأدب من هذه الزاوية، حين ننصت لمشاعر النص، نستطيع كتابة تاريخ للحزن والكآبة. ولا شك في أن كل دراسة من هذا النوع ستسير على خطى أعمال غاستون باشلار ومدرسة جنيف (مارسيل ريموند، ألبرت بيغان، جورج بوليه، جان روسيه… إلخ) حول الخيال المادي. هنا أثبتت النظرية الفرنسية جدارتها، فقد أصبح الكئيب بالنسبة لها بلا شك ما كان عليه الفصام بالنسبة لجيل دولوز وفيليكس غواتاري، والجنون بالنسبة لفوكو، أو الساديّة بالنسبة لموريس بلانشو.
المصدر ضفة ثالثة