«يُهدرون ملايين الدولارات ليعيدوا وجوههم إلينا كأننا لم نحفظ ملامحها من قبل؛ استعراض قوة غايته التلويح للمنافسين بوجودهم فقط. يعرفون ألا عراقي واحد سيقف أمام ملصق ليقول: يا لها من دعاية باذخة، سأنتخب!»
أردتُ أن يحتفي جسدي بقدوم الخريف المعتدل. قلت: يا الله، ونزلتُ للسير في منطقتي السكنية. أعلم جيدًا أن نزهة الساقين في بلادي مهمة مستحيلة؛ تغلب على مزايا معظم الأرصفة غير المبلّطة بقايا محالّ تجارية متجاوزة، وعليها إضافات من النفايات، وأحيانًا أشياء لا يعلم أحد ما هي. الرصيف محجوز لكل شيء باستثناء المواطن، وغير متاح. مع ذلك، كان لزامًا على شعوري الإنساني أن أُمنح ولو قليلًا من الاعتراف، كأي فرد يحرق سعراته الحرارية في متنزهات هذا العالم، يحب المشي.
ثم صادفتني حشود لوجوه عابسة وضاحكة أمامي. كنت قد نسيتُ أن الحملة الانتخابية بدأت، وأن المدينة ستختنق بصورهم. كانوا يقفون كتماثيل على الشارع، بقسوة يحدّقون بي، بالجميع. من هؤلاء؟ شعرتُ أنهم سيسرقون شهرًا معتدل الطقس مني. عدتُ إلى المنزل وأنا حائرة بشأن سبب اختيارهم العراك الانتخابي المستمر للأشهر الوحيدة التي لا نبكي فيها من انقطاع الكهرباء؛ الأشهر الوحيدة التي تمنحنا صلاحية شرب الشاي في مكان مفتوح من دون أن نسبح بعرقنا. كان لزامًا على العراقيين الصبر في هذا الشهر.
تخبرني صديقتي: أُصبتُ بنوبة هلع عند محاولتي الصعبة لعبور الرصيف. صراخ أصحاب السيارات عليّ كان كفيلًا بجعلي أرغب في ركل كل ملصقاتهم الدعائية. أطالع بهم وأصرخ بوجه أحد المرشحين: لماذا تنظر إلي؟ لماذا أخذتَ الرصيف مني؟ أين أسير؟
كل شبر على الرصيف، كل سنتيمتر فيه، مُلئ بصور صغيرة وكبيرة، خضراء وصفراء؛ ملصقات مطّت حجم الفجوة وطولها بين المرشحين والسكان.
يريدون جميعهم وطنًا صالحًا للأكل والشرب فيرشّحون أنفسهم!
«مِمَّن يريدون الوطن؟» تتساءل بانهيار صديقتي.
كان يصعب ألّا أشاطرها قتامة نظرتها. لكني سرحت بمشكلتي: كيف سأنتظر التاكسي هذه المرة مع صورهم؟ أتسلق الشجرة؟
عند الساعة الثانية عشرة صباحًا في الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر، انطلقت الحملة الانتخابية للانتخابات العراقية للبرلمان العراقي. وكمن يقف في طوابير متاجر «أبل» للظفر بهاتف حديث، تسابقت سيارات حمل ثقيلة من الليل على حجز أماكن عامة لوضع لافتات المرشّحين فيها. حتى جاءت الشمس على المدينة وهي لا تستطيع التمييز بين الموظفين الواقفين بانتظار الباصات العمومية، ومرشّحين ببدلات رسمية يقفون بثبات لا يتزحزح؛ ثبات مصرّ على الفوز، ولو بأخذ حيّز الرصيف الوحيد المملوك للموظفين مؤقتًا صباحًا.
يقول أحدهم وهو يضطر للهبوط إلى الشارع: «هُم أخذوا كل شيء، حتى الشبر، ويريدوننا أن ننتخبهم».
تزاحمت الشوارع بشعب مطأطئ الرأس؛ يمشي العراقي تحت اللافتة لثانية واحدة فلا يجد لعنقه ممرًا سالكًا. ملصقات لن تنفع بعد الاقتراع إلا بائعي الحديد. على تويتر كتب رجل: إنه يحتاج لإصلاح سقف بيته، ويرجو ألّا يسبقه أحد إلى حديد اللوائح.
أكثر من سبعة آلاف مرشّح يراقبون المشهد كأنه نسخة محلية من The Hunger Games: ساحة صراع تُستهل بلكم عيون المواطن بصور وشعارات تترصّده عند خروجه صباحًا، وفي الزحام المخبول، وعند الجسور. يرفع رأسه إلى السماء ليشكو، فتطارده وجوههم محمولة على الهولوغرام؛ لا مهرب لأحد. إنهم يجرون خلفنا أينما اتجهنا ويتشبّثون بثيابنا مثل علكة.
الملصق الانتخابي كجسر هشّ
بغداد المكتظّة بسكانها وفقرائها تضخمت مع صور مرشحين، تشعرك أن العراق «وردي». برزت هوّة هائلة بين صورهم الأنيقة، وثيابهم، وأسنانهم الناصعة، وبين وجوهنا الحزينة، وأعمالنا الشاقة، وشوارعنا اليائسة. فلا ربط بيننا وبينهم، وكأننا من كوكبين مختلفين.
ثقتهم العالية بعبارات أطلقوها تجعلك متسائلًا كمواطن مسكين: من منا على صواب؟
تبدو وجوه المرشحين غريبة عنك، لا تشبه كثيرًا الوجوه التي تصادفها في عملك والباص والشارع، وكأنهم كانوا في رحلة استجمام قبل التقاط الصور الرسمية للدعاية الانتخابية.
سريعًا، أخذ الأمر منحًى أطول حينما بدأ يتعلق الأمر بالشعارات المذهبية التي تتهافت للظهور على سطح ألسنتهم وشعاراتهم.
يتصدر لذهن المواطن المسكين أن الانتخابات صراع إنقاذ الهوية الدينية فقط. تغذّى الخطاب الانتخابي العراقي من تضخيم فجوة الهوية الدينية والمذهبية، وأقصى الوطنية والمواطنة عن المشهد العام.
سحبت الحملات الشعارات إلى ضيق الانتماء الأولي، ورسّخت منطق الطائفية، كاشفة أن الوعود تُدار، دورة بعد أخرى، على وتر واحد: إنقاذ الجماعة الواحدة أو المذهب.
تُقدَّم الخدمات كتعهد حماية للأقربين، ويُخلق خصم من عدم، يُصوَّر تهديدًا لبقاء الطرف الآخر، ليأتي المرشح متعهدًا بالحراسة لتلك الفئة من العراق كله.
وعلى صوت استقطاب مناطقي وطائفي، مع وعود رخوة لا جداول لها، غايتها الحصول على الأصوات، قدموا خطابات طائفية تحريضية لا تملك أي مناقشة برامج جادة ومصيرية يحتاجها المواطن، مثل ملف الأهوار وجفافها.
خرج أحد المرشحين وهو يردّد أمام جوقة من الحشود بعبارات طائفية: إن أحد المذاهب في خطر، وإن عليهم الانتخاب لأي كان لحماية المذهب من حرب مذهبية مقبلة.
عوضًا عن ذلك، كانت شعارات صور حملاتهم الانتخابية معبّأة ومخزّنة بالتعزيز الطائفي والعنصري؛ مفردات ووسوم مثل: «بغدادي»، «بغداد لأهلها»، «أمة»، «لا تضيعوها»؛ تساهم بتآكل الغاية من خدمة البلاد، إنما المصالح الشخصية تتسلق على حساب المواطنة والسلم والأمن المجتمعي والديني.
الشعارات التي تعيد تعريف المدينة أو البلاد باعتبارها ملكية لفئة، وتحول الخدمة العامة إلى امتياز هوية، تدفع الناخب إلى الاصطفاف دفاعًا عن جماعته، وتغطي على السؤال الأهم: ما البرنامج الذي يخدم الجميع والبلاد من الانهيار؟
الانتخابات عقد مواطنة ومسؤولية مشتركة. المجتمع يحتاج إلى لغة حقوق ومساواة، لا نداءات تشعر جزءًا من الناس أنهم ضيوف في مدينتهم وسيتم طردهم سريعًا بعد فوز هذا المرشح.
ساهم هذا التعزيز كثيرًا في إبعاد مصطلحات الديمقراطية أو الحرية عن أذهان ملصقاتهم أو حتى الناس، حتى نسوا كليًا أن في البلاد أمورًا كثيرة لا تقل أهمية عن الخلفية الدينية، منها أن يكونوا أحرارًا.
متى بدأت الديمقراطية في البلاد؟
تكونت العملية الديمقراطية في العراق عبر عقود من الهشاشة والانقطاعات؛ من انقلاب بكر صدقي عام 1936 (أول انقلاب عسكري في العالم العربي) إلى ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 التي أنهت الملكية وأقامت جمهورية تعاقبت عليها انقلابات وصراعات، ما رسّخ تقليد تداول السلطة عبر القوة لا عبر صندوق الاقتراع.
بعد 2003 انهارت دولة ما قبل ذلك العام وبُنيت واحدة جديدة وسط وجود مباشر لسلطة الاحتلال. أُعيد تركيب المجال السياسي بقرارات محاصصاتية مبنية على «مخطط الفطيرة»، إذ توضع حصص المذاهب على الطاولة ويُحدَّد حجم القطعة وفق ثقل الوجود.
المحاصصة في العراق صيغة تقاسم للسلطة تُبنى على الانتماءات المذهبية والقومية. الدستور لا ينصّ على هذا التوزيع، لكنه ترسخ كعرف تفاوضي بين النخب.
بدأ اعتماد «سانت ليغو» في انتخابات 2014 بصيغة معدلة، ثم ترسخ في 2018 عبر مقسّم (1.7)، ما رفع الكلفة أمام القوائم الصغيرة وعزز فرص الكتل المنظمة.
ذاكرة الناخب مع السياسيين
هكذا، من الطبيعي أن الوجوه ذاتها تتقدم في الملصقات، والأسماء ذاتها تفاوض على الحقائب، والناخب يدخل الصندوق متوقعًا شكل الحكومة قبل إعلان النتائج. تداول يتبدل في التفاصيل ويظل ثابتًا في الجوهر.
وعلى رغم أن عدد المرشحين المعلنين لانتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بلغ 7,768 مرشحًا، ما يعني تشويشًا بصريًا هائلًا تتفوّق فيه ماكينة الاستعراض والمال على وضوح البرنامج والمساءلة.
وبذلك، تكون معرفة المواطن بالمرشحين معرفة راكمتها السنوات، ما أوصله إلى مرحلة تراجع فيها سؤال «ما برنامجك؟» أمام سؤال «من يستطيع إنجاز خدمة لي؟».
تقارير IFES أظهرت تراجع المشاركة خصوصًا بين الشباب، وتأثير حملات مضللة طعنت بجدوى العملية. ورش يونامي 2023 أكدت الحاجة إلى تثقيف انتخابي يمكّن المواطن من التمييز بين الدعاية والوعود القابلة للتحقق.
ما يدفع الناخب نحو خيار أسهل: المقاطعة.
«يُهدرون ملايين الدولارات ليعيدوا وجوههم إلينا كأننا لم نحفظ ملامحها من قبل؛ استعراض قوة غايته التلويح للمنافسين بوجودهم فقط. يعرفون ألا عراقي واحد سيقف أمام ملصق ليقول: يا لها من دعاية باذخة، سأنتخب!»
«سذّج وحرامية»، قالها رجل في حافلة عمومية، فصفق له الركاب جميعًا.
المصدر موقع درج

