(1)
عندما كنا في مراحلنا الدراسية الأولى كانت السبورة سوداء، والطباشير بيضاء، ولا لون ثالث فوقهما أو تحتهما أو يقتسمهما. ومن اللونين المتضادين خرجت ألوان كثيرة في مستقبل المراحل الدراسية مع استقرار العلوم الفنية الأولية، ونشوء وتطور المعرفة بشكلها الصريح وجمالياتها المتعددة. حتى انتبهنا إلى أن الأسود والأبيض لونان خطيران، كأنهما يعتقان ألوانًا أخرى كنا نراها ولا نفهمها بالضبط. لذلك ظهرت وانتشرت في وعينا الأول، وترسخت في الوعي الثاني الأكثر حرصًا على معاينة الحياة وطبيعتها الملهمة. الأسود لون يُظهر الأبيض على نحوٍ ساطع، وهذا ما كنا نحتاجه في بواكير دراستنا بصريًا. وعرفنا بعد ذلك أن بإمكانه أن يخفيه أيضًا، كما يخفي الألوان كلها؛ قدرة غامضة في اللون الأسود على أن يتحكم بإخفاء بقية الألوان ويفرزها متى شاء…!
(2)
أحد أدباء أميركا اللاتينية قال إن رقعة الشطرنج ذات اللونين الأسود والأبيض تحتهما لون ثالث، وإن الخشبة التي رُسم عليها اللونان هي بلون ثالث غير ظاهر، هو اللون المخفي الذي يتوجب البحث عنه لكشف القناع المخفي بعد اللونين، وكان يشير إلى أهمية الكتابة وصعوبتها في الكشف والدلالة. وقد يكون هذا تأويلًا لغموض ما وراء الكتابة وتحتها، غير أننا نجد في حياتنا أن هذين اللونين يتصارعان في المآتم والجنازات والأحزان والموت والأفراح الناقصة والسعادات القصيرة، فشكّلا ثنائيًا لافتًا بين الشعوب التي ترى فيهما لونين يتضادان ويتقابلان أيضًا من مكان إلى آخر، حزنًا وفرحًا. ليكشفا عن ثقافات اجتماعية ودينية أولية قد لا تتشابه في جذرها، لكنها قد تتشابه في وعيها المحلي والأسطوري العميق في النظر إلى لونين عميقين يفترقان تمامًا ويتقابلان في اجتماعيات الشعوب الدينية، لا سيما في التقاليد والثقافات الاجتماعية الشرقية. الأندلسيون الأمويون يرتدون الأبيض حزنًا على الموتى، كالصينيين والكوريين. الأسود لون الحزن أيضًا في الثقافة الإسلامية العامة. ومن غير هذه الثقافات، هناك اشتقاقات سياسية تتدخل في الاجتماعيات الدينية، كما فعل عبد الرحمن الداخل في الأندلس عندما منع اللون الأسود كلون حداد في المجتمع الأموي الأندلسي نكايةً بالعباسيين الذين نكّلوا وقتلوا قومه في مناسبات كثيرة.
(3)
في الليالي الحالكة يظهر الأسود لونًا يساير الموضات والأعراس والأفراح، كرمزٍ للأناقة بين الرجال والنساء، مثلما يظهر الأبيض لونًا للمناسبات السعيدة في مثل تلك المظاهر. كما لو أن الحزن والفرح لا يفصلهما فاصل، وقد توطّنا في الأسود والأبيض كلونين يتحاوران ببساطة وبمصالحة متينة لم تفرضها رمزيتهما الظاهرية، بل أفرزتهما ظروف مجتمعية وطقوسية ودينية وأحيانًا خرافية ليس لها رصيد عميق من الواقع، فربما التوريث الشكلي الداخلي برّر أن يتشكلا بهذه الطريقة الاجتماعية التي نفهم الكثير من صلاتها بالأسطورة والخرافة والتوريث الاجتماعي المتعاقب.
(4)
الفيلسوف الفرنسي ألان باديو يقول إن الحقيقة التي يؤكدها العلماء هي أن الأسود “ليس لونًا… ولا يظهر بوصفه كذلك في التحليل الطيفي للضوء… الأسود هو غياب الضوء، وتاليًا غياب كل طول موجي في تحليل ما ينفيه الأسود”. ويستعير باديو من جان جينيه في مسرحيته “الزنوج” سؤالًا غريبًا: “ما الأسود؟ وقبل ذلك، ما لونه؟” هذا سؤال اللا سؤال؛ علمي وفني أكثر من كونه سؤال استفسار أو استيضاح. كأنه يذكّرنا برقعة الشطرنج اللاتينية التي تخفي، بين الأسود والأبيض، لونًا ثالثًا في مساحتها الصغيرة وربما تخفي العديد من الألوان. مثل هذه الأسئلة الشبحية فلسفية في عمقها، فنية في مضمونها الإبداعي، غامضة كثيرًا في معناها. لذلك يتوجب النظر إلى اللون الأسود بوصفه مصهرًا لبقية الألوان الحارة والباردة؛ مستودعًا مظلمًا تغطس فيه ألوان كثيرة ولا تظهر إلا في ظروف معينة، كظروف إنشاء لوحة جمالية، وظروف مشهد جنائزي ليس عابرًا.
| يقول الفيلسوف الفرنسي ألان باديو في كتابه “الأسود فلسفة اللا لون” إن الحقيقة التي يؤكدها العلماء هي أن الأسود ليس لونًا… الأسود هو غياب الضوء |
(5)
لا يظهر اللون الأسود في التحليل الطيفي لقوس قزح، فربما هو ما بعد الألوان التي تنشرها حالة ما بعد المطر. ميتا لون؛ لون معتم وصعب، مؤسس الظلام والعتمة. لاسيما إذا استدركنا بأن السواد ظلام، ليل تسكن في قاعه خثرة الألوان بعتمة عميقة، فراغ غامض كأنه الكون في بدايات نشوئه، عماء فادح، غياب شرس لألوان الطيف. لا مطر وغيوم، ولا رعد وبرق وصخب مائي سمائي. فهو لا لون، عتمة ليس وراءها شيء؛ فما بعد الأسود سواد أكثر عمقًا. الحقيقة أن الألوان كلها في الظلام ذات لون أسود؛ تتبخر ألوان الطيف الشمسي منها، تذوب وتتوارى في مكان ما من العتمة، يقبض اللون الأسود عليها ويمحوها كمفترس ألوان. لا لون في عمق الأسود الصارخ؛ هو اللون الكوني الذي تختفي فيه الألوان كلها. فأي لون يعقب اللون الأسود في عمقه الغامض؟ لا شيء؛ عدم، لا لون. لكنه لون “حامل للنور غير النور”، فأي نورٍ في عمق الظلام؟ تاريخ بعيد في العتمة القديمة، حكاية نور وهمي ننسج الأساطير حوله والتأويلات. لا يستسلم كما اللون الأبيض الذي يرفع راية المصالحة في المعارك؛ تنتهي عقدة الحياة فيه. فللأسود تاريخ: كان راية قراصنة البحر، لكنه أصبح اليوم راية قراصنة الصحراء في احتفالات قطع الرؤوس، صار لونه داعشيًا بامتياز. وبينما كانت ميليشيات موسوليني تُكنى بـ”القمصان السود”، كان ضباط النازية عاشقين للزي الأسود. القساوسة الكاثوليك يرتدون السروال الأسود، المحامون أيضًا والقضاة. هو “رحلة إلى ما وراء الضوء، ما وراء اللون”. هكذا يكون الماضي متداخلًا وعميقًا ومخيفًا. إنه انقسام داخلي عميق في جوهر اللون وفصاحته الغامضة
6)
الأبيض لون إشراقي على كل حال، بالرغم من أنه يستسلم في لحظة ما؛ ويرفعه الفرسان أعلى من رؤوسهم لأنه باحث عن الطمأنينة والسلام بلا عواصف وغبار وكر وفر… السلام بلا موت ولا حرب ولا قطع رؤوس. الشجاعة أن تعرف الخطر في ذروة القتال فتستدرك السلام حتى وإن كانت فيه خسائر اعتبارية.
(7)
الفنان القديم أقرب إلى هذا اللون منذ عصر الفراعنة والسومريين والرومانيين، ليس هذا اتجاهًا فنيًا خالصًا، لأنه لم يكن هناك فنانون بالمعنى الفني للكلمة، إنما ثمة موثقون ومؤرشفون فطريون. إنما هو تشخيص السواد في اللوحة بوصفه ثقيلًا وقليل الاستعمال، فأنثروبولوجيا المجتمعات العالمية تضعه في مناسبات خاصة. وليس رهان اللوحة على الأسود فحسب، إنما هي مغامرة فنية بأنه حاضن الألوان؛ فالظلام يمحوها منه كلها، تختفي من شاشته المظلمة ولا نعرف أين تذهب الكثير من الألوان الأساسية والمشتقة بدرجاتها المتفاوتة. حتى إن فناني فجر التاريخ جعلوا منه رمزًا، ليس ضروريًا أن يرتبط بالموت والحداد. فالفنان القديم الذي لم يستخرج أصباغ الألوان بشكل احترافي كان يستخدم نفايات وبقايا البراكين السود ويعيد استعمالها بشكل رمزي يرتبط بالحياة القديمة بما فيها من موت وخصوبة وإحياء وسفر طويل إلى المجهول هو الموت. ومع كل هذه العتمة تنبثق رسومات ابتدائية تزين قبور الفراعنة وسكان بلاد النهرين ومعابدهم ومنصاتهم العليا؛ تعبيرًا عن شيء… أو لا شيء. في تلك الفترات البعيدة جدًا… لم يكن هناك فن؛ كانت هناك وثيقة بخربشة سوداء أو بيضاء طباشيرية.
(8)
في القرون الوسطى ظل الرمز يُبرّز من خلال السواد والظلام في لونه الأسود. في لوحات جيروم بوش ومانويل دويتش وهانز هولباين هذا التماهي مع اللون قبل أن تهيمن أشباح الشياطين والساحرات والوجوه المعتمة والسحر الأسود على اللوحات الفنية بما فيها من رعب ورمزيات سياسية واجتماعية. فصار السواد حتى القرن العشرين أمثولة رسمية تقريبًا تبعها وقلدها رسامو تلك المرحلة، حيث اكتظت لوحاتهم بالعتمة والدخان الأسود بسبب نشوء المدينة الصناعية في نهضة العلم، التي تلوثت فيها المدن والقرى بدخان المصانع، واستولت الأشباح ومعالم السحر على اللوحات؛ والتحقت الرواية في تشخيص هذا التحول الصناعي “الأسود” ومن ثم السينما “السوداء” في كابوسياتها وما تقدمه من رعب ويأس. أي إن المجتمعات الصناعية آنذاك، بالقدر الذي أدهشها التطور العلمي السريع، ترك فيها بصماته الطائشة اجتماعيًا؛ كان دخان المصانع أحد ألوان اللوحات في القرن الصناعي وما تلته من سنوات.
(9)
في كتاب “الأسود: فلسفة اللا لون” يأتي ألان باديو بأنموذج فني وهو الفرنسي بيير سولاج الذي لقبه البعض باسم الساحر باللون الأسود، وهو المعروف باستخدامه لقشرة الجوز في أربعينيات القرن الماضي، فيوصل رسائل شبحية ليست مضمونة في السلام، في الغياب، في اللا معنى تمامًا. يميل إلى الأسود في امتصاص الألوان كقرش لوني متوحش، لون ليس محايدًا بالضبط، لكن جميع الألوان تختفي في بطنه، تتلاشى. إنه سلطة مخيفة، لكنه لون اللا لون على وجه التقريب، لون فلسفي أكثر منه لون طبيعي لا تأويل من ورائه.
مصادر وهوامش:
(*) “الأسود: فلسفة اللا لون”، ألان باديو، دار الساقي، ترجمة جلال بدلة – 2024.
(*) آلان باديو: فيلسوف فرنسي، كان سابقًا رئيسًا لقسم الفلسفة في المدرسة العليا للأساتذة ومؤسسًا لكلية الفلسفة في جامعة باريس الثامنة مع جيل دولوز وميشال فوكو وجان فرانسوا ليوتار. له مؤلفات كثيرة منها: “الأخلاقيات”، “دولوز”، “إعلان للفلسفة”، “الجغرافيا السياسية”، “الوجود الحدث”.
(*) بيير سولاج: رسام ونحات فرنسي، وصفه الرئيس فرانسوا هولاند بأنه “أعظم فنان على قيد الحياة في العالم”. بدأ سولاج سلسلة لوحاته بلون واحد، “ما وراء الأسود”.
(*) مانويل ديميتش (1860 – 1921): فيلسوف وصحافي وكاتب وشاعر وثوري اجتماعي من مالطا. قضى أجزاء كبيرة من نشأته في نظام السجون المالطية، معظمها بتهمة السرقة البسيطة.
(*) التعريف بالأعلام من ويكيبيديا – الموسوعة الحرة.