-
-
الجمهوربة .نت
-
قال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا مطلع الأسبوع الماضي إن لجنةً شكلتها الوزارة حققت على مدى ثلاثة أشهر في 42 ادعاءً بخطف نساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحمص وحماة، وثبت لها أن واحدة منها فقط كانت حالة خطف.
اختارت الجمهورية.نت عينة من 12 إبلاغاً باختفاء نساء في المحافظات نفسها، وهذا ما توصلت إليه خلال أسبوع:
تأكدت الجمهورية.نت أن 7 إبلاغات منها هي حالات خطف بما لا يدع مجالاً للشك، وذلك استناداً إلى مُقاطَعة معلومات من مصادر خاصة مع فيديوهات ومنشورات في مصادر مفتوحة، ومع بيانات من جهات عملت على توثيق جرائم الخطف. في حالتين أجرى عناصر من الأمن العام تحقيقات واطّلعوا على وقائع الخطف، وفي حالتين تم إلقاء السيدتين في الطريق في حالة صحية سيئة وأُسعفتا من قبل الأهالي. تم تحرير المخطوفات في 6 حالات، وفي الحالة السابعة ما تزال السيدة مخطوفة بعد تفاوض متعثّر مع الخاطفين.
أما في 5 إبلاغات أخرى فلم تستطع الجمهورية.نت التأكد من كونها خطفاً بشكل قاطع. عادت سيدة بعد يوم من الإبلاغ عن اختفائها وخرجت في مقطع مصور تنفي خطفها، فيما عادت ثلاث سيدات بعد مدد اختفاء متفاوتة دون أن يتحدثنَ هن أو عوائلهنّ علناً عن أيام الاختفاء، وسيدة لم يُعلَن عن عودتها ولم تنشر العائلة أي معلومات إضافية بعد الإبلاغ عن اختفائها. لم تتمكن الجمهورية.نت من الحصول على معلومات أخرى من مصادر خاصة، لكن احتمالية الخطف قائمةٌ في كل هذه الحالات، ومُرجَّحة بقوة في بعضها.
تحمل جريمة خطف النساء طابعاً استثنائياً لما يرافقها من وصمة اجتماعية، وفي أجواء من الترهيب وغياب الشفافية وعدم الثقة بالمؤسسات العامة، يُصبح الحصول على معلومات قاطعة أمراً بالغ الصعوبة. وغالباً ما تتجنب الناجيات وعائلاتهنّ في مثل هذه الظروف التواصلَ حتى مع الصحافة المستقلة والمنظمات ولجان التحقيق، خوفاً من العواقب الاجتماعية والأمنية. وبسبب الوصمة الاجتماعية أيضاً، يُستبعَد أن تُقدِم أي عائلة على نشر اسم ابنتها وصورتها في سياق إبلاغ عن اختفائها ما لم تكن تُرجِّح احتمال الخطف. لذلك يجب التعامل مع كل إبلاغ عن اختفاء أي امرأة بأعلى درجات الجديّة.
في أجواء تتكرر فيها الإبلاغات عن حوادث اختفاء وخطف، من الطبيعي أن تشعر العائلة بالخوف عندما تختفي بنتٌ لها، وأن تبادر إلى طلب المساعدة والإبلاغ العام، حتى لو تبين لاحقاً أن الاختفاء لم يكن نتيجة خطف. لكن استخدام هذه الحالات ذريعةً لإنكار ظاهرة الخطف يُعدُّ تواطؤاً مع الخاطفين، وهو استراتيجية إنكار مألوفة في كل أنماط الجرائم الممنهجة.
ينبغي في مثل هذه الأوضاع التعامل مع كل إبلاغ بوصفه حالة خطف إلى أن يثبت خلاف ذلك بعد تحقيقات مستقلة تلتزمُ المعاييرَ الحقوقية الأساسية. أمّا التشكيك والإنكار المسبق فهو أيضاً تواطؤ مع الخاطفين، وتسهيلٌ لأعمالهم الإجرامية لأنه يمنحهم شعوراً بالحصانة والإفلات من العقاب.
ولا تراعي لجنة التحقيق التي شكلتها الوزارة المعايير اللازمة، إذ 1- تفتقر إلى الاستقلالية والحياد والكفاءة التخصصية في هذا النوع من القضايا. 2- ولم يتم الإعلان عن أسماء أعضائها رسمياً، بل تقتصر المعلومات المتاحة على أنها كانت برئاسة أحد مستشاري وزير الداخلية وتضم أحد معاونيه وضباطاً وممثلين عن إدارات تابعة للوزارة نفسها. 3- ولم يتم الإعلان عن عضوية نساء فيها بينما تُحقِّق في جرائم تستهدف النساء. 4- ولم تضمّ ممثلين عن الناجيات ومجتمعاتهنّ رغم أنها تُحقّق في جرائم تستهدف نساء من جماعة أهلية بعينها. 5- ومارست أعمالها وأعلنت نتائجها في أجواء من التحريض على الناجيات وعوائلهنّ والجهات المدافعة عنهنّ.
وزعمت اللجنة في تقريرها أن 41 حالة من الحالات التي حققت فيها كانت مزيجاً من الادعاءات الكاذبة والإبلاغات الخاطئة، والهروب من العنف الأسري أو مع الشريك العاطفي، وقضايا ذات صلة بالدعارة والابتزاز وجرائم جنائية أخرى لم يحددها البيان. وقد ساهمَ هذا التقرير في تصعيد أجواء الكراهية والتحريض والترهيب وتشويه السمعة بحق النساء المعنيات وعوائلهنّ وكل ما يدافع عن قضيتهنّ، فيما اعتبرت منظمات نسوية وحملات مناصرة لقضية المخطوفات في بيان مشترك أن «التقرير مهين وصادم ويؤدي إلى تسهيل الطعن بأخلاق النساء وامتهان كرامتهنّ».
وجاء في البيان، الذي حمل توقيع «حملة وينن – اللوبي النسوي السوري» و«حملة أوقفوا خطف النساء السوريات» و«دولتي» و«النساء الآن للتنمية» و«النساء الآن من أجل التنمية – لبنان»، أنّ «تجاهل المعايير المعتمدة في التحقيق بجرائم العنف الجنسي والخطف يُفضي بالضرورة إلى نتائج بعيدة عن الحقيقة، لأن هذه المعايير ليست شكلية، بل تؤدي وظيفة جوهرية في ضمان العدالة والوصول إلى الحقيقة».
وكانت تقارير حقوقية وصحفية ذات مصداقية قد أشارت مراراً إلى عمليات خطف ممنهجة لنساء علويات في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة منذ الصيف الماضي، وإلى تقاعس السلطات في متابعة تلك الحالات:
في تقريرها الصادر في شهر آب (أغسطس) الماضي، قالت اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا إنها وثقت تعرض نساء للاعتداء والاختطاف، بما في ذلك نقل بعض المختطفات إلى أماكن بعيدة، وبيع إحداهنّ إلى شخص قام باحتجازها وضربها وتوجيه الإهانات لها على أساس طائفي. كما قالت منظمة العفو الدولية في بيان لها بتاريخ 28 تموز (يوليو) 2025 إنها تلقت تقارير موثوقة تُفيد بخطف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية، تتراوح أعمارهن بين ثلاث سنوات و40 سنة، على أيدي مجهولين في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة.
لم يكن بيان الداخلية مجرد إنكار لظاهرة إجرامية لا يمكن إنكارها، بل تضمّن تشويهاً لسمعة الفتيات وعوائلهنّ، وألحق بهنّ ضرراً فادحاً من خلال ربط بعض الحالات بالعمل في «الدعارة»، بينما كان من واجب الوزارة أن تحرص على إشاعة أجواء تُشجّع على الإبلاغ عن أي خطفٍ مُحتمَل وأن تحمي الضحايا والعائلات، إلا أنها ساهمت في إشاعة أجواء معاكسة، وأَطلقَ بيانُها موجة من الكراهية والإنكار والتحريض.
آليات إنكار الجرائم وترهيب الضحايا والشهود معروفةٌ في تاريخ سوريا القريب، وكان يجب أن تنتهي إلى غير رجعة مع سقوط نظام الأسد.
-
