دمشق تتصرف اليوم كما لو أنها تكتب دستورها غير المعلن، بتوزيع مراكز القوة. وبينما تتبلور تفاهمات حول اندماج “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش النظامي، كان أحمد الشرع يسير بخطوات محسوبة في قاعات الكرملين، في مشهدٍ يبدو كأنه افتتاح رسمي لحقبة سياسية جديدة. هذان الحدثان، رغم تباعد الجغرافيا بين القامشلي وموسكو، يصدران عن عقل سياسي واحد: عقل يعيد هندسة النظام السوري ليولد من رماده، لا ليعود إلى ماضيه.
فالدمج العسكري مع “قسد” لا يُفهم كتنازل من المركز للأطراف، بل كاستيعابٍ ذكي لأحد أخطر التحديات البنيوية التي أفرزتها الحرب. تتصرّف دمشق كدولةٍ تجاوزت شكل النظام السابق الذي انتهى، وأعادت صياغة حدود بقائها على أنقاضه. فهي تدرك أن القوة الصلبة لم تعد كافية، وأن إعادة دمج القوة الكردية ضمن المؤسسة العسكرية هو السبيل الوحيد لتثبيت النظام الجديد دون خوض حرب جديدة. فمن يدمج خصمه لا يهزمه، بل يحوّله إلى جزءٍ من جهازه العصبي.
في المقابل، تمثل زيارة الشرع إلى موسكو محاولة لإعادة تعريف معنى “الشرعية السورية”. لا تُستعاد الشرعية بالسلاح بل بالرمز. والشرع، الآتي من خلفية ثورية وميدانية، لا يجسّد المعارضة بقدر ما يرمز إلى رغبة النظام في توليد واجهة مدنية يمكنها أن تنطق بلغة الدبلوماسية بعد صمت المدافع. فالصورة في موسكو لم تكن مجرد بروتوكول؛ كانت بيانًا سياسيًا يقول للعواصم إن سوريا القديمة انتهت، وإن البديل لن يكون نظامًا معارضًا بل نظامًا مجددًا.
التوازي يعكس عقل الدولة حين يتحرك بمنطق البقاء فالنظام لا يسعى إلى استعادة نموذج الأسد بل إلى بناء شرعية ما بعده شرعيةٍ تُستمد من التوازن ومن الواقع لا من الأيديولوجيا
يمكن قراءة الحدثين كمؤشرين على تحوّل النظام السوري من هرمٍ رئاسي جامد إلى بنية شبكية متعددة المراكز. الجيش، العشائر، القوى الكردية، موسكو، واشنطن، ودمشق – جميعها تتحرك داخل نظام واحد يتعلم كيف يوازن نفسه بنفسه. “قسد” لم تُدمج بعد، لكنها دخلت منطقة التفاوض بوصفها مكوّنًا سوريًا لا مشروعًا انفصاليًا. والشرع لم يُكرّس بعد، لكنه تحوّل إلى رمزٍ لوجهٍ سياسيٍ جديد لا يُخيف موسكو ولا يرفضه الغرب. هذه ليست مصادفات زمنية، بل عملية هندسة بطيئة للدولة السورية الجديدة، دولة ما بعد الصراع، لا ما بعد الأسد.
الواقع أن دمشق، منذ استلام الشرع، تعمل على مستويين متوازيين:
الأول، امتصاص التهديدات الداخلية عبر دمجها في منظومتها (كما فعلت سابقًا مع الفصائل في الجنوب، وتفعل الآن مع الأكراد).
الثاني، إعادة إنتاج صورتها الخارجية عبر وكلاء سياسيين يمكنهم التحدث إلى العالم بلغة غير عسكرية.
هذا التوازي يعكس عقل الدولة حين يتحرك بمنطق البقاء لا بمنطق النصر. فالنظام لا يسعى إلى استعادة نموذج الأسد، بل إلى بناء شرعية ما بعده، شرعيةٍ تُستمد من التوازن لا من الهيمنة، ومن الواقع لا من الأيديولوجيا.
ولعلّ العملية الأمنية الأخيرة ضد “فرقة الأغراب” في إدلب تكشف الوجه الآخر للعقل السوري الجديد: عقلٌ يدمج ويهدم في الوقت ذاته. فمن يريد ضم “قسد” إلى جيشه هو نفسه من يسحق الجماعات الجهادية التي ترفض الانصهار؛ كأن دمشق تعيد صوغ ذاتها بعملية جراحية دقيقة، تستبدل فيها خلاياها المتمردة دون أن تُميت الجسد.
في هذا السياق، تُقرأ موسكو لا كحليفٍ عسكري بل كـ”غرفة عمليات رمزية” تُصاغ فيها ملامح المرحلة القادمة. فكما احتاجت دمشق في 2015 إلى الطيران الروسي، تحتاج اليوم إلى الغطاء السياسي الروسي لإطلاق المرحلة الانتقالية من دون انهيار مؤسساتها. ومع ذلك، يدرك الكرملين أن تثبيت النظام لم يعد هدفًا كافيًا، بل المطلوب تثبيت الدولة دون إسقاطها، وتغييرها دون تفجيرها.
هل ما نشهده هو عودة الدولة السورية، أم ابتكار نظامٍ جديدٍ يستخدم بقايا الحرب لبناء شرعيته؟ وهل تكون هذه الولادة البطيئة بداية “النظام السوري الخامس”
تبدو التحركات الحالية كأنها ورشة كبرى لإعادة تركيب النظام السوري الخامس: نظام لا يحكمه الأسد، بل يُعاد تعريفه من خلال الدمج والتدوير وإعادة التمثيل. فدمشق التي تفاوض “قسد” ليست دمشق 2011، وموسكو التي تستقبل الشرع ليست موسكو التدخل العسكري. كلاهما يدرك أن المعركة المقبلة ليست معركة أرض، بل معركة شرعية.
وربما لهذا يمكن القول إن ما يحدث في سوريا هو تحوّل فلسفي في معنى الدولة نفسها: من نظامٍ فرض سلطته بالقوة إلى سلطةٍ تحاول إعادة تعريف ذاتها داخل دولةٍ ممزقة. إنها مرحلة ولادة عسيرة، لا لعودة نظام يشبه الأسد ولا لصعود المعارضة، بل لانبعاث كيانٍ ثالث يدفن كليهما معًا في بنيةٍ جديدة تُعيد تعريف السلطة والدولة معًا، كأنها تولد من التناقض ذاته بين المركز والهامش، بين الجيش و”قسد”، بين دمشق وموسكو.
يبقى السؤال مفتوحًا كما لو أنه خلاصة صراعٍ كامل: هل ما نشهده هو عودة الدولة السورية، أم ابتكار نظامٍ جديدٍ يستخدم بقايا الحرب لبناء شرعيته؟ وهل تكون هذه الولادة البطيئة بداية “النظام السوري الخامس” الذي لا يُولد من معاهدات، بل من رماد الحرب ذاتها؟
وهكذا تبدو سوريا اليوم وكأنها تدخل مرحلة تركيب هيغلي نادرة في تاريخها السياسي. فبعد أن أنهى نظام الأسد أطروحته (Thesis) في مركزية السلطة، واستنفدت المعارضة نقيضها (Antithesis) في تفكيكها، يولد من هذا التناقض كيان ثالث (Synthesis) يسعى لإعادة تعريف معنى الدولة ذاتها. إنه ليس استمرارًا لدمشق ولا انشقاقًا عنها، بل تجاوز فلسفي لهما معًا؛ محاولة لتأسيس دولة تُبنى لا على القوة ولا على الفوضى، بل على وعي جديد يتصالح فيه المركز مع الهامش، والهوية مع الجغرافيا. في هذا الكيان الثالث، لا تُستعاد سوريا كما كانت، بل تُعاد صياغتها كفكرة سياسية جديدة، تخرج من رمادها لتسأل نفسها للمرة الأولى: من يحكم؟ أم من يُعيد اختراع الحُكم ذاته؟
المصدر العرب الللندنية