لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران تُقاس فقط بمعدلات التضخم أو تراجع قيمة العملة الوطنية، بل أصبحت تُقاس بظاهرة أكثر خطورة تتمثل في التآكل المستمر للطبقة الوسطى، وهي الشريحة التي شكلت لعقود طويلة العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد. واليوم، تشير المؤشرات المتزايدة إلى أن هذه الطبقة تواجه عملية تراجع غير مسبوقة، ما يضع المجتمع الإيراني أمام تحولات عميقة تتجاوز حدود الاقتصاد إلى المجالين الاجتماعي والسياسي.
وتكشف المواد المنشورة في الصحف الإيرانية أن الأزمة المعيشية لم تعد مقتصرة على الفئات الفقيرة أو الهامشية. فالأسر التي كانت تُعد قبل سنوات جزءاً من الطبقة الوسطى أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية. ومع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، يتقلص هامش الأمان الاقتصادي الذي كانت تتمتع به هذه الفئات، ويتحول الحفاظ على مستوى المعيشة السابق إلى مهمة شبه مستحيلة.
وتبرز أزمة السكن بوصفها أحد أكثر مظاهر هذا التحول وضوحاً. فقد ارتفعت أسعار الإيجارات بصورة متسارعة، وأصبح الحصول على مسكن مناسب يشكل عبئاً متزايداً على ملايين العائلات. ولم يعد امتلاك منزل حلماً بعيد المنال فقط، بل أصبح حتى استئجار منزل ملائم تحدياً يهدد استقرار عدد كبير من الأسر، خصوصاً في المدن الكبرى.
كما أن أزمة الطاقة أضافت بعداً جديداً للمشهد الاقتصادي. فالنقاشات المتكررة حول نقص الكهرباء والغاز والوقود تعكس وجود اختلالات هيكلية عميقة في إدارة الموارد. وعلى الرغم من امتلاك إيران واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، فإن المواطنين يواجهون بصورة متكررة مشكلات في توفير الطاقة، الأمر الذي يؤثر على الحياة اليومية وعلى النشاط الاقتصادي والإنتاجي في آن واحد.
وتترافق هذه المشكلات مع استمرار التضخم المرتفع. فالأسعار ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من نمو الدخول، ما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر. ولم تعد المشكلة تقتصر على المواد الكمالية، بل أصبحت تشمل الغذاء والدواء والتعليم والخدمات الأساسية. ومع كل زيادة جديدة في الأسعار، تجد العائلات نفسها مضطرة إلى تقليص الإنفاق على احتياجات كانت تعتبر في السابق جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
ومن أخطر الظواهر التي تلفت الانتباه في المرحلة الحالية ما يمكن وصفه بـ”تحول الفقر”. فالفقر في إيران لم يعد ظاهرة محصورة في مناطق أو فئات محددة، بل أصبح يمتد تدريجياً إلى شرائح كانت حتى وقت قريب تتمتع بمستوى معيشة مقبول. وهذا التحول يعكس فشل السياسات الاقتصادية في حماية الفئات المنتجة والوسطى من آثار الأزمات المتلاحقة.
كما أن استمرار العقوبات لا يفسر وحده هذا التدهور. فحتى داخل الصحف الإيرانية تظهر اعترافات متزايدة بوجود مشكلات بنيوية تتعلق بسوء الإدارة والفساد وغياب التخطيط طويل الأمد. ولذلك فإن كثيراً من الخبراء يرون أن الأزمة الحالية ليست مجرد نتيجة لضغوط خارجية، بل هي أيضاً نتيجة تراكم اختلالات داخلية امتدت لعقود.
وتنعكس هذه الأوضاع بصورة مباشرة على المزاج الاجتماعي. فكلما ازدادت الضغوط الاقتصادية، تراجعت الثقة بالمستقبل، وازدادت مشاعر القلق وعدم اليقين. ولم يعد المواطن يقيم الأوضاع من خلال المؤشرات الرسمية، بل من خلال قدرته على دفع الإيجار وشراء الغذاء وتأمين العلاج والتعليم لأسرته.
وفي خلفية هذا المشهد، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار تراجع الطبقة الوسطى إلى تداعيات اجتماعية وسياسية واسعة. فهذه الطبقة كانت تاريخياً أحد أهم عناصر الاستقرار والتوازن داخل المجتمع. وعندما تتعرض للتآكل المستمر، يصبح المجتمع أكثر هشاشة وأكثر عرضة للتوترات والاحتجاجات.
ولهذا فإن الأزمة الاقتصادية في إيران لم تعد مجرد أزمة أرقام وميزانيات، بل أصبحت أزمة بنية اجتماعية كاملة. فالفقر يتوسع، والإيجارات ترتفع، والطاقة تعاني من الاختلالات، والقدرة الشرائية تتآكل، فيما تتراجع الطبقة الوسطى بصورة غير مسبوقة. وفي ظل غياب حلول جذرية، تبدو هذه التحولات مرشحة للاستمرار، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على مستقبل البلاد واستقرارها الاجتماعي.