انقسمت الآراء حول انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد «داعش» بين مدافعين عن الخطوة يرونها ضرورة أمنية لتعزيز الاستقرار والإعمار، ومهاجمين يصفونها بـ”الخيانة الجهادية” و”التحالف الصليبي”، مستعيدين اقتباسات قديمة من كتاب أنس الخطاب (2014) لاتهام الحكومة بالكفر والردة.
دمشق – أثارت منشورات تكفر الدولة السورية لإعلانها الانضمام للتحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” جدلا واسعا على مواقع التواصل. ووصفت المنشورات التحالف بـ”التحالف الصليبي”، معيدة إلى الأذهان التوترات الجهادية القديمة في سياق التحولات السياسية السورية السريعة بعد سقوط نظام بشار الأسد في أوائل 2025، مما يُظهر كيف يُستغل الإرث الديني المتشدد لإثارة الفتنة الداخلية في لحظة حاسمة لبناء الشرعية الدولية.
وفي 11 نوفمبر 2025، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع انضمام دمشق الرسمي إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، الذي يضم 90 دولة بقيادة الولايات المتحدة، خلال لقائه بالرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، وهو اتفاق يركز على التعاون الاستخباراتي والأمني دون بنود عسكرية مباشرة، كما أكد وزير الإعلام حمزة المصطفى، بهدف إنهاء “الأوهام” التي تربط الحكومة الجديدة بالإرهاب وتعزيز السيادة أمام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإسرائيل، مع ضغوط دولية لإعادة الإعمار في ظل ازدياد نشاط خلايا داعش في ريف دمشق ودير الزور.
مع ذلك، أثار الإعلان موجة من المنشورات المتشددة التي تُعيد تداول اقتباسات قديمة من كتاب أنس خطاب، وزير الداخلية السوري الحالي والقيادي السابق في جبهة النصرة، “تحالف عباد الصليب ضد مجاهدي الشام” الصادر عام 2014، حيث يُصف التعاون مع التحالف بـ”كفر مرتد خارج من ملة الإسلام، ولو بقلبه”، مما يُحوِّل الخطوة السياسية إلى اتهام دينيٍّ يُغذي الانقسام بين الداعمين للدولة الناشئة والتيارات الجهادية المتشددة.
وكشف الجدل، عن استراتيجية مدروسة لاستغلال الإرث الجهادي لإثارة الشكوك حول “الولاء الجديد” للغرب، مما يُعيقُ جهود الحكومة في كسب الدعم الدولي، حيث وُصِفَ التحالف سابقا بـ”الصليبي” لتبرير القتال ضده، لكن الانضمام إليه اليوم يأتي في سياق انتقالي يحتاج إلى شرعية داخلية وخارجية، حيث يُمَكِّنُ الغلو من انتشار الخلايا الإرهابية في المخيمات مثل الهول ويُعْرِضُ الشرع لتهديدات مباشرة كما في بيان داعش المصور في أبريل 2025 الذي يهدده بالاغتيال.
وتهافتت الردود من قبل رجال دين وأكاديميين، حيث نشر رجل الدين الكويتي، المعتقل سابقا في سجن غوانتانامو، فايز الكندري، مقطع فيديو يرد فيه على الجدل، واصفا هؤلاء “التكفيريين” الذين يبثون تدويناتهم من أوروبا بأنهم أيضا خارجون عن الإسلام “لأن الدول الأوروبية والدول الغربية والولايات المتحدة تفرض ضرائب على المواطنين والمقيمين ثم تصرف هذه الضرائب ضمن موازناتها العامة التي تشمل وزارة الدفاع، إذ هو (التكفيري) يموّل الترسانة العسكرية التي تقتل المسلمين، وعليه إذا أخذنا برأي هذا التكفيري فإنه أيضا خارج عن ملة الإسلام..”
ودخل الأكاديمي السعودي، عبدالله الجديع على خط الجدال مستشهدا بإحدى التدوينات التي “تكفر” المشاركة في التحالف ضد داعش، منشورة العام 2014، وكتب:
ومع ذلك، يبشر التفاعل الدفاعي عن الاتفاق بنجاح الحكومة في كسبَ الرأي العامِّ، حيث تصدر هاشتاغ #سوريا_مع_التحالف الترند، وأكد معلقون أن الشعب السوريِّ يُفضّلُ السلام والتعاون على الغلو الذي يُعيدُ الدمار.
ورغم ذلك، تحاول التنظيمات المتشددة، مثل بقايا داعش وجبهة النصرة السابقة أو جماعات مثل أنصار الإسلام وأنصار السنة، استغلال الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للتعبئة الجهادية، حيث تتحوَّل المنصات مثل إكس وتلغرام إلى ساحات حرب نفسية وإيديولوجية تُغذي الفتنة الداخلية وتُجندُ الأفراد من خلال استراتيجيات مدروسة تعتمد على السرعة والانتشار الفيروسي.
◄ التنظيمات المتشددة لا تعتمد على الصدفة، بل تنفذ استراتيجية مدروسة في استغلال الجدل على مواقع التواصل
وسبق أن كشفت دراسات عن شبكات خارجية تدير حملات تحريض طائفي وكراهية لإضعاف الاستقرار السوري بعد الأسد.
ويقول محللون إن التنظيماتُ المتطرفة تعتمد نموذجَ “الجيل الرابع من الحروب” الذي يركزُ على السيطرة على العقول والقلوب، مستفيدةً من الخوارزميات التي تعزِّزُ المحتوى العاطفيِّ والمُحرِّضَ، كما في حالة إعادة نشر اقتباسات كتاب خطاب القديمة لتصوير التحالف بـ”الصليبي” ومحاربيه بـ”الكفار”، مما يُحوِّلُ نقاشاً سياسياً إلى دعوة لـ”الردة” ويجذب الشباب بعبارات بسيطة مثل “الخيانة للجهاد”.
ووضح تقريرُ المركز العربي للبحوث في 2025 كيف وظفَت داعش والقاعدة الإنترنتَ لإنتاجِ إعلامٍ “بديلٍ” يُشَكلُ الوعيَ ويُحَفز على العنفِ، من خلال منتديات جهادية وفيديوهات قصيرة تعيدُ تدويرَ السرديات.
المصدر العرب اللندنية