عبد الخالق محجوب (يمين) وسيد قطب
حسن مدن..كاتب وباحث من البحرين، صدرت له مؤلفات في قضايا الخليج، الثقافة، الأدب، السيرة، اليوميات، وغيرها.
لم يكن عبد الخالق محجوب، أوّل أمين عام للحزب الشيوعي السوداني وأبرز وجوه اليسار في بلاده وفي العالم العربي، وأعدمه جعفر النميري في مطالع سبعينيات القرن الماضي، هو ونخبة من رفاقه، بينهم الشفيع أحمد الشيخ، زوج القائدة النسوية الراحلة فاطمة إبراهيم. يومها كتب الشهيد الكبير كمال جنبلاط مقالاً مطوّلاً في “النهار” البيروتية، قرأه اللبنانيون والعرب، استفظع فيه هول ما حدث: كيف تجرأ النميري على أن يُعلّق على المشنقة محجوب، وهو رجل الحوار والوعي المتقد، الذي أعطى السودان واحداً من أهمّ تياراتها السياسية.
أذكر أنّ الشاعر محمد الفيتوري أتى البحرين بعد تلك الفاجعة بسنوات قليلة جداً، وأقام فيها أمسيات شعرية، في العاصمة، المنامة، وفي المحرق، وكذلك في القرى، وفي كلّ تلك الأمسيات ألقى قصيدته الرائعة في رثاء محجوب. واحدة من هذه الأمسيات أقيمت في إحدى القرى، لم تكن شوارعها مضاءة بعد، وفي ليلةٍ ممطرة، لكن المطر لم يمنع الناس من الحضور الكثيف، حين همّ الفيتوري بالنزول عن المنصّة في ختام الأمسية من دون أن يلقي القصيدة، فاجأه الجمهور المحتشد في الصالة بإلحاح ألا يبارح مكانه قبل إلقائها .
لم يكن محجوب مجرد رجل سياسة وقائد حزبي مرموق، وإنما كان أيضاً كاتباً ومحللاً ذا بصيرة، تجلّت في كثير من مساهماته الفكرية التي أعادت “دار عزة للنشر والتوزيع” إصدارها في كتيبات جديرة بالاهتمام، ليس لأنّها تُعرفنا بالبروفايل الفكري لعبد الخالق محجوب، الذي لم ينل في البلدان العربية الأخرى غير السودان، الاهتمام المطلوب، حيث طغى بروفايله بوصفه مناضلاً سياسياً وشهيداً صاحب قضية وموقف، وضحية للديكتاتورية، التي غيّبت عن السودان وأجياله المختلفة وجهاً مضيئاً، وإنّما أيضاً لأنّها تتناول قضايا لم تتقادم أبداً، رغم مضي عقود طويلة عليها، بل إنّ في بعضها ما يمكن وصفه بالاستشراف والنبوءة للمستقبل، ومنها بحثه المهم “حول فلسفة الإخوان المسلمين”، الذي ناقش فيه بعمق أطروحات مُنظر الجماعة سيد قطب، بروح الباحث الرصين ومنهجه، الذي يُناقش الفكرة ولا يستهدف صاحبها شخصياً، بدليل أنّ محجوب لاحظ أنّ كتاب سيد قطب: “معالم في الطريق” ينطوي على مزج عجيب بين شخصيتين، واحدة منهما كتبت بأسلوب رصين معتدل، وأخرى تبدو في أشدّ حالات الاضطراب تدعو إلى العنف والشدة، وتُحطم في هذه ما بنته تلك. والسبب في ذلك، برأي محجوب، يعود إلى أنّ سيد قطب جمع في الكتاب بين مقالات حواها كتابه “في ظلال القرآن”، بدا فيها رجلاً سويّاً ينظر إلى القرآن “فيستجلي ما فيه من جمال الأسلوب وروعة البيان وحسن المقصد، فتأتي الكتابة مرسلة على سجيتها”، لكنه سيغدو بعد حين شخصاً آخر غير ذلك الكاتب الشغوف بالأدب والنقد حيث ارتفعت به أسباب الزعامة، على ما يقول عبد الخالق محجوب، “فجلس يشدّ الخيوط المرسلة بينه وبين أصحابه وعندها تصوّر العالم في جاهلية تحتاج إلى تغيير كامل”.
قبل أن يتحوّل سيد قطب إلى داعية ومُنظر في تنظيم “الإخوان المسلمين” كان ناقداً أدبياً، وصدر له كتاب في نقد الشعر، وسبق للشاعر البحريني الكبير إبراهيم العريّض أن وقف عند الوجه الأدبي لقطب، في مقالٍ نُشر في أحد أعداد مجلة (صوت البحرين) التي صدرت في السنوات 1951 – 1954، وهو يتناول كتابه الموسوم “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، واستهلّ العريّض مطالعته بمقدّمة مهمّة تناولت جذور التكوين الأدبي والفكري لسيد قطب، منذ أوّل عهدٍ له به على صفحات مجلة “الرسالة”، حيث تصدى، أي سيد قطب، للدفاع عن شخص عباس محمود العقاد، وإظهار خصائص شعره.
أشاد العريّض بغزارة إنتاج سيد قطب وتنوعه، وبالمنهج الذي حكمه في تأليف كتابه، لكنّه وقف مليّاً أمام تأثره بالعقاد تحديداً لا بمعاصره طه حسين أو بغيره من روّاد فكر النهضة، وهو ما يفسر البنية المحافظة لتفكيره، حيث تطرف في مدح العقّاد، “فأحلَّ شعره في الذروة من الشعر العربي”، ويواصل: “لم أستغرب، كما لم يستغرب كثيرون غيري، صدور هذا الحكم الجائر من كاتب ناشئ لا يعرف، بعد، من الأدب العربي، إلا ما تنشره، بدافع تجاري بحت، بعض الكتب ثم لا يأنف من أن يمضي متحكماً في مقارنته بالأدب الغربي الذي يجهله كل الجهل”.
المصدر العربي الجديد