ثمّة أسئلة تبدو، كلّما اقتربنا منها، أقلّ قابليةً للإجابة الحاسمة. وربّما ينتمي السؤال عن “هزيمة السوريين” إلى هذا النوع تحديداً، إذ فكّكت السنوات الماضية المرتكز التصوّري الذي يمكن من خلاله الحديث عن سورية بوصفها تجربةً واحدةً متماسكةً. هناك سورية الداخل، وسورية الشتات، وسورية المخيّمات، وسورية المُحرَّرة، وسورية الذاكرة… لذا يصعب التعامل مع مفاهيم مثل “الهزيمة” أو “الانتصار” باعتبارهما أحكاماً نهائية، لأنّها تفترض مسبقاً وحدة موضوع لا يبدو متحقّقاً هنا. فالسؤال لا يتعلّق بما جرى لسورية فحسب، بل أيضاً عن أيّ سورية يجري الحديث.
وفي السياق، تعيش هذه “السوريات المتجاورة” تحوّلاً يقترب من منطق “المجتمع الذئبي” عند الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، فتتآكل الثقة العامّة لمصلحة نزعةِ التحوّط والارتياب، ويغدو الآخر أقرب إلى احتمال تهديدٍ منه إلى شريكٍ في المصير. يتعمّق هذا الانقسام مع تفتّت المجال الاجتماعي إلى “أكثرية” و”أقلّيات” متنافرة، لا تُعرَّف هُويّتها بالانتماء الديموغرافي فحسب، بل أيضاً بذاكرة الخوف المتبادلة، ولكلّ منها زمنها وإيقاعها الخاصّ في التعامل مع ما جرى.
وفي هذا المناخ الغائم، لا تعود الهزيمة حدثاً واضحاً يمكن نسبته إلى طرف واحد، بل تتحوّل حالةً ممتدّةً تتسرّب داخل العلاقات نفسها، إذ يصبح التوجّسُ اللغةَ غير المُعلَنة التي تنظّم الإيقاع الاجتماعي، وتُعيد تشكيله من الداخل. فثمّة من يعيش الانهيار الاقتصادي واقعاً يومياً، وهناك من يعيش الانفصال عن المكان هُويّةً دائمةً، ومن يختبر فقدان المعنى أكثر من فقدان الانتماء، فيما يعيش آخرون ضمن إعادة تشكيل مستمرّة لشروط البقاء… إلخ، بالتالي؛ فإنّ الحديث عن “هزيمة كلّية” يفترض توحيد هذه التجارب المتناقضة في معنى واحد، وهو ما لا تسمح به الوقائع الفعلية.
تاريخياً، مجتمعاتٌ كثيرة مرّت بحروبٍ طاحنة طويلة لم تُهزم بقدر ما دخلت في زمن ما بعد الانكسار: زمن لا يعود فيه الماضي قابلاً للاستعادة، ولا يصبح فيه الحاضر مستقرّاً بما يكفي لتسميته انتصاراً أو هزيمة. لكنّ الأخطر من الانكسار السياسي تآكل المعنى الجمعي: حين يغدو الخلاصُ مشروعاً فردياً، وتتراجع الحكاية المشتركة التي تمنح المجتمع شعوره بوحدته التاريخية والسياسية. وعليه؛ فكلّ محاولةٍ لتحديد “هزيمة السوريين” تصطدم فوراً بتشظّي المدلول نفسه: من هم السوريون أصلاً اليوم؟ وأيّ سورية يُفترض أنها هُزمت، أو لم تُهزم؟
فعلياً، لم تعد خرائط السلطة والهُويّة في سورية قابلةً للقراءة من مركز واحد ثابت. ففي موضع هناك جهة تتحدّث باسم السيادة والدولة، وفي أماكن أخرى تفرض سلطات الأمر الواقع قواعدها الخاصّة، بينما تتشكّل في المنافي تصوّراتٌ جديدةٌ للبلاد تتجاوز حدودها الجغرافية. وقد انعكس هذا التذرّر البنيوي مباشرة على موقع الدولة نفسها؛ فبعد أن كانت، وخلال مراحل طويلة من التاريخ السوري الحديث، مركزاً تنظيمياً صارماً يحتكر إدارة المجال العام ولو على حساب الحرّيات السياسية، بات حضورها اليوم متفاوتاً بين منطقة وأخرى. نتيجة لذلك؛ غدت العلاقة بين المواطن والسلطة أكثر التباساً، تقوم على التفاوض والتكيّف أكثر من الامتثال المباشر.
بالتساوق مع ما تقدّم، لم يعد مفهوم “الهزيمة” ضمن التجربة السورية قابلاً للاستخدام بصيغته الكلاسيكية، فالمشهد لم يُغلق على نتيجة واحدة، بل انفتح على توزيع معقّد للسلطة والنفوذ، فلم تعد هناك نقطة مركزية يمكن من خلالها إعلان نهاية صريحة لمسار الحرب أو حسم مآلاتها. ومع هذا التشظّي، لم يعد ممكناً الحفاظ على سردية وطنية جامعة، بعدما تعرّضت الحقيقةُ لتصدّع عميق أفرز روايات متوازية ومتعارضة في آنٍ: قراءة ترى ما حدث دفاعاً عن الدولة، وأخرى تراه ثورة مُجهَضة، وثالثة تعتبره انهياراً شاملاً لبنية اجتماعية وسياسية وأخلاقية، ورابعة تعيشه تجربةً فردية معزولة لا تستند إلى أيّ معنى جمعي… ولا تكمن المسألة هنا في مجرّد اختلاف في التأويل، بل في اهتزاز الإطار نفسه الذي كان يسمح لهذه التباينات بأن تظلّ ضمن أفق وطني قابل للاحتواء.
في ضوء هذا، لم يعد السؤال: ماذا حدث للسوريين؟ بل: كيف أعاد كلّ فرد تموضعه داخل هذا التحوّل الطويل؟ لذلك، يصبح سؤال “الهزيمة” مُضلِّلاً، لأنّه يفترض زمناً تاريخياً خطّياً ينتهي إلى حسم واضح، بينما الواقع الحالي أقرب إلى حالة ممتدّة من الانزياح المستمرّ، إذ لا تُمحى البنى بل يُعاد تشكيلها، ولا تنهار الكيانات كلّياً بل تُدوَّر وظائفها، ولا تختفي الجماعة، بل تتعدّد صور حضورها. هنا، لا تعود الهزيمة حدثاً يمكن تحديده بدقّة، بل تصبح حالة إدراكية، أيّ الطريقة التي ينظر بها كلّ طرف إلى موقعه داخل المشهد. ولعلّ هذا الانهيار الرمزي هو الأكثر عمقاً، لأنّه لا يظهر في الخرائط والاتفاقات، بل في الوعي الذي يُعيد به الأفراد والجماعات تعريف علاقتهم بالدولة والمجتمع وبالمعنى الممكن للبلاد.
ما يدعو إلى قدرٍ حذرٍ من التفاؤل، أنّ المجتمع السوري، في خضمّ هذا التفكّك الممتدّ، لا يبدو كتلةً صامتةً تتلقى الصدمات من دون ردٍّ، بل جسداً عليلاً في حالة “عناية مشدّدة”، يحاول، في الوقت نفسه، تطوير آليات إسعافية لمقاومة السقوط التام. فكلّ موجة شاذة تُقابل بردّات فعلٍ مضادّة تسعى إلى إعادة تثبيت فكرة الحياة الكريمة. تجلّى هذا في إحباط الحملات التي تدعو إلى المقاطعة على أسس هُويّاتية، مثل حملة “قاطع… أنتَ لست شجرة”، التي استهدفت شريحةً اجتماعيةً بعينها عبر خطاب عزلٍ اقتصادي واجتماعي ذي طابع إقصائي، وأثارت جدلاً واسعاً بوصفها مثالاً على انزلاق بعض الفضاءات الرقمية نحو منطق العقاب الجماعي وتفكيك الروابط المدنية، كما تجلّى في تجدّد الدعوات الاحتجاجية للتظاهر في دمشق يوم 6 يونيو/ حزيران الجاري، تحت شعارات تستعيد فكرة “القانون والكرامة” وتطالب بتحسين الظروف المعيشية، ورفض الفساد وسياسة التجويع، بعد شعور طويل بالإقصاء والتجاهل.
الأكثر أهميةً من هذه التموّجات اللحظية أنّ المجتمع، رغم انكساراته، لا يتوقّف عن ترميم نفسه من داخل الشروخ نفسها، فحيث يتراجع المجال السياسي الصلب، تتقدّم أشكال بديلة من التنظيم الاجتماعي، وأنماط تضامن يومي تعمل خارج المؤسّسات التقليدية. هذه البنى، رغم هشاشتها، تكوِّن ما يشبه “الجهاز العصبي الخفي” لمنع الانهيار الكامل. لكن لا يمكن تجاهل أنّ هذا النوع من “المرونة” ليس دائماً علامة صحّة، بل قد يكون مؤشّراً على تطبيع طويل مع الهشاشة، فيصبح الاستثناء قاعدةً، ويغدو التعايش مع الأزمة جزءاً من البنية اليومية نفسها. وبين هذا وذاك، يتأرجح المجتمع السوري بين الانهيار ومحاولاتِ إنعاشٍ متقطّعة لروحه؛ إذ لا ينهزم بقدر ما يواصل التشكّل في قلب صراعه المحموم مع أكثر لحظاته حدّة وتشظياً.
صفوة القول، التاريخ لا يعمل بمنطق الإلغاء الكامل، فالمجتمعات المتفكّكة غالباً ما تُعيد تشكيل نفسها بطرق غير متوقَّعة: عبر الاقتصاد، أو الذاكرة، أو عبر أجيال جديدة لم تعش اللحظة التأسيسية للانكسار. لذلك؛ ربّما لا يكون السؤال الأدقّ: هل هُزم السوريون حقّاً؟ بل: كيف يُعاد تعريف السوريين بعد هذه المرحلة الطويلة من الانهيار والتحوّل؟ في هذا المعنى، لا تبدو الهزيمة خاتمةً مغلقةً، بل حالة انتقال مفتوحة لم تُحسم نتائجها بعد.