عصام حوج
تشكل المجزرة التي وقعت في السويداء حدثاً بالغ الحساسية والدلالات، ليس لأنها جريمة دامية فحسب، بل لأنها تكشف عن التداخل البنيوي بين الأخلاقي والسياسي في مجتمعات تعيش أزمات وطنية ممتدة.
في الدول التي تعاني هشاشة في مؤسساتها وضعفاً في منظومات الحماية، لا يمكن النظر إلى أحداث العنف الكبرى بوصفها أفعالاً معزولة أو طارئة. بل هي نتائج مباشرة لبنى سياسية واجتماعية واقتصادية وامنية مضطربة، تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع حسابات الأطراف الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، تصبح المقاربة الأخلاقية – رغم ضرورتها – قاصرة عن فهم الجذور الحقيقية للأحداث وأبعادها، والتعاطي العقلاني معها، ما لم تُدرج ضمن إطار تحليلي سياسي أشمل.
نحاول هنا تقديم قراءة معمّقة للحدث، عبر ربطه بالسياق البنيوي العام، والاستفادة من نماذج مقارنة توضّح كيف يمكن للصدمات الجماعية أن تتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل الفضاء السياسي بطريقة تضر بالمجتمع محلّياً ووطنياً. استناداً إلى مفاهيم من علم الاجتماع السياسي، ودراسات الصراع، والهندسة الاجتماعية للصراعات، إضافة إلى حالات تاريخية من البلقان والعراق ولبنان.
بين التضامن ورد الفعل الانفعالي
أفرزت المجزرة في السويداء موجة تضامن واسعة بين أبناء المحافظة، اتخذت أشكالاً متعددة من التعبير العاطفي والسياسي. هذه الاستجابة الأخلاقية مفهومة ومشروعة، بل هي جزء من آليات الدفاع الاجتماعي الطبيعية في مواجهة الخطر. فالكبرياء الجماعي، والإحساس بالحيف، والخوف من تكرار الحدث، والشك بالسلطة أو بالمؤسسات الرسمية – كلها عناصر تظهر عادة عند المجتمعات التي تعرضت لصدمات جماعية ولم تحصل على حماية كافية.
لكن السؤال المحوري الذي ينبغي طرحه هو: هل تكفي هذه الاستجابة الأخلاقية لحماية المجتمع ومنع تكرار المأساة؟
في التجارب المقارنة، كثيراً ما تتحول الاستجابة الأخلاقية إلى وقود لخيارات سياسية انفعالية، تدفع المجتمع نحو مسارات مغلقة لا تُنتج حماية حقيقية، بل تزيد من هشاشته. ومن هنا تظهر الحاجة إلى توسيع الإطار التحليلي نحو السياق السياسي البنيوي.
الصدمة كأداة في هندسة الصراع
تشير دراسات الصراع في العالم المعاصر إلى مفهوم “الهندسة الاجتماعية للصراعات”، وهي مجموعة أدوات تستخدمها سلطات رسمية أو فاعلون خارجيون أو تنظيمات مسلحة لدفع جماعة ما نحو مأزق وجودي، عبر صدمات أخلاقية شديدة. هذا النوع من الصدمات يؤدي إلى:
1. تحويل العقل الجمعي من حالة التحليل إلى حالة الدفاع الغريزي.
2. التركيز على الشعور بالخطر الوجودي على حساب التفكير السياسي الهادئ.
3. فتح الباب أمام خيارات سياسية تُقدّم بوصفها الطريق الوحيد للحماية، ولكنها قد تعيد انتاج المشكلة، استعادة السيادة المزعومة بهذه الطريقة المشبوهة احدى وجوهها، وخرافة دولة (الباشان) وجهها الآخر.
إن تحليل المجزرة ضمن هذا الإطار يتجاوز الجزم بوجود نية مسبقة، الى تسليط الضوء على بيئة مأزومة وهشّة تجعل مثل هذه الأحداث ممكنة، و تُستثمر لتوجيه المجتمع نحو مسارات سياسية معينة.
الدروس المستفادة من التجارب المقارنة
1. البلقان: تحويل الصدمة إلى وقود للحروب
في يوغسلافيا السابقة، شكّلت المجازر المحلية في كل من البوسنة وكرواتيا وصربيا نقاط تحول جذري. استثمرت النخب السياسية هذه الصدمات لتعبئة الجماعات ضد بعضها، والنتيجة كانت انزلاقاً سريعاً نحو حرب أهلية شاملة. تُظهر هذه التجربة أن الصدمة الأخلاقية يمكن أن تُستخدم لإعادة تشكيل الخريطة السياسية، وليس فقط للاستجابة الإنسانية.
2. العراق بعد 2003: “الهويات المهدَّدة”
أدت سلسلة من الهجمات الطائفية إلى تكريس منطق “الدفاع عن الطائفة” على حساب الدولة. تحول الانفعال الأخلاقي إلى شرعية سياسية للميليشيات، وأصبحت المجتمعات المذهبية أسيرة منطق الحماية المسلحة. تشير هذه الحالة إلى أن الاستجابة الأخلاقية غير المؤطرة سياسياً قد تُنتج تقويضاً للدولة ومأسسةً للانقسام.
3. لبنان: إعادة إنتاج الانقسام عند كل صدمة
من الحرب الأهلية إلى اغتيال رفيق الحريري، أدت الصدمات الأخلاقية في لبنان إلى إعادة اصطفاف المجتمع ضمن خطوط طائفية صارمة. رغم التعددية الثقافية والسياسية، ظلت كل صدمة تُستخدم لإحياء بنى الانقسام نفسها، بما يمنع أي مشروع وطني جامع. تُظهر هذه التجربة أن المجتمعات التي لا تنتج حلولاً سياسية طويلة المدى تبقى رهينة ردود الفعل العاطفية.
مخاطر الانزلاق نحو الخيارات القصوى
خصوصية السويداء – من حيث هويتها الثقافية ودرجة تماسك مجتمعها – تجعلها أكثر حساسية تجاه الصدمات الجماعية. فالمجتمع المتماسك
سوسيولوجياً يقاوم التفكك، لكنه في الوقت نفسه قد يكون عرضة للتحول السريع نحو خيارات دفاعية قصوى عند الشعور بالخطر الوجودي.
من هنا تأتي خطورة استثمار المجزرة في الدفع نحو:
• تشكيل هويات سياسية جديدة قائمة على مفهوم “الحماية”.
• تعزيز الانغلاق الداخلي على حساب الانفتاح الوطني.
• إنتاج سرديات صراعية تُستثمر خارجياً أو داخلياً.
وبذلك يصبح الجرح الأخلاقي مدخلاً لإعادة تشكيل المجال السياسي بطريقة تعمق مشكلات المجتمع المحلي والسوري عموماً.
الحاجة إلى مقاربة سياسية شاملة
استناداً إلى التجارب المقارنة، يتضح أن الاستجابات الأخلاقية مهما كانت مشروعة لا تكفي لبناء حماية مستدامة. المطلوب هو:
1. تفكيك البيئة البنيوية التي سمحت بوقوع الحدث، بدءاً من ظروف الأمن والاقتصاد وصولاً إلى غياب الثقة المؤسسية.
2. إنتاج رؤية سياسية وطنية تُدرج ما جرى في إطار الأزمة السورية الشاملة، وليس في إطار محلي أو طائفي ضيق.
3. منع توظيف الصدمة في اتجاهات متطرفة تؤدي إلى مزيد من الانقسام أو استدعاء لاعبين خارجيين.
4. تحصين المجتمع عبر آليات حوار محلي ووطني تمنع الانزلاق نحو منطق الثأر أو الاستقطاب.
فكل نزعة ثأرية – مهما بدت مفهومة – هي نزعة عمياء، تقود إلى استعادة الثنائية القاتلة: قاتل/قتيل، نحن/هم، وتفقد المجتمع القدرة على رؤية المشهد الكلي.
تكشف مجزرة السويداء عن لحظة مفصلية تتجاوز الألم المباشر لتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الأزمة السورية، ودور الصدمات الأخلاقية في إعادة تشكيل المجال السياسي. ومن خلال المقارنة مع نماذج البلقان والعراق ولبنان، يصبح واضحاً أن الاستجابة الأخلاقية غير المقترنة برؤية سياسية عقلانية قد تكون بداية لمسار أخطر.
إن حماية المجتمع وصون كرامة الضحايا ضرورة، لكن المخرج الحقيقي يكمن في مقاربة سياسية شاملة تمنع تكرار المأساة وتُعيد للمجتمع قدرته على إنتاج حلول رشيدة. إن السويداء – بما تمثله من قيمة ثقافية ووطنية – قادرة على لعب دور فاعل في إعادة تعريف مسار الأزمة السورية، شرط أن تُدار الجراح الأخلاقية بعقل بارد ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.