دمشق – أعلن القاضي جمعة العنزي، رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، أن أولى جلسات المحاكمات العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات في الأحداث ستبدأ صباح الاثنين، مؤكدا أن هذه الجلسات ستكون مفتوحة بالكامل أمام وسائل الإعلام.
ويشكل هذا الإعلان نقطة تحول حقيقية ليس فقط في مسار العدالة لضحايا الأحداث الدامية التي وقعت في مارس الماضي، بل يمثل اختبارا مصيريا لمصداقية الإدارة السورية الجديدة والتزامها بالشفافية والقانون.
وأكد القاضي العنزي في بيان عبر منصة إكس، التوقيت والآلية بشفافية كاملة، قائلا “صباحا بإذن الله تبدأ أولى جلسات المحاكمات العلنية للمتهمين بارتكاب الانتهاكات بأحداث الساحل السوري التي جرت في 6 مارس 2025 وما بعده وستكون المحاكمات مفتوحة أمام وسائل الإعلام المحلي والدولي”.
وأضاف العنزي، في بيانه الذي عكس أهمية الحدث “لحظات فارقة في تاريخ البلاد تعكس صورة سوريا التي ترسي أسس العدالة والشفافية وتعزز الثقة بالنظام القضائي وتشكل رادعا للمجرمين وتراعي حقوق المتهمين وتشكل ضمانا للمحاكمات العادلة”.
ويشير هذا التصريح إلى الأهداف الأعمق للمحاكمات، وهي تجاوز عهد غياب المحاسبة وبناء ثقة شعبية ودولية في النظام القضائي الناشئ.
وتابع القاضي العنزي مبينا حجم الجهد المبذول خلف الكواليس للوصول إلى هذه المرحلة، حيث قال “جهد عظيم بذلته وزارات العدل والداخلية والدفاع والمؤسسة القضائية والضابطة العدلية للوصول إلى هذه النتيجة”، وهو تعاون مؤسسي يظهر مدى التزام الإدارة الجديدة بمعالجة هذا الملف الشائك.
وأشار القاضي العنزي إلى “ضخامة وتعقيد ملف أحداث الساحل وما تطلبه من دقة وتمحيص في الإسناد القانوني والتجريم والملاحقة والقبض (على المشتبهين)”.
ويعد هذا الملف بالغ الأهمية ليس فقط لذوي الضحايا، بل لكل مهتم بمسار العدالة والإنصاف في الدولة الجديدة.
وقال العنزي، مؤكدا رسالة هذه المحاكمات إلى الداخل والخارج “يعنينا بالذات إذ نشاهد مخرجات لجنة التحقيق تطبق فعلا على الأرض لنثبت للسوريين أولا ثم للمجتمع الدولي المتمدّن أننا نعيش في دولة تراعي العدالة وتطبق القانون. إنها سوريا الجديدة؟”.
وتؤكد هذه العبارة أن المحاكمات هي الأداة العملية التي تستخدمها الإدارة الجديدة لإثبات وجود “دولة تراعي العدالة” بعد عقود من الحكم الذي اتُهم بالدموية.
وشهدت منطقة الساحل بدءا من السادس من مارس ولثلاثة أيام متتالية، أعمال عنف على خلفية طائفية حادة، اتهمت السلطات آنذاك مسلحين موالين للرئيس السابق بشار الأسد بإشعالها عبر شنّ هجمات دامية أودت بالعشرات من عناصرها، مما استدعى دفع السلطات بتعزيزات عسكرية ضخمة للمنطقة، شملت مئتي ألف مقاتل.
وكشفت منظمات حقوقية ودولية وشهادات ناجين أن عائلات بأكملها قضت في أعمال العنف التي شهدت “إعدامات ميدانية”.
واقتحم مسلحون منازل وسألوا قاطنيها عما إذا كانوا علويين أو سنّة، قبل قتلهم أو تركهم وشأنهم.
ووثق المسلحون أنفسهم عبر مقاطع فيديو قتلهم أشخاصا بلباس مدني عبر إطلاق الرصاص من مسافة قريبة، بعد إذلالهم وكيل الشتائم وضربهم. وتركت جثث في الشوارع لأيام، ومنعت العائلات من دفنها وفقا للطقوس الدينية، بينما دفن آخرون في مقابر جماعية دون توثيق سليم، وفق الأمم المتحدة.
وخلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، في أغسطس الماضي، إلى أن أعمال العنف التي وقعت في منطقة الساحل كانت “منهجية وواسعة النطاق” وشملت انتهاكات “قد ترقى إلى جرائم حرب”، لكنها أوضحت في الوقت ذاته أنها “لم تجد أي دليل على وجود سياسة أو خطة حكومية لتنفيذ مثل هذه الهجمات”.
ويعتبر الساحل السوري منطقة ذات أهمية إستراتيجية قصوى للنظام، فهو موطن للغالبية العلوية التي ظلت داعمة للحكم السابق، ولذلك فإن الأحداث فيه تسبب حساسية خاصة لدى السلطات السورية.
وتسعى الإدارة السورية الجديدة، التي بسطت فصائلها سيطرتها على البلاد في 8 ديسمبر الماضي، منهية 61 عاما من حكم حزب البعث الدموي و53 سنة من سيطرة أسرة الأسد، إلى فرض سيطرتها بشكل كامل وضمان استقرار المنطقة.
وتعمل الإدارة السورية الجديدة على ضبط الأوضاع الأمنية في البلاد، وملاحقة فلول النظام السابق الذين يثيرون قلاقل أمنية ويشنون هجمات في ريف اللاذقية وريف طرطوس لإحراج السلطة القائمة.
وتشكل هذه المحاكمات خطوة حاسمة في استراتيجية الإدارة الجديدة لتفكيك أي نفوذ متبقي للنظام السابق، وإرسال رسالة ردع واضحة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى، مما يعزز الثقة في الانتقال نحو دولة القانون.
المصدر العرب اللندنية