من الصعب الحديث عن الكتاب المقدس العبري، أو ما يعرف في المصطلح اليهودي بـ”المِقْرَا، أو التناخ”، من دون استحضار البيئة الثقافية والحضارية التي خرج منها. فـ”المِقْرَا” لم يُكتب في فراغ، ولم يتشكل في عزلة عن محيطه الواسع الممتد من وادي الرافدين إلى وادي النيل، بل هو نتاج بيئة فكرية عميقة التشابك تعرف في الدراسات الحديثة باسم “الشرق الأدنى القديم”؛ حيث نشأت أولى حضارات الكتابة والميثولوجيا والتنظيم الديني والاجتماعي، وخصوصًا في مصر وسورية وبلاد الرافدين وإيران. وهناك اتفاق تام بين المتخصصين في دراسات العهد القديم على أن تراث هذه البلدان وجد طريقه الواسع إلى “المِقْرَا”، فتحول من مدونات متفرقة تضم ملاحم وأساطير وقوانين وأشعارًا وأدبَ حكمةٍ ليصبح سردية لاهوتية تشكّل أساس الديانة اليهودية فيما بعد. بل إن كثيرًا من هؤلاء المتخصصين يعتمدون مبدأ أن عملية إثراء العهد القديم بالمواد التراثية الأجنبية ظلت مستمرة إلى اكتمال النص المقرائي في بدايات القرن الثاني الميلادي.
لقد ظل هذا الوعي بالتداخل الحضاري يتطور في الدراسات الحديثة حتى صار أحد المحاور الأساسية في فقه النصوص المقدسة. فمدرسة “النقد المقارن” التي نشأت في ألمانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة حاولت أن تفكك البنية النصية لـ”المِقْرَا”، لتبيّن كيف تسرّبت إلى داخله عناصر أدبية وأسطورية ولغوية ورمزية من النصوص السابقة. لكن هذه المدرسة لم تقف عند حدود الكشف عن التأثر، بل حاولت فهم سبب اختيار هذه العناصر دون غيرها، وكيف جرى تحويلها لتخدم غاية لاهوتية مغايرة.
وهكذا نشأ جانب من الديانة الإسرائيلية، التي سميت “اليهودية” في عصور لاحقة، من ماضٍ أسطوري سومري وبابلي وآشوري، ومصري، وكنعاني، وربما يوناني وروماني في مراحل متأخرة، رغم أن سمة أساسية من سمات الديانة الإسرائيلية القديمة وجود توتر دائم بين الأسطوري والتاريخي؛ ومن امتزاج العناصر التاريخية بالأسطورية ظهرت الأشكال الملحمية الإسرائيلية، وإن ظل الإسرائيليون يصفونها بـ”التاريخية”. وعلى هذا الأساس جرى تفسير كثير من أحداث ما قبل التاريخ، ثم التاريخ الإسرائيلي القديم، وفق أنماط ملحمية، واختيار الشكل الملحمي في كثير من الأحيان للتعبير عن الواقع الديني.
لقد أدرك علماء الدراسات التوراتية، بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر، ومع اكتشاف مكتبة آشور بانيبال 1850، وألواح تل العمارنة 1887، وألواح نيبور الخاصة بالحضارة السومرية 1889–1900، ومكتشفات أوغاريت في رأس شمرا في عشرينيات القرن الماضي وغيرها، أن نصوص “المِقْرَا” تحمل آثارًا واضحة من آداب أقدم منها بقرون طويلة. فثمة صدى واضح لأفكار الخلق القديمة في مصر وبلاد الرافدين في نصوص “المِقْرَا”، من ذلك الكون المغمور بالمياه قبل بدء الخلق؛ ففي مصر ارتكزت أسطورة الخلق على الماء البدئي “نون”، وخروج الأرض والكلمة الإلهية التي تنظم الوجود، وكذلك في أسطورة الخلق السومرية، وفي ملحمة “إنوما إليش/ عندما في الأعالي” البابلية حيث الفوضى المائية، أو اللجة الأزلية “تيامات” وهو اسم إلهة المياه المالحة/ المحيط، والتي ربما انتقل لفظها إلى النص المقرائي “تِهُوم” بعد تخليصه من المضمون الوثني، حيث تبدأ قصة الخلق في العهد القديم بوصف مشابه: “وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر (تِهُوم) ظلمة، وروح الله يرفّ على وجه المياه”. هنا نرى صورة الفوضى المائية الأولى والخلق من العدم المنظم بفعل الكلمة الإلهية، وهي ثيمة عرفتها حضارات الشرق القديم على اختلافها. ومن ذلك أيضًا أن الإله مردوك، في النص البابلي، شطر تيامات شطرين، فصنع من أحدهما السماء ومن الآخر الأرض، وهي صورة مشابهة لما فعله الرب في “المِقْرَا” حين شطر الـ”تِهُوم” نصفين، فخلق من أحدهما السماء، ومن الآخر ظهرت الأرض.
أما التشابه الأخطر، والذي ترك أثره فيما بعد في الفلسفة اليهودية، فيرتبط بخلق الإنسان على صورة الإله؛ فالأمر كذلك في النموذج السومري، والقصة البابلية، وهو نفسه في النموذج المقرائي: “وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه”. وقد قاد ذلك إلى جدال واسع حول قضية تجسيد الإله وإطلاق الصفات البشرية عليه في مواضع عديدة، حتى إن موسى بن ميمون في كتابه “دلالة الحائرين” كان ينافح ضد مقولات تجسيد الإله ويفسرها تفسيرات تخرجها عن ظاهرها، متأثرًا بالفكر الإسلامي في ذلك الوقت. واعتبر أن إحدى الصعوبات التي تواجه اليهود هي أن عبارة “لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا” قادت الناس “إلى التجسيم المحض… وظنوا أن الله على صورة إنسان، أعني شكله وتخطيطه، فلزمهم التجسيم المحض فاعتقدوه، ورأوا أنهم إن فارقوا هذا الاعتقاد كذّبوا النص، بل عدموا الإله، إن لم يكن جسما ذا وجه ويد مثلهم”.
| بعض المزامير التوراتية بدت وكأنها إعادة توحيدية لنصوص أوغاريتية أقدم بقرون، من دون تغيير جذري في الصياغة الشعرية سوى استبدال اسم الإله |
غير أن الملاحظة الأبرز في قضية تأثير آداب الشرق الأدنى القديم في الأدب المقرائي أن الباحثين الغربيين كانوا يعدّون كل وجه من وجوه التشابه تأثيرًا: كدور الكلمة “كُن” في عملية الخلق، أو في خلق الإنسان من طين، أو تسمية الإنسان الأول “آدم”، أو خلق المرأة من ضلع من أضلاعه… من دون الانتباه إلى وجود أصل إلهي واحد مشترك يربط هذه القصص جميعًا، نتج عنه تقاطع كثير من التفاصيل وإن اختلفت الجغرافيا التي تنتمي إليها القصص المختلفة. وفي ظني أن مدار التأثير يرتبط أكثر بتعدّد الآلهة، أو تجسيدها وتشبيه الإنسان بها، أو ما يخص التفاصيل الصغيرة التي يُرجّح فقدانها لدى المحرر التوراتي، ما اضطره إلى ملء ما في النص من فجوات عبر الاستعانة بتراث الشرق الأدنى القديم.
لقد أراد الكاتب تبرير مصدر الشر في قصة هبوط الإنسان إلى الأرض، فألصقها بالحية كما في القصة التوراتية، وهي نفسها مصدر الشر وأصل الخبائث في النصوص المصرية القديمة، وهي أيضًا الحية التي سرقت نبتة الخلود من جلجامش في الملحمة البابلية القديمة. بل إن سبب طرد آدم من الجنة في القصة المقرائية ليس المعصية بالأكل من الشجرة التي نُهي عنها، بل كي لا يصبح كالإله بعد أكله منها: “وقال الرب هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا عارفًا الخير والشر”، وهو السبب نفسه في نصوص آداب الشرق الأدنى القديم، علاوة على ما يظهره التعبير “كواحدٍ منا” من تأثر بفكرة تعدد الآلهة التي سادت لدى الشعوب في ذلك الوقت. علاوة على تحميل النص التوراتي المرأة المسؤولية عن الغواية، تمامًا مثلما حدث في ملحمة جلجامش.
ما قيل عن قصة الخلق يقال أيضًا عن روايات أخرى؛ ففي قصة طوفان نوح، أو في انهيار برج بابل كسبب لبلبلة الألسن واختلاف لغات البشر وتسمية المدينة التي حملت الاسم نفسه، أو في صراع الرب مع يعقوب وتسميته إسرائيل، وفي تبرير تسمية الأماكن والأشخاص، وتبرير مواعيد الأعياد وطرق الاحتفال بها، والقرابين، وفي وصف بطولات خارقة لقضاة بني إسرائيل وأبطالهم، وفي الاهتمام الزائد بالتفاصيل كنهج عام في العهد القديم، أو في وصف الإله يسكن في خيمة، ويندم على أفعاله، وأنه نار آكلة، أو بأنه “ربّ الجنود”، ذلك التعبير الذي يعكس صدى واضحًا للوظائف الحربية للإله “بعل” الكنعاني أو الإله “أشور” في بلاد الرافدين، ففي هذه الحالات وغيرها استخدم الكتّاب الإسرائيليون القدامى مواد تراثية ذات توجهات دينية وثقافية تنتمي إلى حضارات مختلفة. صحيح أن الديانة الإسرائيلية القديمة نشأت كردّ فعل على الفكر الأسطوري الذي ساد المنطقة، والذي كان يجسّد وحدة الله والكون والإنسان، لكن كثيرًا مما تركته من نصوص يظهر أنها لم تتمكن من الفصل بين العوالم الثلاثة بشكل جذري، رغم السعي إلى ذلك. ومن ثم كان تخلّصها من التجسيد والتصوير منقوصًا. يضاف إلى ذلك أن محاولة مقاومة الفكر الأسطوري القديم، البابلي والأشوري والمصري والكنعاني… لم ينتج عنها، حسب مقولات باحثين، مفاهيم مضادة للأسطورة، بل تقديم أساطير بديلة.
لم يقتصر تأثير تراث الشرق الأدنى القديم على الأفكار الأسطورية والحكايات التي تبرر أسماء الأشياء، ولا طريقة وصف الأبطال وحكاياتهم، بل امتد إلى جوانب أخرى كثيرة؛ فاستخدم مؤرخو العهد القديم ما عُرف عند الأشوريين بـ”التأريخ التعاصري”، حين كان يؤرَّخ لملوك أشور بذكر معاصريهم في بابل، وقلّدوه بالتأريخ لملوك يهوذا بذكر معاصريهم في إسرائيل. بل إن فكرة العهد، التي تعدّ الفكرة المركزية الأهم في ديانة بني إسرائيل، وظّفت، حسب موشيه فينفيلد، العناصر الستة لمعاهدات الخضوع التي فرضها الملك أسرحدون الأشوري على أعدائه (التعريف بالعهد، المقدمة التاريخية، الشروط، تدابير الإيداع والقراءة، الشهود، بركات الالتزام ولعنات النكوص)، وطُبّقت على عهد يهوه مع بني إسرائيل، بعد مواءمتها مع العهد الإلهي المقطوع مع البشر.
أما بالنسبة للأدب الكنعاني وتأثيره على الأدب العبري القديم فهو من الأمور البديهية، كما يقول يحزقيل كاوفمان، إذ يعكس حجم ما في التراث الإسرائيلي القديم من تشابه مع التراث الكنعاني تجذّر بني إسرائيل في ثقافة كنعان. وقد كانت ثقافة الإسرائيليين القدامى في فترة دخول كنعان كاللوح الأملس الخالي من أية آثار، الصالح للكتابة، ومن ثم كان طبيعيًا أن تترك الثقافة الكنعانية آثارها في الجماعة القادمة. يضاف إلى ذلك أن فلسطين وسورية ولبنان كانت ملتقى الحضارات الكبرى في الشرق الأدنى، وبهذا المعنى كانت البوتقة التي انصهرت فيها تأثيرات الحضارات القديمة في إيران وأرض الرافدين ومصر، والتي تركت أثرها فيما بعد في النص المقرائي. وهكذا لم يكن مستغربًا أن تحاكي الأشعار المقرائية القديمة نظيرتها الكنعانية في استخدام التوازي الشعري والألفاظ المجازية والتكرار الإيقاعي، بل إن بعض المزامير التوراتية بدت وكأنها إعادة توحيدية لنصوص أوغاريتية أقدم بقرون، من دون تغيير جذري في الصياغة الشعرية سوى استبدال اسم الإله يهوه بآلهة كنعان (بعل وعنات وأشيرا)، وهو ما كشفته الكتابات الأوغاريتية المكتشفة في رأس شمرا في عشرينيات القرن الماضي.
وهكذا يبدو الأمر أحيانًا، وحسب فرانك كروس ومارك سميث، وكأن “المِقْرَا” ورث من الأدب الكنعاني التقليد الإنشادي الذي يجمع بين الدعاء والتمجيد الإلهي، لكن وفق صياغات ثقافية تتناسب مع معتقدات الإسرائيليين القدامى. نقرأ مثلًا في (المزمور 92: 10): “هو ذا أعداؤك يا يهوه… هو ذا أعداؤك يبيدون… كل فاعلي الإثم يبيدون”، وهو محاكاة كاملة لما جاء في ملحمة بعل الكنعانية: “هو ذا أعداؤك يا بعل… هو ذا أعداؤك يبيدون… هو ذا أنت تقضي على أعدائك”.
ما سبق هو نذر يسير من حجم تأثير تراث الشرق الأدنى القديم في النصوص المقرائية، وهو يبرهن على أن الجماعة الإسرائيلية القديمة لم تمتلك يومًا تراثًا أصيلًا، وأن ما أعطاها مكانتها القديمة لم يكن ما تملك من حضارة أو ثقافة أو أدب أو تاريخ، بل نصوصًا منزّلةً أُريدَ منها أن تكون أساسًا لتغيير شكل العقيدة، وممارسات العبادة، وطريقة تفكير شعوب المنطقة. لقد كشف استقراء نصوص “المِقْرَ” على ضوء تراث الشرق الأدنى القديم عن عمق التداخل بين الأسطوري واللاهوتي، وعن أن ما نُظر إليه طويلا بوصفه “وحيدًا فريدًا” إنما تشكّل في بيئة حضارية غنية سبقته بقرون، وإن تبنّت فكرًا أسطوريًا. فـ”المِقْرَا” بهذا الشكل لم يكن انقطاعًا عن ماضي المنطقة، بل استمرارًا له في قالب سعى أصحابه لأن يكون مختلفًا. لقد حاول كتّاب النص المقرائي إعادة توجيه الإرث الأسطوري نحو غايات دينية جديدة، لكنهم لم يتمكنوا من الانعتاق التام عن ذلك التراث الذي كان الوعاء الأول للأفكار التي صاغ منها المحررون تصوراتهم عن الخلق والإله والتاريخ والقانون، بل وحتى الإنتاج الأدبي.