دمشق ـ «القدس العربي»: استفاق أهالي مدينة حمص وسط سوريا، الأحد، على جريمة راح ضحيتها إمام مسجد يدعى عبد الله العبود وزوجته، من أبناء قبيلة بني خالد، تبعتها ردود فعل، ما دفع قوات الأمن للتدخل وفرض حظر تجوال ينتهي اليوم الإثنين.
جريمة قتل
وقالت مصادر محلية لموقع «المدن» إن مجهولين اقتحموا منزل رجل وزوجته من عشائر بدو بني خالد على أطراف بلدة زيدل، قبل أن يقوموا بقتل الرجل عبر ضربه بالحجارة، ثم قتل زوجته وحرقها.
وأضافت أن الجريمة تسبّبت بحالة غضب كبيرة بين أبناء العشيرة، حيث هاجموا أحياء يقطنها سوريون علويون في حيي المهاجرين وضاحية الباسل في مدينة حمص، وأطلقوا النار في الهواء وعلى المنازل والمحلات التجارية، واحرقوا عدداً من السيارات، ما أدى إلى إصابة شخصين بجروح، قبل أن تصل القوات الأمنية إلى المدينة لضبط الأمن.
وفي تصريح له نقلته وكالة الأنباء السورية «سانا» قال قائد الأمن الداخلي في حمص العميد مرهف النعسان إن «بلدة زيدل جنوب مدينة حمص، شهدت صباح (الأحد) جريمة قتل مروعة، حيث عُثر على رجل وزوجته مقتولين داخل منزلهما، وقد تعرضت جثة الزوجة للحرق».
وزاد: «وُجدت في موقع الجريمة عبارات تحمل طابعاً طائفياً، ما يشير إلى محاولة لبث الفتنة بين الأهالي» مؤكداً أنه «تم فتح تحقيق موسع لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد هوية الجناة وملاحقتهم لتقديمهم إلى القضاء المختص».
وأكد على «إدانة هذه الجريمة النكراء بشدة» معتبراً أن «هدفها واضح هو إشعال الخطاب الطائفي وزرع الفتنة بين أبناء المجتمع» مطالبا»أهلنا الكرام بالتحلي بضبط النفس، والابتعاد عن أي ردود فعل، وترك التحقيقات في يد قوى الأمن الداخلي التي تتابع مهامها بمسؤولية وحيادية لضبط الجناة وفرض الأمن».
وجاءت جريمة قتل الشيخ وزوجته بعد يوم من انتشار أنباء وصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن قيام جهات بقتل شابين علويين في ريف حمص الغربي رجما بالحجارة.
«نداء استغاثة»
ووجّه «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر» نداء استغاثة عاجلا إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وصنّاع القرار، وذلك في بيان قال فيه إن «الأحياء العلوية في مدينة حمص تعرضت لهجوم بربري مسلّح» حسب وصفه.
وتابع: «خلال هذا الاعتداء، جرى ترويع المدنيين العزّل عبر إطلاق النار المباشر عليهم، وإحراق البيوت والممتلكات، وتكسير المحالّ التجارية، وحرق السيارات في تلك الأحياء».
وفيما تحدث عن قتيلين مدنيين، دعا الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وصنّاع القرار إلى التدخّل الفوري والعاجل وإيفاد لجنة تحقيق دولية مستقلة لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
واستقبل محافظ المدينة عبد الرحمن الأعمى، وفدا من العشائر وانتهى اللقاء بصدور بيان جاء فيه أن «شيوخ ووجهاء وأبناء محافظة حمص يستنكرون الجريمة البشعة التي وقعت صباح (أمس) الأحد بحق الشاب عبد الله العبود وزوجته بطريقة لا تمت للإنسانية بصلة، وإننا إذ نترحم عليهم فإننا نطالب الجهات المختصة بالقيام بدورها والكشف عن المجرمين وسوقهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل».
واعتبر أن «استخدام العبارات الاستفزازية في سياق الجريمة يوضح أن الهدف منها هو اشعال الفتنة وجر المنطقة لتوترات أمنية وإحداث شرخ مجتمعي».
ووفق البيان، أكدت قبيلة بني خالد «وقوفها مع مسار الدولة وما أعلنت عنه من إجراءات تحول دون جر أبناء القبيلة لهذه الفتنة، ودعت أبناء محافظة حمص إلى الالتزام وضبط النفس والامتثال التام لما يصدر من تعاميم عن الجهات المختصة. وذكّرت الجميع بتحمل المسؤولية الوطنية والمجتمعية والحفاظ على السلم الأهلي وحق الجوار والابتعاد عن التجييش بأشكاله كافة».
وقال الشيخ فرج حمود الفرج السلامة في تصريح لـ«القدس العربي» إن الجانب العشائري وضع عملية ضبط الأمن بيد الدولة والكل أجمع بأننا ضد أي خلل أمني وفتنة يتم العمل على إشعالها، ونؤكد أننا مع حماية المدنيين من كل الأطياف وأن يأخذ القانون مجراه بحق من ارتكب هذه الجريمة.
وبيّن الفرج السلامة، الذي كان أحد المشاركين في الاجتماع مع المحافظ، أن ما تم الترويج له خلال اليومين السابقين على أنه قد تم قتل شابين علويين رجما هي مجرد كذبة باعتقادي وفبركة لصور غير حقيقية وتظهر وكأنها تمثيلية كانت تهدف للدفع في اتجاه الفتنة، وما يؤكد ذلك الجريمة القذرة التي وقعت (أمس) الأحد.
وأوضح أن «الاجتماع مع المحافظ حضره الجهازان الأمني والعسكري، وقد صرحا خلال الاجتماع بتوفر معلومات وتقارير لديهم تتحدث عن وجود جهات تعمل على خلق فتنة خلال هذه المرحلة، يعمل على تأجيجها معادو الدولة السورية سواء داخليا أو خارجيا من فلول النظام البائد أو من «حزب الله» وإيران وقوات سوريا الديمقراطية وحتى من داعش».
وأكد أن «الهجمة العشائرية وردة الفعل التي حصلت، قمنا باستنكارها من جميع العشائر، فنحن ضد أي استهداف وتجاوز بحق المدنيين العزل وسرقة البيوت والمحلات التجارية وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، ونحن، ومن خلال البيان الذي أصدرناه، قمنا بمناشدة أبناء القبائل أن يذهبوا في اتجاه التهدئة لتبقى الأوضاع تحت السيطرة وطلبنا من أجهزة الدولة أن تضبط الأمن بقوة وتحول دون أي تجاوزات».
وعن اعتقاده بخلفيات ارتكاب الجريمة أوضح أن «من يقف وراءها هم من فلول النظام والمنخرطين ضمن صفوف «قسد» تحديدا، لأن مثل هذه الفتن تخدمهم في المرحلة المقبلة، وخصوصا مع اقتراب موعد نفاذ اتفاق دمج «قسد» الموقع عليه في آذار/ مارس الماضي بين الرئيس أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي، مع الإشارة إلى أن أبناء الطائفة العلوية هم حالياً أضعف من أن يتحركوا، وأصلا ليسوا في وارد خلق الفتنة».
وبيّن أن «الجيش والأمن نزلا إلى الشارع وضبطا الوضع بقوة وأوقفا التجاوزات بعد أن قام البعض بحرق منازل وسيارات وسرقة محال تجارية، وهي تصرفات مرفوضة ومن قام بها قد يكونون من اللصوص الذين يستغلون الفوضى وسوف تتم محاسبتهم».
وذكر أن «الاجتماع مع المحافظ والأجهزة الأمنية والعسكرية في حمص ضم شيوخ العشائر ولم يشارك فيه ممثلون عن الطوائف الأخرى وخصوصا من العلويين، لأن هؤلاء ليسوا ممن يدفع الأوضاع في اتجاه التوتر».
وأكد أن «الأوضاع على الأرض قد تم ضبطها، والأمور ستذهب في اتجاه التهدئة ما لم تحصل مفاجآت وتقوم جهات باستغلال الأوضاع وإراقة الدماء، ما سيؤدي إلى انفلات الأوضاع الأمنية مجددا».
جريمة لتأجيج الأوضاع
في حين قال الناشط السياسي من مدينة حمص عبد الرزاق مندو لـ«القدس العربي» إن المواجهات حصلت في حي المهاجرين، وهي من ضمن الأحياء الشرقية لمدينة حمص وتحديدا على طرفي الطريق من حمص في اتجاه مدينة تدمر في البادية، وهي تضم تلوناً طائفياً من أهالي العشائر السنة ومن العلويين، ولكن الفئات التي تعيش فيه كانت غالباً من المتضررة من النظام البائد ولم يكن من بينهم الشبيحة أو المجرمون وإنما هم من الطبقات الفقيرة.
وذكر أن الاعتداءات وعمليات الحرق والسرقة تمت في الحي ذاته وفي الأحياء القريبة منه شرق المدينة واتخذت صبغة طائفية ضد العلويين، وما سهل حصول هذه الانتهاكات أن الطرق الخارجة من هذه الأحياء في اتجاه البادية مفتوحة ومنبسطة ومن الصعب ضبطها، وهي الأحياء ذاتها التي دخل منها الثوار عند تحرير مدينة حمص قبل سقوط النظام البائد بأيام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي خلال عملية ردع العدوان.
وذكر أن التدخل الأمني والعسكري عمل على إغلاق معظم الأحياء ذات التنوع الطائفي وتلك التي يمكن أن تشهد عدم انضباط للسلاح، وانتشرت فيها الفرقة 52 ووصلت مجموعات من الأمن العام.
ووصف الاجتماع الذي شارك فيه شيوخ ووجهاء العشائر في مدينة حمص مع محافظها بأنه كان «ناجحاً».
وأشار إلى تصريحات قائد الأمن الداخلي في حمص العميد مرهف النعسان إلى جانب بيان شيوخ العشائر جاءا ضمن حراك سريع وعاجل لتطويق الأمر سياسيا وأمنيا وعسكريا لقطع طريق تأجيج الأوضاع بشكل طائفي وانفلاتها.
وأكد أن الجريمة واضحة بأنها ارتكبت على خلفية تأجيج الأوضاع الأمنية في المدينة بهدف ضرب أي تقدم في الملفات العالقة، والتشويش على الزيارة الناجحة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، وزيادة الحديث عن إمكان إنجاز اتفاق دمج «قسد» في وزارة الدفاع ورفع العقوبات الاقتصادية، وحتى مع اقتراب موعد الاحتفال بالسنوية الأولى لإسقاط النظام.