خليل حسين محرر بموقع السفينة
لم تكن تضحيات السوريين طوال سنوات الثورة والحرب من أجل تغيير الأسماء أو استبدال الرايات، بل كانت من أجل بناء دولة جديدة تقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون. ولذلك فإن المرحلة الانتقالية لا تُقاس بمرور الوقت ولا بعدد الاجتماعات والمؤتمرات، بل بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي خرج السوريون من أجلها ودفعوا أثمانها الباهظة من دمائهم ومستقبلهم وأعمارهم.
غير أن ما يثير القلق اليوم هو أن السلطة الانتقالية تبدو وكأنها تتعامل مع استحقاقات هذه المرحلة بعقلية التأجيل والترحيل، بدلاً من عقلية المبادرة والحسم. فكل يوم يمر دون خطوات جدية نحو العدالة الانتقالية هو يوم إضافي يُهدر من رصيد الثقة الشعبية، ويُبقي جراح السوريين مفتوحة دون أفق واضح للإنصاف والمحاسبة.
لقد كان من المفترض أن تكون العدالة الانتقالية في مقدمة الأولويات الوطنية فور سقوط النظام، ليس بدافع الانتقام، وإنما من أجل تأسيس دولة القانون ومنع الإفلات من العقاب. فآلاف العائلات التي فقدت أبناءها في المعتقلات أو تحت التعذيب أو في عمليات القتل والقصف الممنهج لا تنتظر خطابات سياسية، بل تنتظر حقيقة وعدالة ومحاسبة. إن تأخير هذا الملف لا يخدم الاستقرار كما يعتقد البعض، بل يهدد بتكريس الشعور بالظلم ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الجرائم الكبرى يمكن أن تُطوى بمرور الزمن.
ولا يقل خطورة عن ذلك التأخر الواضح في إصدار قانون عصري للأحزاب السياسية يفتح المجال أمام التعددية والتنافس الديمقراطي الحقيقي. فالدولة التي خرجت من عقود طويلة من حكم الحزب الواحد لا يمكن أن تبني مستقبلاً ديمقراطياً من دون حياة سياسية حرة ومنظمة. إن استمرار الغموض حول شكل الحياة السياسية المقبلة يثير مخاوف مشروعة من إعادة إنتاج الاحتكار السياسي بأدوات جديدة ومسميات مختلفة.
أما ملف الحريات العامة، فقد كان السوريون ينتظرون أن يكون أول ثمار التغيير. لكن الواقع يكشف أن المساحة المتاحة للنقد والمساءلة والمشاركة المدنية لا تزال دون مستوى التطلعات التي رافقت لحظة سقوط النظام. فالحرية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تُختبر في قدرة المواطنين والصحفيين والناشطين والأحزاب على التعبير عن آرائهم وانتقاد السلطة من دون خوف أو تضييق.
لكن التحدي الأكبر والأكثر إلحاحاً يبقى اقتصادياً. فالسوريون الذين صمدوا في وجه الحرب والقمع يواجهون اليوم معركة أخرى لا تقل قسوة: معركة البقاء. لقد ترك نظام الأسد وراءه دولة منهوبة ومؤسسات مدمرة واقتصاداً مثقلاً بالفساد والمحسوبية وشبكات النهب المنظم التي استنزفت موارد البلاد لعقود طويلة. ولم تكن الحرب سوى امتداد لهذه الكارثة البنيوية التي حوّلت سوريا إلى واحدة من أكثر الدول تضرراً في المنطقة.
ومع ذلك، فإن الأداء الاقتصادي حتى الآن لا يعكس حجم الكارثة ولا مستوى التحديات. فلا توجد رؤية واضحة ومعلنة لمعالجة الفقر المتفاقم، أو لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، أو لاسترداد الأموال المنهوبة، أو لتفكيك شبكات الفساد التي ما زالت آثارها حاضرة في مفاصل عديدة من الحياة الاقتصادية. كما أن المواطن السوري لم يلمس حتى الآن تحسناً حقيقياً في مستوى معيشته يبرر حجم الآمال التي علّقها على مرحلة ما بعد سقوط النظام.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مرحلة انتقالية هو فقدان الزخم الشعبي الذي منحها شرعيتها في البداية. فالثقة ليست رصيداً دائماً، بل علاقة تتجدد عبر الإنجاز والشفافية والاستجابة لمطالب الناس. وكل تأخير غير مبرر في ملفات العدالة والحريات والإصلاح السياسي والاقتصادي يبدد جزءاً من هذه الثقة ويُضعف فرص نجاح المشروع الوطني برمته.
إن سوريا لا تحتاج اليوم إلى إدارة مؤقتة للأزمات، بل إلى رؤية وطنية جريئة تعترف بحجم التحديات وتواجهها بقرارات استثنائية تليق بمرحلة استثنائية. فالعدالة الانتقالية يجب أن تبدأ الآن لا غداً، وقانون الأحزاب يجب أن يصدر دون إبطاء، والحريات العامة يجب أن تتوسع لا أن تبقى رهينة الحسابات السياسية، والاقتصاد يحتاج إلى خطة إنقاذ وطنية عاجلة تضع معاناة المواطنين في مقدمة الأولويات.
لقد سقط النظام، لكن إسقاط الاستبداد بكل آثاره السياسية والاقتصادية والثقافية ما زال مهمة لم تكتمل. والتاريخ لن يحاسب السوريين على إسقاط النظام فحسب، بل سيحاسب السلطة الانتقالية أيضاً على ما إذا كانت قد نجحت في بناء الدولة التي حلم بها السوريون، أم أنها أهدرت فرصة تاريخية قد لا تتكرر لعقود طويلة.