حين قرأت البيان الأخير الصادر عن الهيئة الوطنية للمفقودين، بتاريخ 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، شعرت أن من واجبي أن أكتب، كأخ لمحمد نور، الذي اختفى في أحد سجون تنظيم داعش منذ عام 2013، وكصحفي ومدافع عن حق السوريين في معرفة مصير أحبّتهم، وتوثيق الجرائم المرتكبة بحقهم، أياً كان الفاعل.

تجدر الإشارة إلى أن الهيئة، التي تأسست بموجب المرسوم رقم 19 لعام 2025، بعد سقوط نظام الأسد، وُصفت بأنها جهة مستقلة مالياً وإدارياً، ومكلّفة رسمياً بمتابعة ملف المفقودين والمختفين قسراً، والكشف عن مصائرهم، والتنسيق مع الجهات المحلية والدولية.

أسأل نفسي، هل علينا كعائلات الغيّاب، أن نترك مسؤولية السؤال لمؤسسات قد تُغلق بعد عام أو عامين لأسباب سياسية أو عسكرية؟ هل نفوّض الغياب كله إلى جهة رسمية لا نعرف إن كانت ستبقى، ولا إن كانت، أصلاً، تملك أدوات البحث الجاد؟ هل يصبح الحزن مؤجلاً إلى حين وصول الموافقة، ويُقنن الحق في المعرفة بمرسوم؟

كثر من أصدقائي لا يعرفون معنى الغياب. لم ينتظروا أحداً. لم يبحثوا في وجوه القتلى عن أخ أو أب. لذلك قد لا يفهمون موقفي، وقد يفضّلون الصمت، أو الاعتدال، أو التقيّد بالإجراءات. لا أكتب الآن لأكون بيروقراطياً. ولا أقبل أن يُحاصر حقنا بالانتظار.

البيان الذي أناقشه هنا، يمكن اختصاره في عبارة واحدة: «لا تخرجوا عن النص». أي محاولة لنشر أو تداول معلومات خارج «الرواية الرسمية» هي خروج عن القانون، وخروج عن أخلاق السلطة. لا أسماء، لا شهادات، لا ألم… إلا بموافقة مسبقة. كما حذّر من «خطورة تداول الوثائق غير الرسمية»، واعتبر «نشر أسماء دون موافقة الهيئة» بمثابة «تجاوز قانوني وأخلاقي»، ما يكشف رغبة واضحة في احتكار الملف وتقييد المبادرات المدنية. لا أعرف لماذا تُعامَل محاولاتنا للبحث عن مصير أحبّتنا كأنها تهديدٌ للنظام الجديد؟ ولماذا تعتبر الهيئة نفسها الجهة الوحيدة المخوّلة بإدارة هذا الملف، وكأن الألم يحتاج إلى تصريح، وكأن العائلة التي تبحث عن صورة ابنها، تحتاج إلى توقيع كي تنطق باسمه.

ربما جاء البيان كردّ فعل على ما حدث في الأشهر الأخيرة، من قيام بعض المنصات الإلكترونية بنشر وثائق تتعلّق بالمفقودين، أو مشاركة بعض العائلات لصور وثائق تخصّ أبناءها في محاولة يائسة لمعرفة الحقيقة أو إثارة الانتباه. بعض من الأهالي قرر أن يبحث عن ابنه بوسائله الخاصة، أن يصرخ، أن يكتب، أن لا ينتظر لجنة أو مرسوماً. أفهم تماماً أن هذه الموجة قد أربكت المشهد، وأنها أثارت القلق لدى من يخشون التضليل، أو من يخافون على العائلات من صدمة جديدة، أو على الرأي العام من فوضى يصعب ضبطها.

لكنّي أدرك أيضاً أن السكوت، حين يكون مفروضاً من جهة رسمية، لا يُصبح حرصاً، بل قمعاً. وأن احتكار الحقيقة باسم التنظيم، لا يُشفي، بل يضاعف النزيف. لا يمكنني أن أُغفل السياق الأكبر، وهو غياب دور الهيئة نفسها، وتأخّرها في توفير أي قناة موثوقة وآمنة تُغني عن اللجوء إلى مثل هذه الأفعال الاستثنائية. لم يلجأ الأهالي إلى نشر الوثائق استهانة بالخصوصية، بل لأنهم تُركوا وحدهم تماماً. لا جهة رسمية أبلغتهم بأي معلومة، ولا مؤسسة أعطتهم إجابة. وجد الأهالي هويات أقربائهم ملقاة على الأرض، أمام الأفرع الأمنية، ظهرت آلاف الصور التي توثّق هذه اللحظات المريرة. من الطبيعي أن يبدأوا بالنشر والبحث بأنفسهم، لأن أحداً لم يقم بهذا الواجب عنهم.

ما يلفت النظر في البيان أنه تجاهل جوهر المشكلة: غياب الشفافية، وانعدام التواصل الحقيقي مع العائلات، وتأخر الهيئة في بناء أي مسار مؤسسي جاد. وبدلاً من مساءلة هذا الغياب، قررت الهيئة أن تُحمّل المسؤولية للذين حاولوا ملء هذا الفراغ. ألقت اللوم على من بادر وبحث ووثق، لا على من تقاعس. اختارت أن تُحمّل الجهد الشعبي عبء الفوضى، بدل أن تسأل كيف نشأت هذه الفوضى، ومن ترك الباب مفتوحاً لها.

في المقابل، شهدنا منذ لحظة سقوط النظام موجة من التسريبات العشوائية للوثائق، بلا تحقق، ولا سياق، ولا مراعاة لخصوصية الضحايا أو حساسية الواقع المجتمعي. تحوّل اسم المفقود إلى مادة للنشر، وصورة الضحية إلى وسيلة لجذب التفاعل. بعض المبادرات الإعلامية والصفحات الإخبارية تعاملت مع الملفات الأخطر في حياة السوريين بأقل قدر من المهنية والاحترام.

هكذا، نقف اليوم بين طرفين غير منطقيين: جهة رسمية تحاول فرض الصمت واحتكار الملف دون خطة، وجهات غير مسؤولة تمارس نشراً عشوائياً من دون وعي. هكذا، تجد عشرات الآلاف من العائلات نفسها بين صفحاتٍ تلهث خلف نسب المشاهدة، وسلطةٍ تريد فرض الصمت والرقابة. ضحايا هذا المشهد هم دائماً أنفسهم: العائلات، والذاكرة، والحقيقة.

لكن ما حدث من فوضى نشر الوثائق لا يمكن فصله عن سياسات الحكومة ذاتها. شجّعت هذه السياسات منذ البداية خطاباً إعلامياً استعراضياً، أعطت فيه الأولوية للظهور الخارجي على حساب العدالة. فتحت الأبواب أمام اليوتيوبرز ومشاهير وسائل التواصل لزيارة سجون نظام الأسد، وتوثيقها بطريقة سطحية ومُسيّسة، بينما منعت المنظمات السورية والدولية المتخصصة بالتوثيق من دخول هذه المواقع، بحجة «الحفاظ عليها» لأغراض التحقيق.

من أوضح الأمثلة التي تكشف المنهجية المتعمدة وراء سياسات طمس الحقيقة، ما جرى في اللاذقية يوم 15 كانون الثاني (يناير) 2025، حين ظهر فريق «سواعد الخير» التطوعي وهم يطلون جدران فرع الأمن السياسي ويرسمون عليها شعارات وألواناً زاهية تحت عنوان «نشر الأمل». السماح لهذه المجموعة بالدخول والتصوير لم يكن مجرد تساهل، بل خطوة محسوبة، استُخدمت لاحقاً كذريعة لمنع الجهات الصحفية ومنظمات التوثيق من الوصول إلى تلك المواقع، غير أن ما تبيّن لاحقاً هو أن هذا المنع لم يكن لحماية الأدلة، بل لإتاحة الوقت الكافي لإعادة ترميم السجون وتغيير معالمها بهدوء، ثم إعادة استخدامها كمقار أمنية جديدة أو كسجون.

بهذا، تحوّل الفعل الدعائي إلى أداة سياسية لضرب مصداقية التوثيق المستقل عبر احتكار الصورة والذاكرة. فالسياسة الإعلامية للسلطات الحالية، تمنع التوثيق الجدي وتشجّع النشر غير المسؤول، ما أوجد بيئة من الفوضى المعلوماتية، بات فيها تداول أسماء الضحايا والجناة يتم دون ضمانات، ودون حماية للسلم الأهلي أو لمشاعر العائلات. ومع الوقت، باتت هذه الفوضى تخدم هدفاً أعمق: نزع الشرعية عن جهود التوثيق المستقلة، وخلق انطباع بأن لا جهة مؤهلة للحقيقة إلا السلطة ومؤسساتها.

عند العودة للبيان، نستعرض تناقضاته وبنيته العاجزة. فهو يبدأ بالتحذير من الوثائق المنشورة، ويُعلن أنها «غير رسمية» و«غير دقيقة»، لكنه لا يشرح لماذا لم تقدّم الهيئة نفسها هذه المعلومات، بطريقة حساسة وأخلاقية للشعب السوري؟ ولا لماذا تُركت العائلات عاماً كاملاً في الفراغ، مع أنها الجهة التي تأسست لهذا الغرض، أي البحث في مصائر المفقودين والمختفين قسراً، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لهم.

يُفترض أن الهيئة الوطنية للمفقودين تتمتع بصلاحيات كاملة للوصول إلى السجلات والوثائق ذات الصلة، ومع ذلك، لم تُعلن خلال نصف عام من عملها عن خطة واضحة لكشف المصائر، ولا عن أي آلية للحصول على أرشيف أجهزة الأمن السابقة أو الوصول إلى سجلات داعش أو قسد أو جبهة النصرة، وهي الجهات التي تتحمل المسؤولية عن الجزء الأكبر من حالات الإخفاء في سوريا.

السؤال الأهم هنا، أين هو أرشيف النظام السابق؟ هذا الأرشيف الضخم الذي يُوثِّق كل شيء بدقة بيروقراطية مرعبة، من أوامر الاعتقال، إلى محاضر التحقيق، وأوامر الإعدام. من يملكه اليوم؟ هل هو بيد هيئة المفقودين وحدها؟ أم تتشاركه مع وزارة الداخلية؟ أم ما تزال بعض أجزائه في قبضة يد الأجهزة الأمنية التي ورثت البنية السابقة، ليُستخدَم اليوم لغايات أمنية؟ ولتُقرِّر ما يُفتح منه وما يُحجب؟

شاهَدَ كُثُر، وشاهدتُ بنفسي، آلاف الوثائق التي تمت مصادرتها من مقار تنظيم داعش، كجزء من أرشيف فرع فلسطين وفروع أمنية أخرى. ما هو مصير هذه الوثائق الآن؟ من يحتفظ بها اليوم؟ وهل سيتم تحليلها والاستفادة منها في معرفة مصير المختفين السوريين في سجون داعش؟ أم أنها ستستخدم فقط في سياقات أمنية داخلية، بلا أي بُعد حقوقي أو إنساني؟

النقطة الأولى في البيان تتعلق بتجريم نشر الوثائق، لكن السؤال البديهي هو: لماذا ظهرت هذه الوثائق أصلاً؟ السبب هو غياب الهيئة نفسها. نحن، وغيرنا من العاملين في التوثيق، لم نسمع حتى اليوم عن أي منصة تشغيلية للهيئة، ولا عن قاعدة بيانات، ولا عن لجان تحقيق، ولا عن أي حالة واحدة تم إبلاغ عائلتها بمصير أحد أحبّتها. كيف تطلب الهيئة احتكار المعلومات وهي لم تقدّم معلومات؟ أو تقدم خطة واضحة للعائلات؟ وكيف تطلب من العائلات أن تثق بها من دون نتائج أو شفافية؟

النقطة الثانية في البيان تتعلق بتحذير العائلات من «أي جهة غير رسمية». وهذا تحوّل خطير، لأنه يحوّل الهيئة من جهة يُفترض أنها شريك للمجتمع المدني إلى جهة تضع نفسها فوقه. هل لدى الهيئة حقاً خطة لإشراك المجتمع المدني؟

النقطة الثالثة، وهي الأخطر. تتعلق بما تجاهله البيان تماماً: تدمير الأدلة وإعادة استخدام السجون التي كانت مسارح جرائم خلال عقود حكم النظام. منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، شهدت سوريا عمليات واسعة لإعادة طلاء السجون، وتغيير بنيتها، وتحوير الأبنية قبل توثيقها، بما في ذلك سجن المخابرات العسكرية في حلب، وفرع الأمن السياسي في الميسات، والفيحاء، أو سجون شعبة المخابرات العسكرية في دمشق، مثل سجن الفرع 215 والفرع 248، وعدد كبير من سجون الفروع الأمنية الأخرى التي أُعيد استخدامها كمقرات جديدة. كل هذا حصل في الوقت ذاته الذي كانت تُعلن فيه الهيئة عن نيتها بناء «بنك معلومات»، من دون أن تصدر بياناً واحداً يستنكر تدمير الأدلة، أو يُطالب بإيقاف تغيير السجون، أو يطلب تجميد ذلك لحين المسح الجنائي. حماية مسارح الجريمة هي أبسط مبادئ العدالة الانتقالية، وهي مهمة الهيئة وفق تعريفها القانوني، ومع ذلك صمتت. هذا الصمت ليس تفصيلاً، بل هو انتهاك بحد ذاته، لأن طمس الأدلة جريمة مستقلة، وتركها يحصل تحت سمع الهيئة وبصرها يعني أنها فشلت في أول واجباتها: منع ضياع الحقيقة.

النقطة الرابعة في البيان هي الوعد بمنصات جديدة وخدمات مستقبلية. لكن هذه الوعود بلا جدول زمني، بلا خطة، بلا رؤية. هل ستكشف الهيئة المصائر خلال سنة؟ عشر سنوات؟ هل ستُطلع العائلات على سيْر الملف؟ هل ستُصدر تقارير دورية؟ هل ستُعلن المعايير؟ لم يُذكر شيء. السؤال الذي تتهرب منه الهيئة هو: ما هي خطتها الفعلية؟ وما هي المراحل؟ وكيف ستتواصل مع العائلات؟ باعتبارها هيئة مُكلّفة رسمياً، عليها واجب تقديم استراتيجية وطنية واضحة. لكن الواقع هو أننا لم نسمع عنها شيئاً.

النقطة الخامسة هي جوهر النقد: الهيئة تريد احتكار الملف لكنها لا تملك القدرة، وتطلب الثقة لكنها لا تقدم شفافية، وتصمت على تدمير الأدلة ثم تطالب جهات المجتمع المدني والإعلام والباحثين بعدم التوثيق أو النشر. هذه المفارقة هي أساس المشكلة. إن البيان، بدل أن يكون خطوة نحو الحقيقة، أصبح خطوة نحو السيطرة على الحقيقة، وفرض رواية واحدة، وإسكات كل رواية أخرى، في وقت لم تُنجز فيه الهيئة أي خطوة عملية حقيقية.

وبتحليل منطقي وقانوني، فإن الهيئة تتحمل اليوم مسؤولية مزدوجة: مسؤولية فشلها في وضع خطة، ومسؤولية صمتها على طمس الأدلة. وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تريد الهيئة أن تكون أداة وطنية للعدالة وكشف الحقيقة؟ أم أداة رسمية لإدارة الملف من دون كشف الحقيقة؟ هذا سؤال يجب أن يُطرح، ويجب أن يُجاب عليه قبل أن تضيع سنة أخرى من حياة العائلات التي تنتظر وتنشر إعلانات وفاة للأحباب، من دون أي دليل، بسبب اليأس من الحصول على إجابات حقيقية.

تبدو العلاقة بين المجتمع والهيئات التي تُقدّم نفسها باعتبارها ممثّلة للمصلحة العامة، مسألة لم تحسم بعد في المشهد السوري. فقد قُدِّمت «الهيئة الوطنية للمفقودين» بوصفها مؤسسة وطنية «مستقلة»، إلا أنها تكاد أن تكون خاضعة إدارياً لوزارة الخارجية السورية، وهو ما يُثير أسئلة جوهرية حول استقلالها الفعلي عن الوزارة المضيفة. فالاستقلال لا يتحقق بمرسوم فقط، بل يُثبَت من خلال الحوكمة الشفّافة، والتقارير العلنية، واتخاذ القرارات بشكل تشاركي، وبناء منظومة مؤسسية تمنع أي تدخل سياسي أو تنفيذي في عمل الهيئة.

أيضاً، هل توجد دلائل على شراكة حقيقية ومنظمة مع المجتمع المدني، تقوم على تبادل المعلومات، والتخطيط المشترك، والرقابة المشتركة على ملف المفقودين؟ حتى الآن لم يظهر أي نموذج من هذا النوع، ولا أي إطار يوضح كيف سيتم إشراك المجتمع المدني الذي عمل على هذا الملف أكثر من عقد كامل. أخبار كثيرة عن مذكرات تفاهم مع عدد من المؤسسات، دون تفاصيل أو خطط واضحة. وهنا تتحول الهيئة إلى مؤسسة حكومية أخرى تعمل بلا شفافية أو مساءلة في ملف مصيري بهذا الحجم.

هذا الواقع يستدعي إعادة قراءة ما حدث خلال عام، خصوصاً في اللحظة التي انهار فيها النظام واعتقد كثيرون أن أبواب الحقيقة ستُفتح للمرة الأولى منذ عقود.

لا بد من تذكير الجميع أن نظام الأسد كان نظاماً بيروقراطياً صارماً. كل جريمة تقريباً، وكل حالة اعتقال، وكل عملية إعدام، تم توثيقها. لم يكن القتل يتم في العتمة فحسب، بل كان يُكتب ويُحفظ وينتقل بين الإدارات. من مباني الفروع الأمنية، إلى القيادات المركزية، إلى مكاتب الأمن القومي والمخابرات العسكرية، وصولاً إلى الشرطة العسكرية والمستشفيات العسكرية، توجد ملايين الوثائق، التي يُمكن، إذا فُتحت، أن تكشف مصير آلاف المفقودين، وأن تشرح كيف صُمّم هذا النظام، وكيف أخفى، وقتل، ومزّق حياة أجيال من السوريين.

هذا الأرشيف يحتوي على سياقات كاملة لفهم الجرائم، وأنماط التصفية، ومراكز القرار، وشبكة الأوامر. هو مفتاح الحقيقة الوطنية. لكن ما يُقلق، هو أن الحديث عن هذه الوثائق اليوم لا يأتي في إطار خطة وطنية أو نقاش عام أو قانون شفاف. إنما يقبع في ظلِّ صمت تام، وانعدام لأي تصور مؤسسي يضمن حماية هذه المواد أو كشفها في المستقبل. بل إن ما نراه، في بعض المناطق، هو إعادة إحكام القبضة على تلك الأرشيفات، أو تدميرها، أو استخدامها في صفقات سياسية.

لا يمكن الإجابة اليوم عن مصير هذه الوثائق، هل ستتحول إلى ركن من أركان العدالة الانتقالية؟ أم إلى أداة أخرى من أدوات السيطرة والابتزاز؟ وهل سيُتاح للشعب السوري، يوماً ما، أن يقرأ تاريخه بأوراقه الأصلية؟ أم سيبقى رهينة روايات مبتورة، وذاكرة خاضعة لسلطة لا تريد للحقيقة أن تظهر؟

تُقدم التجارب العالمية مساراً مختلفاً مبنياً على المساءلة الديمقراطية وحق الشعوب في المعرفة. ففي ألمانيا مثلاً، وبعد توحيد البلاد عام 1990، تم فتح أرشيف جهاز أمن ألمانيا الشرقية (الشتازي) ابتداءً من عام 1992،  تمكن المواطنون من الوصول إلى ملفاتهم الشخصية، وتمكن الباحثون والصحفيون والضحايا من فهم بنية الانتهاكات السابقة. واعتمدت دول عديدة في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية سياسات مماثلة، حيث اعتُبرت أرشيفات أجهزة الأمن السابقة تراثاً وطنياً، وليست ملكية للسلطات الجديدة. إن الوصول إلى المعلومات وحفظ وثائق الدولة ليس ترفاً، بل ركناً أساسياً من أركان العدالة الانتقالية وحق أصيل للشعب السوري. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف تنوي السلطات الحالية – ومنها الهيئة الوطنية للمفقودين – التعامل مع هذا الملف. هل ستُحفظ الوثائق؟ هل ستُتاح؟ هل ستعرف العائلات أخيراً الحقيقة عن أبنائها المختفين؟ أم سيُعاد إنتاج النموذج القديم نفسه، وتتحول الأرشيفات إلى أداة جديدة للسرية والسيطرة؟ إن مستقبل هذه الوثائق ليس قضية تقنيّة، بل هو مؤشر على الاتجاه الذي تتجه إليه سوريا: نحو الحقيقة والعدالة، أم نحو حقبة جديدة من الإخفاء والاحتكار.

رأيت في سقوط نظام الأسد لحظة أمل حقيقية، اعتقدت وكثيرون، أن الحقيقة ستظهر أخيراً. لكن بعد عام كامل، ما نزال لا نعرف شيئاً.

في الأسابيع التي تلت سقوط النظام، عدت إلى الأماكن التي سجنت فيها سابقاً، لأكتشف مصائب. ذهبت إلى فرع الخطيب في دمشق (الفرع 251) التابع لأمن الدولة، حيث كنت معتقلاً في آذار (مارس) 2011، ورأيت بأم عيني محتجزين داخل الزنازين نفسها التي قضيت فيها أياماً مريرة.

لاحقاً، توجهت إلى سجن أمن الدولة في كفرسوسة، حيث اعتُقلت في عام 2011، وحيث اعتُقل والدي عام 2012. حاولت الدخول، لكن الحراس الجدد منعوني، وقالوا بوضوح إن الفرع عاد للعمل كسجن وإنه يضم معتقلين جدد. ممنوع التصوير. أمام هذا المبنى، وقفت عائلات تنتظر خبراً عن أحبّائها، تماماً كما كانت عائلتي تقف في المكان نفسه قبل سنوات. النظام سقط، لكن القهر لم يسقط معه.

في سجن الفرع 215 التابع لشعبة المخابرات العسكرية، داخل المربع الأمني في كفرسوسة، شاهدت المكان يُرمم ويُعدّ لإعادة استخدامه. الجدران التي كانت مليئة بأسماء المعتقلين والضحايا طُليت بالدهان.

أمّا في فرع الأمن السياسي في ساحة الميسات بدمشق، رأيت الحراس الجدد يُلقون آلاف الوثائق من النوافذ لإتلافها. وعندما سألتهم عن السبب، قالوا إنها «تقارير قديمة كتبها الناس عن بعضهم»، وأضاف أحدهم: «ما بدنا مشاكل». قلت لهم إنني أبحث عن معلومات عن أخي المفقود، ربما كانت إحدى هذه الأوراق تحمل اسمه، فردّ علي أحدهم: «أخوك مات، امشِ من هون».

تتكلم هذه الوقائع عن نفسها. من يملك سلطة إعادة تشغيل السجون، وإتلاف الوثائق، وطلاء الجدران، يملك سلطة إعادة إنتاج الجريمة.

علّمني ملف المختطفين في سجون داعش درساً مؤلماً، أن كل الجهات التي حكمت وسيطرت على أجزاء من سوريا لم تُظهر يوماً أي اهتمام حقيقي بمصير السوريين المختفين. رأينا صحفيين أجانب وغير سوريين يُكشف مصيرهم أو يُنقذون، بينما السوريون، دائماً، في آخر القائمة، مهمّشون، منسيّون، حتى في قبورهم.

أقول هذا من موقع شخصي وعملي، ليس فقط كأخ لمفقود في سجون التنظيم، بل أيضاً كمؤسّس لمشروع «متحف سجون داعش»، الذي عملت فيه لسنوات على توثيق شهادات الناجين والناجيات، وجمع الأدلة، ومحاولة رسم خريطة للسجون والمعتقلين والمفقودين. التقيت مئات العائلات، وأمضيت شهوراً في البحث والتوثيق والتأريخ. أعرف حجم الألم، والتجاهل، والخذلان، لأنني كنت داخله، وكنت شاهداً عليه.

ضمن هذا السياق، شكّلت الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، على سبيل المثال، في شباط (فبراير) 2024 «اللجنة المعنية بالمفقودين» استجابة لقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبقته لجان أخرى أُعلن عنها في السنوات الماضية، دون أن يظهر أي أثر ملموس لها. لم تُكشف مصائر المفقودين، ولا ظهرت نتائج تحقيقات، ولا تم إشراك العائلات.

الأمر لا يقتصر على المبادرات المحلية. ففي عام 2017، أنشأت الأمم المتحدة فريق التحقيق لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب تنظيم داعش، المعروف اختصاراً بـ «يونيتاد» (UNITAD)، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2379. كان الهدف المُعلن من تأسيس الفريق هو دعم الجهود الوطنية والدولية في جمع الأدلة حول جرائم التنظيم، وعلى رأسها الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وتقديمها لمحاكمات عادلة.

تجربة «يونيتاد»، تمثّل نموذجاً إضافياً للفشل الدولي في التعامل مع الملف. فعلى الرغم من الموارد الكبيرة والاهتمام السياسي، لم يُقدّم الفريق أي نتائج ذات معنى للضحايا أو عائلاتهم، ولم تُستخدم الوثائق التي جمعها في أي عملية عدالة فعلية حتى الآن.

هاتان التجربتان توضحان بجلاء أنه لا يمكن الاعتماد الحصري على المؤسسات الحكومية أو الدولية، وحصر الأدلة عندها، ما لم تُبنَ على الشفافية، وتُخضَع للمساءلة، وتُشرِك الضحايا والمجتمع المدني في كل خطوة. إن حصر الأدلة أو الوثائق في أيدي جهات غير شفافة، أو غياب رؤية واضحة، لا يؤدي إلا إلى ضياع الحقيقة مرّة أخرى. لهذا، لا بد من التأكيد على أن العمل المدني المستقل، هو اليوم أكثر من ضروري، ويكاد أن يكون صمّام الأمان الأخير لحماية الذاكرة، والحقوق، والعدالة.

لهذا، حين أقول إن السوريين تُركوا وحدهم، لا أقصد المجاز، بل الواقع. تُركوا وحدهم في البحث عن أحبّتهم، وفي حراسة الذاكرة.

تتكرّس هذه الحقيقة أكثر مع ما كشفته وكالات الأنباء في أيار (مايو)، عن تسليم السلطات السورية أرشيفاً يحتوي على آلاف الوثائق والمتعلقات الشخصية الخاصة بعميل الموساد إيلي كوهين إلى إسرائيل، في مبادرة وُصفت بأنها محاولة لتهدئة التوتر وبناء الثقة مع الولايات المتحدة. لم تتأخر دمشق الجديدة في تسليم الأرشيف، ولم تتردّد في فتح خزائنها لمن يُريد «طمأنة إسرائيل»، بينما لا تزال آلاف العائلات السورية تُمنع من مجرد الوصول إلى سجل، أو ملف، أو وثيقة واحدة عن أبنائها المفقودين. يبدو أن الأرشيف السوري، المحفوظ بدقة منذ ستينيات القرن الماضي، ليس بعيداً عن متناول الأيدي، لكنه يُفتح فقط حين تكون الغاية خارجية، سياسية، أو تفاوضية، لا إنسانية. هكذا يُعامل السوري.

بعد كل ذلك، كيف يُطلب منّا نحن، كعائلات للمفقودين وكمؤسسات مجتمع مدني، أن نثق بهذه السلطات الجديدة، وهيئاتها؟ كيف يُمكن أن نثق بسلطة كانت انتقائية منذ البداية في التعامل مع الأدلة: تحفظ بعض الوثائق، وتتعامى عن حرق غيرها، تُسلّم أرشيفاً تاريخياً لإسرائيل، بينما تمنع الأمهات السوريات من معرفة أي معلومة؟

هذه سياسة ممنهجة في التحكم بالمعلومات، وفرز الذاكرة الوطنية إلى ما يُستخدم تفاوضياً، وما يُداس عليه بلا حساب.

نحن – السوريين – نحمل عبئاً ثقيلاً من علاقة مضطربة، وغير آمنة مع كل ما يُدعى «سلطة» أو «دولة» أو «حكومة»، مهما تغيّر اسمها أو تغيّرت وجوه القائمين عليها. جرّبنا الحكم الأمني، والسلطة المُطلقة، والمؤسسات التي لا يُحاسبها أحد. عشنا تحت نظام قصفنا بالبراميل المتفجرة ما يزيد على عقدٍ زمني، واليوم يُطلب منا، بعد كل ذلك، أن نصمت، أن نتوقف عن السؤال، أن نسلّم مصير أحبّتنا إلى «هيئات» لم تُظهر حتى الآن الحد الأدنى من الشفافية، أو الكفاءة، أو الاستقلالية الفعلية. أن نثق، دون دليل.

نحن لا نرفض التعاون، ولا نستهين بحساسية المرحلة، لكننا نعرف، من التجربة، أن السلطة حين تطلب الصمت، فإنها لا تريد الحقيقة، بل تريد احتكارها. وحين تُقصي المجتمع المدني، فذلك لأنها لا ترى فيه شريكاً، بل خطراً.

لذا، أتوجه بنداء لكل جهة إعلامية، ولكل من ينشر الوثائق أو يحتفظ بها أو يتداولها في العلن أو في السر: رجاءً، فكروا بالأمهات، بالآباء، بالزوجات، وبمن ينتظر منذ سنين. تخيلوا أن من تحبّونه وتنتظرونه منذ عقد من الزمن، يُقال لكم إنه قُتل عبر منشور على فيسبوك. بهذه الطريقة الباردة، المهينة، العاجزة.

المعرفة حق، نعم، لكنها أيضاً مسؤولية. والعدالة لا تتحقق بالعشوائية ولا برد الفعل، بل بالمؤسسات، وبالضمير. ولهذا، أرجو من كل السوريين المعنيين بهذا الملف، أن يتعاونوا لبناء مسار جديد: أرشيف وطني مستقل، عادل، آمن، يُصان بقانون وأخلاق، لا بإملاءات أمنية ولا بهستيريا النشر.

أخيراً، أطلب من الهيئة الوطنية للمفقودين أن تٌعيد النظر في بيانها، وفي دورها. أن تتذكر أن العائلات التي تريد أن تمنع عنها المعرفة اليوم، هي نفسها التي انتُزعت منها الحياة منذ سنوات. وأن الحق في المعرفة لا يُجمّد، ولا يُهدد، ولا يُدار بالحبر الرسمي البارد. بل يُحمى، ويُصان، ويُشارك. ما نطلبه ليس مستحيلاً. هو: الحدّ الأدنى من الإنسانية.

  • .المصدر ..  موقع الجمهورية .نت