يُعتبر المشروع الإيراني في المنطقة العربية واحداً من أبرز المشاريع التي تلقت دعماً غربياً، خاصة من الولايات المتحدة، في سياق محاولة إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. وكان المشروع الإيراني يتسم برؤية استراتيجية تهدف إلى توسيع نفوذها عبر تفعيل قضايا معينة، أبرزها القضية الفلسطينية وتحقيق وحدة الشيعة داخل الدول العربية.
لكن هذا المشروع تعرض لانتكاسات كبيرة، خاصة بعد الهزائم المتتالية التي تكبدتها إيران، من أبرزها الضربة العسكرية التي وجهتها إسرائيل خلال 12 يوماً بتاريخ 13 حزيران 2025. فهذه الضربة أدّت إلى تدخل الولايات المتحدة، التي اجتاحت الوضع بشكل مفاجئ، مما ساهم في إيقاف الحرب ودفع الأطراف المعنية إلى البحث عن تسوية مع إيران، بهدف الحفاظ على نظامها السياسي. هذا التحول لا يعني فقط نهاية أذرع إيران في المنطقة، بل يشير إلى بداية مرحلة جديدة من الصراع مع إسرائيل، تركز على استراتيجيات أخرى غير تلك التي تبناها المشروع الإيراني سابقًا.
المشروع الإيراني ودعمه الغربي
كان المشروع الإيراني في المنطقة مدعومًا في البداية من القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، وذلك في إطار رؤية تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. وقد تمحور هذا المشروع حول قضيتين رئيسيتين: القضية الفلسطينية، وتحقيق التأثير على المكونات الشيعية داخل الدول العربية.
منذ بداية العقد الأول من الألفية الجديدة، وتحديدًا في عام 2001، كانت الإدارة الأميركية تحت قيادة جورج بوش الابن تسعى إلى دعم ما يسمى بـ”الدويلات” على حساب الدول المركزية في المنطقة. وقد كان هذا التوجه يستند إلى فرضية أن “الدويلات الطائفية” ستكون أكثر عرضة للصراع الداخلي والتناحر، مما يعرقل قدرتها على حل القضايا المركزية في المنطقة، وأهمها القضية الفلسطينية. في هذا السياق، سعت الولايات المتحدة إلى تشجيع الصراعات الطائفية والعرقية داخل الدول العربية، بهدف الحد من قدرة هذه الدول على بناء جبهة موحدة تدعم القضية الفلسطينية.
التوجه الأميركي في تعزيز “الدويلات”
في هذه الفترة، كانت السياسة الأميركية تشجع على تعزيز “الدويلات الطائفية” في المنطقة، حيث كان من المتوقع أن تؤدي هذه السياسة إلى إضعاف الهوية القومية للدول العربية، ما يمنعها من التوحد حول القضايا المركزية. في الوقت نفسه، شهدنا تراجعًا في العداء الغربي تجاه إيران، التي استفادت من هذا الوضع لتعزيز نفوذها.
انعكاسات السياسة الأميركية على إيران وإسرائيل
في المقابل، استفادت إيران من هذا التوجه الأميركي، حيث تمكنت من بناء تحالفات قوية مع فصائل شيعية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد كان الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع إدارة أوباما في عام 2015 بمثابة فرصة لإيران للتمدد في المنطقة، وتدعيم قوتها عبر مليشياتها المسلحة، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني.
ورغم الدعم الغربي لمشروع إيران في بعض المراحل، إلا أن التحولات الاستراتيجية في السياسة الأميركية، خاصة بعد وصول ترامب إلى السلطة، أدت إلى تقليص هذا الدعم، مع التركيز على دعم الدول الكبرى في المنطقة. وقد ساهم هذا التحول في إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي ضمن الأبعاد الإقليمية.
التطورات الحالية والتحولات المستقبلية
تزامن هذا التراجع مع الانفتاح التدريجي لدول عربية معتدلة على إسرائيل، خاصة بعد توقيع “الاتفاقيات الإبراهيمية”، التي شكلت تحولًا في التركيبة السياسية للمنطقة. وفي الوقت نفسه، لا يزال الصراع الإقليمي يتخذ منحنيات جديدة، حيث تسعى القوى الكبرى لإعادة تشكيل تحالفاتها بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية.
في نهاية المطاف، فإن فشل المشروع الإيراني في المنطقة يعود إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها الأيديولوجيا والسياسات التي تبنتها إيران، والتي كانت تقوم على تصدير الثورة الإيرانية ومحاربة الهيمنة الغربية في المنطقة، وخاصة من خلال محاربة إسرائيل. وعلى الرغم من الدعم الذي تلقاه هذا المشروع في بعض الأحيان من القوى الغربية، إلا أن الطبيعة الطائفية للمشروع والتمركز حول أجندة إقليمية ضيقة جعلته يواجه تحديات جسيمة. الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرضت لها إيران، وخاصة بعد الهزائم العسكرية التي تلقتها على يد إسرائيل، كشفت هشاشة هذا المشروع، وأدت إلى تراجعه بشكل كبير.
ومع فشل المشروع الإيراني في المنطقة، وبدء انهيار أذرعها المسلحة في عدة دول عربية، بدأ يظهر بوضوح التحول الاستراتيجي في المنطقة. هذا التحول تمثل في بداية مشروع عربي جديد، يتخذ من الصراع مع إسرائيل هدفًا رئيسيًا، لكن بأساليب ووسائل جديدة تختلف عن الأساليب التقليدية التي كانت تعتمد على المواجهات العسكرية المباشرة. هذا المشروع العربي الجديد بات يعتمد بشكل أكبر على الدبلوماسية والاقتصاد والإعلام كأدوات رئيسية لتحقيق أهدافه، وفي مقدمتها السعي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وقد برزت المملكة العربية السعودية في طليعة هذا التحول، حيث أصبحت تقود هذا التوجه العربي الجديد في مواجهة إسرائيل. كانت السعودية، عبر رؤيتها السياسية والدبلوماسية، قد بدأت تتبنى طرقًا مبتكرة لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية، مع التركيز على إيجاد حلول سلمية تتماشى مع تطورات العصر الحديث. ومن خلال تحركات اقتصادية ودبلوماسية على مختلف الأصعدة، خاصة بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم التي شهدت تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل، أكدت المملكة على موقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مسلّطة الضوء على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967، مع ضمان حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
هذا التحول يعكس بداية مرحلة جديدة في المنطقة، مرحلة تكون فيها أدوات الصراع أكثر تنوعًا وتكيفًا مع الواقع الجيوسياسي الجديد. ففي ظل تقارب بعض الدول العربية مع إسرائيل، يصبح الصراع في المستقبل أقل تحديدًا من خلال المواجهات العسكرية المباشرة، وأكثر دقة من خلال المواجهات الاقتصادية والسياسية والإعلامية. ورغم التحديات العديدة التي قد تواجهها المنطقة في المستقبل، إلا أن استعادة القضية الفلسطينية كقضية محورية في السياسات العربية تشير إلى أن الصراع مع إسرائيل في المرحلة القادمة سيأخذ شكلًا جديدًا، ربما يكون أكثر تفاعلًا مع الديناميكيات العالمية وأقل ارتباطًا بالمشاريع الإقليمية الطائفية أو الأيديولوجية التي كانت سائدة في الماضي.
المصدر لبنان الكبير