أرنست خوري..مدير تحرير صحيفة “العربي الجديد”.،
التعويل المبالغ فيه من بعض اللبنانيين على زيارة بابا الكاثوليك لاوون الرابع عشر إلى بلدهم أيام 30 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي و1 و2 من الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول)، علامة استسلام لليأس. استسلام إلى قدرٍ تعيس، ويأس من إمكان هبوط حلّ لا يمكن إلا أن يكون سياسياً، لا روحياً ولا معنوياً ولا دينياً لأوضاعهم، وهو حلّ يعجز الرسميون من اللبنانيين أن يجترحوه، بما أن ردع إسرائيل مستحيل عسكرياً، ولأنّ نزع سلاح حزب الله لا يمكن أن يحصل إلا عبر حرب أهلية أو ربما بسقوط النظام الإيراني. لا الاحتمال الأول يتحمّس له أي طرف وازن من اللبنانيين، ولا السيناريو الثاني يمكن بناء استراتيجيات على أساس حصوله، فهو أيضاً كانتظار غودو. والبائس في الأمر أن المعوّلين على معجزة من زائر يؤمن بالعجائب يدركون أنّ إسرائيل، إن تكرّمت، فإنها ستنتظر مغادرته عصر الثلاثاء المقبل مطار بيروت لتنفذ ما تعلن نيتها تنفيذه منذ أسابيع، أي تصعيد حربها المستمرة على البلد منذ نوفمبر 2024.
في أحسن الأحوال، تبدو زيارة البابا الأميركي ــ البيروفي هدنة لـ72 ساعة. لو تضمن جدول أعماله في لبنان جولة في الجنوب اللبناني المدمّر مثلاً، لكان بإمكان المتفائلين أن يعطوا أبعاداً رمزية ومعنوية شبه سياسية للحدث، كالقول إن الضيف يوجّه رسالة دعم ضمنية أو صريحة للموقف اللبناني الرسمي وتأييد لصمود سكان الجنوب وتضامن معهم. لكن بابا الكاثوليك لن يزور الجنوب، وهو في الأصل مقلّ في التحدّث عن الشرق الأوسط منذ انتخابه في مطلع مايو/ أيار الماضي، وإن أتى على ذكر لبنان وسورية وفلسطين في عظاته ورسائله، بقي في عالم الينبغيات وعموميات السلام والمحبة والمسامحة التي يمكن إسقاطها على أي سياق بلا أي معنى محدّد.
التعويل على الزيارة الرابعة التي يقوم بها بابا كاثوليكي إلى لبنان (بعد توقف بولس السادس في مطار بيروت في طريقه إلى الهند عام 1964 ويوحنا بولس الثاني في 1997 ثم بنديكتوس السادس عشر في 2012) بدل عن ضائع سياسي. فالولايات المتحدة تخلت عن تفاؤلها برئاسة جوزاف عون وحكومة نواف سلام، وكان إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل واشنطن سابقة شديدة التعبير في هذا السياق. موقف الفرجة العربي صار مضرب مثل منذ إبادة غزّة. أوروبا كأنها قرّرت الاستقالة من أي دور في المنطقة لعدم إغاظة دونالد ترامب ولمنع احتمال التعرّض لمزيد من الإهانات الإسرائيلية والاتهامات بمعاداة السامية إن انتقدت احتلالاً أو قصفاً أو مجزرة، وتفرّغت للحد من الخسارة في أوكرانيا وللتحصّن حربياً ضد روسيا ولانتظار هجوم أميركي على فنزويلا ولمقارعة إيران في الملف النووي.
لا حاجة لمهارات تحليلية ولا لتنبؤ ولا لمعلومات موثوقة وأسرار آلهة لكي يدرك متابع لمجرى الأحداث اللبنانية أنه بعد مغادرة لاوون الرابع عشر مطار بيروت الثلاثاء المقبل، لبنان مرشّح ليتلقى جرعة زائدة من القصف والاحتلال والتدمير في عملية حربية، يقول الإعلام العبري إنها ستدوم أياماً، وسيتخلّلها اجتياح برّي لتوسيع المنطقة المحتلة على طول الشريط الحدودي، وتكثيف للقصف في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت وربما العاصمة نفسها، وإن ردّ حزب الله بما يهدّد مستوطنات الشمال ومدنه وقراه، وسّعت إسرائيل مروحة التدمير إلى مستويات غير مسبوقة. وإن لم يردّ، تخبرنا إسرائيل أنها حققت أهدافها من الحملة الحربية، وأنها ستبقي احتلال المناطق اللبنانية التي قضمتها، وأنها ستواصل القصف والاجتياح متى أرادت وكيفما رغبت.
في هذا الوقت، يصلّي مؤمنون خلف حَبرهم الأعظم، ويلوم حزب الله الدولة اللبنانية ويخوّن غالبية اللبنانيين ممن يريدون الخلاص من سلاحه بقدر رغبتهم بالخلاص من إجرام إسرائيل، ويطمئننا الحرس الثوري الإيراني إلى أن اغتيال قائد جيش حزب الله هيثم علي طبطبائي “لا يعبّر عن قوة العدو، بل يكشف ضعفه وعجزه أمام إرادة شعوب المنطقة ومحور المقاومة الذي أوصله إلى طريق مسدود”.
كلام يحتاج فعلاً معجزة لفهمه.
المصدر العربي الجديد