في أحد أيام عام 2024، وفي قاعة كنيسة قديمة في حيِّ نويكولن في برلين، عزف طلاب وطالبات مبتدئون، عرب وأجانب، للمرة الأولى أمام جمهور صغير اقتصر على أصدقاء دعوهم إلى الحفلة. خارج القاعة، كانت الحياة في الحي تمضي كعادتها، بلغات متعدِّدة وروائح مطابخ متداخلة، بينما في الداخل كانت أصوات العود والإيقاع والكمان والقانون ترتدُّ بخفة تحت السقف العالي وتنعكس على الجدران الحجرية. جلس عدد قليل من الحضور على الأرض، وبدا المشهد أشبه بجلسة عربية (مدّة عربية) وُضِعت مؤقتاً داخل فضاء أوروبي، في مدينة اعتادت هذا النوع من التداخل حتى لم يَعُد يثير الانتباه.

لم يكن المكان مكتظاً، بل بدا أقرب إلى لقاء حميمي صغير، لكن ذلك لم يُخفّف من التوتر الذي كان واضحاً على وجوه الطلاب الواقفين في المقدمة.

كانت الحفلة عبارة عن عزف عود وإيقاع مع مرافقة كمان وقانون. حمل بعض الطلاب آلاتهم بحذر، كأنهم يخشون أن تخونهم أيديهم في أيِّ لحظة، فقد كانت هذه المرة الأولى التي يعزفون فيها أمام جمهور، وهم ما زالوا في بداية طريقهم، يتلمسون الإيقاع والأوتار خطوة خطوة. تبادلوا نظرات سريعة فيما بينهم، وابتسامات خجولة، وأنفاساً مُتقطّعة تحاول أن تستقرَّ قبل البداية.

بينهم، وقفت إليسا (37 عاماً)، مُمسكة بالدربوكة، تشدُّ عليها قليلاً أكثر مما ينبغي. كانت تشعر بأن جميع العيون موجَّهة نحوها، رغم أن الحضور لم يكن كبيراً، فبالنسبة لها، لم يكن العدد هو ما يُربِكها، بل مجرد الوقوف أمام أشخاص لا تعرفهم. تقول إنها تخجل بسهولة، وكان ذلك واضحاً في الطريقة التي تجنّبت بها النظر مباشرة إلى الجمهور، مركّزة بصرها على يديها، كأنها تبحث فيهما عن بعض الطمأنينة.

عندما أُعطيت الإشارة للبدء، خيّم صمت قصير وثقيل، قبل أن يُكسَر بأول ضربة إيقاع. في تلك اللحظة، لم يعد هناك مجال للتردّد؛ إمّا أن يستمروا أو يتوقف كل شيء. وكما قالت إليسا لاحقاً، في تلك الحفلة، كانت «تموت من الداخل» مع كل ضربة إيقاع على دربوكتها خوفاً من ارتكاب الأخطاء كعازفة مبتدئة، تعزف للمرة الأولى في حياتها أمام غرباء.

فكرة صعود طلاب مبتدئين على المسرح لم تأتِ مصادفةً. فخلفها يقف أستاذ العود في المدرسة، غيث الشعار (38 عاماً)، الذي بدأ تعلُّم العود في سن العاشرة، ويعمل في تدريس هذه الآلة في برلين منذ عام 2014. كما درس في المعهد العالي للموسيقى في سوريا، ثم أنهى ماجستير في العلوم الموسيقية في برلين. يرى الشعار في هذه التجربة جزءاً أساسياً من مسار التعلّم. وبالنسبة إليه، لا يكتمل تعلّم الموسيقى داخل الصفوف فقط، بل حين يُختبر أمام الآخرين، خاصة أنه مرّ بهذه التجربة في سوريا عندما شارك في حفلات للمبتدئين والطلاب. كما يرى أن الثقافة العربية ليست مُمثَّلة بشكل كافٍ في بلد كألمانيا يقطنه أكثر من 3 ملايين شخص من أصول عربية، لذا تُشكّل هذه الحفلات مساهمة، ولو بسيطة، في تعزيز حضور هذه الثقافة عبر موسيقى شرقية خالصة، وأيضاً يقول الشعار إنّ البروفات التي تسبق كل حفلة لا تقتصر على التدرّب على عزف المقطوعات الموسيقية والأغاني معاً، بل تُتيح للطلاب في كل بروفة التعرّف على أساليب عزف بعضهم بعضاً وتبادل الخبرات، كما تُسهم في خلق جو اجتماعي من خلال الأحاديث الجانبية عن آلاتهم الموسيقية ومنشئها والمقطوعات التي يعزفونها.

لكن ما يحدث هنا لا يقتصر على تدريب موسيقي وبروفات وحفلات. في قاعات مدرسة كلمن تنتقل تفاصيل يصعب قياسها: خبرات وذاكرة وأصوات عبرت الحدود مع أصحابها إلى مكان جديد وإلى أشخاص ينتمون إلى ثقافات مختلفة. كثير من الأساتذة الذين يدرّسون في هذه المدرسة في برلين وصلوا مهاجرين قبل سنوات، حاملين آلاتهم وما تبقّى من حياتهم هناك. بين درس وآخر، يُنقل إيقاع من دمشق، أو أغنية لفيروز من بيروت، أو لأم كلثوم أو محمد عبد الوهاب من القاهرة، وحتى شارات مسلسلات سورية، لا يعرف عنها الطلاب الأجانب شيئاً سوى الإحساس بإيقاعاتها وأصواتها التي تُعزَف للمرة الأولى في قاعات حفلات وبارات برلين.

تأسست هذه المدرسة عام 2018 في حيّ نويكولن، على يد شابين سوريين هما غطفان محمود وميرفت عدوان، كمبادرة صغيرة لتعليم اللغة العربية للصغار والكبار. كان محمود يُدرّس اللغة العربية الفصحى في الجامعة التقنية في برلين، ولاحظ إقبال الطلاب الأجانب على دورات العربية وحبهم لهذه اللغة، إضافة إلى وجود عدد كبير من الجالية العربية في برلين التي قد ترغب في تعليم أبنائها المولودين في ألمانيا لغتهم الأم. في البداية، اقتصر النشاط على دورات اللغة وورشات الخط العربي ودروس العود، قبل أن يبدأ المشروع بالتوسع تدريجياً، مدفوعاً باهتمام متزايد من طلاب يبحثون عن أكثر من مجرد تعلّم لغة.

مع الوقت، تحوّلت المدرسة إلى مساحة تجمع بين اللغة والموسيقى والثقافة، فأُضيفت ورشات الإيقاع الشرقي والعزف على الناي، ولاحقاً دروس الرقص الشرقي والدبكة. كما أصبح تدريس اللغة العربية فيها بعيداً عن الأسلوب الكلاسيكي، إذ بدأت بتعليم لهجات عربية مختلفة، منها السورية والمصرية والفلسطينية. ومؤخراً، فتحت أبوابها أيضاً لتجارب موسيقية معاصرة، من بينها ورشة في موسيقى الإيندي مع الموسيقي محمد عبدالله، أحد مؤسسي فرقة «المربّع» عام 2009، في محاولة لربط التراث واللغة العربية بأنماط موسيقية حديثة.

من اللغة العربية إلى الإيقاع الشرقي

بالنسبة إلى إليسا، لم تبدأ الحكاية مع الموسيقى، بل مع اللغة. في عام 2018، قرّرت، بدافع الفضول، أن تتعلّم العربية. كانت تبحث عن شيء بعيد تماماً عن الألمانية والإيطالية، لغتيها الأم، ووجدت في العربية ما يجذبها حتى قبل أن تفهمها: شكل الحروف وإيقاع النطق. لكن هذا الفضول لم ينشأ من فراغ. في برلين، حيث تتجاور اللغات في الشارع نفسه، وتظهر العربية على لافتات المحلات بقدر ما تُسمع في الأحاديث اليومية، بدا قرار تعلمها أقل غرابة ممّا قد يكون عليه في مدينة أخرى. درست الأدب الإسباني والإيطالي، وكانت تميل دائماً إلى اللغات، لكنها أدركت منذ البداية أن العربية ستكون تحدياً مختلفاً، ليس فقط لصعوبتها، بل لأنها تفتح باباً على عالم تعيش ملامحه حولها يومياً دون أن تكون جزءاً منه بعد.

لم تكن تجربتها الأولى مشجعة. فبعد ثلاثة أشهر من دورة في مدرسة عربية في برلين لم تُقنعها، تقلص عدد الطلاب في صفها من أربعة عشر إلى اثنين فقط. تضحك وهي تتذكر: «كل ما تعلّمته في ذلك الكورس هو: أنا اسمي إليسا». في تلك اللحظة، بدا لها أن الفكرة كلها مستحيلة.

ثم جاءت جائحة كورونا. في عام 2020، خسر أكثر من مليون شخص في ألمانيا وظائفهم، وكانت إليسا واحدة منهم، إذ فقدت عملها في معهد للّغات في برلين، حيث كانت تنظّم نشاطات ورحلات للطلاب، وهو عمل أحبته كثيراً لأنها لم تكن تميل إلى البقاء في المنزل. ومع إلغاء كل شيء، وجدت نفسها فجأة في فراغ ثقيل. لكن الأمر لم يطل قبل أن تبدأ البحث من جديد عن شيء يملأ هذا الفراغ، فعادت إلى العربية، هذه المرة عبر دروس خاصة على الإنترنت مرتين في الأسبوع.

لكن التحوّل الحقيقي نحو اهتمامها بالإيقاعات الشرقية جاء مصادفة. ففي عيد ميلادها، أهدتها شقيقتها درساً لتعلُّم الدربوكة، مدفوعة بمعرفتها بحب إليسا لتجربة أشياء جديدة واهتمامها بالثقافات الشرقية. لم تتوقَّع إليسا الكثير، لكنها فوجئت منذ الضربة الأولى على الدربوكة بحجم المتعة التي شعرت بها. كان في العلاقة مع الإيقاع شيء مباشر، يكاد يكون جسدياً، لا يشبه تعلم اللغة.

استمرت لمدة عام تتلقى دروساً خاصة، ومع انحسار الجائحة عادت رغبتها في التعلّم ضمن مجموعة. وعبر منشور على إنستغرام في عام 2024، صادفت إعلاناً لورشة «إيقاع شرقي» في مدرسة كلمن التي تُعنى بتعليم العربية والموسيقى الشرقية. ذهبت بدافع الفضول وبقيت حتى اليوم.

بدأت في الورشة الأولى بتعلّم الدفّ، لكنها فضّلت الاستمرار في تعلم الدربوكة، لأنها وجدت صعوبة في التركيز على آلتين في آن واحد. كما شعرت أن إيقاع الدف أبطأ وصوته أخفض، ولم يلامسها العزف عليه كما فعلت الدربوكة. وبالتوازي، سجّلت أيضاً في دورة لتعلم اللغة العربية في المدرسة نفسها، لما لمسته من بيئة ودّية وطريقة جديدة في التعليم كسرت جمود الفصحى عبر إدخال لهجات محكية.

وبعد فترة قصيرة من تعلّمها الإيقاع، تزامن ذلك مع دورة لتعليم العود. سمعت أنهم سيعزفون معاً أمام جمهور، وشعرت بخوف شديد، بسبب طبيعتها الخجولة، ولأن هدفها لم يكن الظهور أمام الناس، بل مجرد تعلم أمور جديدة تُحبّها، على عكس بعض الطلاب الذين كانت تحسدهم على شجاعتهم. ورغم أن الفكرة بدت لها مخيفة، فإنها، مع مرور الوقت ومشاركتها في عدة حفلات، بدأت تشعر براحة أكبر وتوتر أقل، ولاحظت التقدم الذي تُحرِزه مع كل حفلة. كما شعرت بدعم الجمهور في كل مرة، خاصة مع ازدياد أعداد الحضور، وأصبحت تستمد ثقتها من هذا الدعم ومن روح التعاون بين الطلاب والأساتذة. وتقول مبتسمة: «الفكرة كلها بدأت كتشجيع للطلاب وجزء من مسيرة التعلّم، والآن أصبحت حفلة مدرسة كلمن حدثاً يُقام بشكل دوري في أماكن مختلفة في برلين كل بضعة أشهر».

وفي أحدث هذه الحفلات، أقامت المدرسة في 31 أيار (مايو) 2026 أمسية موسيقية، داخل بار تركي في برلين، شهدت حضوراً أكبر مقارنة بالحفلات السابقة. وتنوّعت خلال الأمسية الأغاني والمقطوعات الموسيقية القادمة من بلدان عربية مختلفة، جمعت بين عزف شرقي وأغانٍ معروفة تفاعل معها الحضور، في استمرار لتحوّل هذه التجربة من نشاط تعليمي صغير إلى حفلة دورية تستقطب جمهوراً متزايداً.

بالنسبة لإليسا، أصبحت هذه الحفلات والبروفات جزءاً من روتين حياتها، وأصبحت الدربوكة جزءاً من هويتها. في كل أسبوع تنتظر بحماس الذهاب إلى المدرسة للقاء الأساتذة والزملاء والتدرّب معهم على مقطوعات موسيقية وأغانٍ جديدة للحفلة القادمة، وتستمتع بلقاء طلاب العود خلال البروفات وما تحمله تلك اللقاءات من تبادل للخبرات والأحاديث الشيّقة عن الموسيقى. وتقول: «نحن في صفنا لسنا مجرد أشخاص يحبون البقاء في المنزل ومشاهدة نتفلكس، بل نحب دائماً القيام بنشاطات خارج المنزل. وأخاف أحياناً أن يُلغى صفنا في كلمن لأن عددنا الآن أربعة أشخاص فقط، وأستاذنا يأتي من مدينة لايبزغ ليُدرسنا، لكنني في الوقت نفسه متحمسة دائماً لما تقدمه هذه المدرسة من أشياء جديدة».

أمّا الشعار، فيرى أن التحدي الأكبر أمام استمرار هذه الحفلات يبقى مادياً، خصوصاً أن حضورها مجاني حتى الآن. كما يرى أن الحصول على تمويل لحفلات شرقية خالصة أمر صعب في بلد كألمانيا، حيث تُعد الثقافة العربية ثقافة فرعية نسبياً، رغم حضورها الواضح في برلين. ويُشير إلى أن معظم التمويل يذهب إلى مشاريع موسيقية «فيوجن»، تمزج بين الشرقي والغربي. وهناك تحدٍ آخر يتمثّل في إيجاد أماكن مناسبة، إذ تسبق كل حفلة عملية بحث طويلة عن مواقع مجانية لاستضافتهم.

في النهاية، قد تبدو هذه الحفلات صغيرة من حيث الحجم والحضور، لكنها تُمثّل خطوة أساسية في مسار الطلاب الذين يخوضون تجربتهم الأولى على المسرح. فالأمر، بالنسبة لهم، لا يقتصر على تعلّم العزف، بل أيضاً اختبار أنفسهم أمام الجمهور واكتساب الثقة.

تعكس هذه التجارب دور مبادرات تعليمية وثقافية في خلق مساحات بديلة للتعلم والتعبير، تجمع طلاباً من خلفيات مختلفة حول اهتمام مشترك بالموسيقى واللغة. وفي مدينة مثل برلين، حيث يتقاطع التنوع الثقافي مع الحياة اليومية، تبرز هذه الحفلات كأحد أشكال الحضور المستمر للثقافة العربية، حتى وإن بقي ضمن نطاق محدود.

ورغم التحديات، خصوصاً على المستوى المادي وصعوبة الحصول على تمويل، يواصل القائمون على هذه المبادرات العمل للحفاظ على استمراريتها. وبين محاولات فردية وجهود جماعية، تبقى هذه الحفلات مساحة للتجربة والتعلم، وفرصة لنقل الموسيقى العربية إلى جمهور أوسع، خطوة بخطوة. كما تؤكد أن تعلم الموسيقى لا يقتصر على عمر محدد، بل يمكن للجميع خوض هذه التجربة، كما يقول الشعار: «يظنُّ البعض أنهم غير موهوبين أو أن الوقت قد فات، وهذا غير صحيح؛ فالجميع يستطيع تعلّم الموسيقى، العمر قد يجعل التقدم أبطأ قليلاً، لكنه لا يمنعه».