ساد الهدوء، أمس الأربعاء، مدن محافظتي اللاذقية وطرطوس في الساحل السوري وأريافها، ومناطق في ريف حماة الغربي وسهل الغاب، والتي شهدت أول من أمس، تظاهرات في ساحات ونقاط تجمع رئيسية، تطالب بشكل رئيسي بالإفراج عن الموقوفين الذين جرى اعتقالهم بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ووقف القتل وظاهرة السلاح المنفلت. كما رفعت التظاهرات في الساحل السوري وريف حماة، التي جاءت استجابة لدعوة أطلقها الشيخ غزال غزال، رئيس ما يعرف بـ”المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر”، شعارات تطالب باللامركزية بما هي نظام حكم في البلاد. وفي الوقت نفسه، نظّم موالون للحكومة السورية في جبلة وبانياس، تظاهرات داعمة لها، في حين طوقت قوات الأمن الداخلي مواقع التظاهرات بالكامل، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تأمين حماية المتظاهرين و”منع أي حوادث طارئة تستغلّها الجهات التي تروّج للفوضى”، وفق بيان للداخلية السورية.
تظاهرات الساحل السوري
وساد الهدوء الحذر أمس، المناطق التي شهدت التظاهرات، والتي رافقها انتشار أمني واسع، ومن بينها بعض الأحياء في مدينة حمص وسط سورية، التي سجّلت ليل الثلاثاء – الأربعاء، انتشاراً لقوات مكافحة الشغب، بالتزامن مع تظاهرات ليلية شهدتها بعض أحياء مدينة اللاذقية، غرب سورية.
عمار ديوب: السلطة الحالية في سورية عمدت إلى إبعاد الطائفة العلوية كلّها عن الشأن السياسي، وهذا خطأ
وكان قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية العميد عبد العزيز هلال الأحمد، أكد مساء الثلاثاء، أن مدينة اللاذقية شهدت وقفات احتجاجية في عدد من المناطق، عملت وحدات الشرطة على تأمينها من اللحظات الأولى لها وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية “سانا”، مشيراً إلى أن الدعوات “بدأت بغطاء احتجاجي لتتحول إلى منصات تحريض طائفي ممنهج لزرع الانقسام وإحداث شرخ في المجتمع المحلي”، مشيراً كذلك إلى أن الدعوات “تمّ تضخيمها عبر عدد من القنوات والمنصّات الإعلامية التحريضية التي تبث من الخارج، والتي اعتادت نشر خطاب الكراهية وإثارة النعرات الطائفية، كما بدأت بالمطالبة بالإفراج عن مجرمي حرب ضالعين في أعمال دموية وانتهاكات جسيمة”. وأعلن هلال الأحمد عن إصابة عنصرين من الأمن الداخلي، بالإضافة إلى عدد من المدنيين المشاركين في الوقفة الاحتجاجية بحي الزراعة في محافظة اللاذقية، بعد تعرضهم لإطلاق نار، إضافة إلى “رصد مجموعات مرتبطة بخلايا تابعة لفلول النظام السابق، عملت على تأجيج الفوضى والتحريض وتخريب عدد من الآليات الرسمية”.
من جهته، قال المتحدث باسم الداخلية السورية، نور الدين البابا، لقناة “الإخبارية” الحكومية، إن وزارة الداخلية “تحفظ حق التعبير عن الرأي للجميع على أن يكون هذا التعبير تحت سقف القانون ودون الإخلال بالسلم الأهلي”، مشيراً إلى أن “الجهات التي تروّج للفوضى في مناطق الساحل السوري كلّها موجودة خارج البلاد”، ومعتبراً أن “ترديد عبارات طائفية في بعض التجمّعات، يوضّح الغاية التي تمّت الدعوة على أساسها وهو لا يعبّر عن حقيقة المطالب التي يسعى إليها أهلنا في الساحل”. وكان “المجلس العلوي” الذي دعا إلى التظاهرات تأسّس في شهر فبراير/شباط الماضي، وهو يتكون من مجلسين: ديني بقيادة غزال غزال، ويضم 130 شيخاً من مختلف المحافظات السورية، ويهتم بالشؤون الدينية للطائفة، وتنفيذي ويضم مكاتب رئيسة تشمل السياسة والعلاقات العامة، الإعلام، الاقتصاد والإغاثة، القانون وغير ذلك، ويستهدف وضع خطة لإدارة شؤون الطائفة خلال المرحلة الانتقالية.
العدالة الانتقالية
وتعليقاً على التظاهرات، رأى الكاتب والصحافي عمار ديوب، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه مع تحفظه على مطلق دعوة التظاهر كون غزال شيخاً دينياً ولا ينبغي له التدخل في الشأن السياسي، إلا أن السلطة الحالية في سورية عمدت إلى إبعاد الطائفة العلوية كلّها عن الشأن السياسي، وهذا خطأ، إذ كان ينبغي فقط إبعاد المتورطين بارتكاب الجرائم وسفك الدماء. ورأى ديوب أن السلطة لم تعط أهمية أيضاً لقضية العدالة الانتقالية، وإعلان أسماء المجرمين المطلوبين للقضاء، و”دون ذلك، تصبح الطائفة العلوية كلّها فلولا وهذا مناف للواقع”. وأضاف أنه “من حيث المبدأ، يحق للأهالي المطالبة بمعرفة مصير ذويهم، حتى لو كانوا متورطين، وإلا فإننا نعيد استنساخ ممارسات نظام الأسد الذي قامت عليه الثورة”، مذكراً بأن “السلطة تركت بعض المتورطين المعروفين طلقاء بشكل غير مفهوم للمنادين بالعدالة الانتقالية”.
وأثنى ديوب على قيام الأمن العام بحماية المتظاهرين في الساحل السوري ودعا السلطة لأن تعتاد على التظاهرات، وحمايتها في كل سورية، وأن تسنّ قوانين تؤكد الحق بالتظاهر السلمي. كما حثّ السلطة على عقد مؤتمر وطني عام جديد تشارك فيه الخبرات السورية لمناقشة كيفية الخروج من الاستعصاء السياسي الحالي في المشهد الداخلي، والذي أتاح لشخصيات دينية مثل غزال غزال وحكمت الهجري (أحد مشايخ الطائفة الدرزية في السويداء) القيام بأدوار سياسية.
من جهته، رأى الصحافي ثائر زعزوع، أن تراخي الحكومة في دمشق بتطبيق مبدأ العدالة الانتقالية، وانشغالها بقضايا أخرى أقل أهمية وبترتيب ملفات خارجية، جعل الأمر يختلط على الجميع، فلا أصحاب الحق انطفأت نار تعطشهم للعدالة، ولا أهالي المتهمين عرفوا المُدان منهم من البريء، حتى صار المجرمون القتلة يطلق عليهم لقب “معتقلين”، واكتفت السلطة بالتقاط صورهم باللباس المخطط، ثم وضعت ملفاتهم في خزائن، وسط شائعات أن بعضهم قد خرج فعلاً من حبسه، بدل أن تقيم لهم محاكم علنية. وأكد عزوز، في حديثه مع “العربي الجديد”، أن العدالة الانتقالية لا تكون انتصاراً للضحايا فقط، بل إحقاقاً للحق أيضاً.
في المقابل، قال الكاتب والصحافي عصام خوري إنه لم يتوقع أن تكون هناك استجابة كبيرة لدعوة الشيخ غزال بين العلويين، لكن هذه الاستجابة لا تعتبر برأيه حبّاً بهذا الشخص، بقدر ما هي تعبير عن تعطش للأمن والاستقرار والشعور بالقلق إزاء ما يحصل في تلك المناطق، بما فيها الساحل السوري. وحثّ خوري في حديثه مع “العربي الجديد”، السلطة و”المجتمع السني” على مساعدة المجتمع العلوي على الانخراط في الدولة الجديدة وعدم السخرية من مطالبهم أو مواصلة تعييرهم بالماضي. وأضاف “أننا اليوم أمام لحظة مفصلية في بناء الأمن المجتمعي الذي يحتاجه الاقتصاد السوري، ولا يمكن لطرف إقصاء طرف آخر”. وشدّد على “وجوب أن ينتهج الجميع السلمية أساساً في المطالبة، كما على السلطة التعامل المحترم مع المتظاهرين كما شاهدنا بالصور، وضمان عدم انفلات الغوغائيين على المدنيين في أي منطقة، لأن مهمة الدولة هي الحفاظ على السلم الأهلي، وهذا واجبها وليس منة من أحد”. ولفت خوري إلى أن المجتمع الدولي يراقب أداء الحكومة، معتبراً أن كل هذه المشكلات سوف تحل إذا تحقق نجاح اقتصادي يفتح فرص عمل ويبعد المتطرفين عن الشوارع، ويزجهم في دورة العمل المنتج.
وتبرز قضية تأخر مسار العدالة الانتقالية سبباً في تواصل الاحتقان داخل المجتمع السوري، سواء لدى الضحايا وذويهم أم المتهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات، ما يبقي هذه القضية الحسّاسة عائمة دون مبرر. ورأى المحامي باسل سعيد مانع، أن تأخر إطلاق العدالة الانتقالية وتشكيل محاكم مختصة في سورية، يعود أساساً لعدم توفر البيئة التشريعية والمؤسسية اللازمة لهذا المسار. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد”، أن القوانين الحالية لا تجرّم الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ولا تمنع سقوطها بالتقادم، كما أن القضاء ما زال قيد إعادة البناء، مع وجود قضاة ينبغي عزلهم أو مساءلتهم قبل الشروع بمحاكمات كبرى، إضافةً إلى غياب محاكم خاصة وآليات حماية الشهود ولجان الحقيقة. لذلك يبقى البدء الفعلي مرهوناً بتشكيل مجلس الشعب المقبل، وإصدار التعديلات الجزائية الضرورية لإطلاق منظومة عدالة انتقالية متكاملة.
وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر نهاية أغسطس/آب الماضي، مرسوماً بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وقبله في مايو/أيار الماضي مرسوماً آخر بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، لكن دون اتخاذ خطوات عملية على الأرض حتى الآن.