لطالما واجهت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وذراعها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) اتهامات تركية وكردية بالارتباط التنظيمي والعقائدي بـ”حزب العمال الكردستاني” (PKK)، وهي اتهامات حرص قادة الطرفين على نفيها، مؤكدين استقلاليتهم في القرار، مع الإقرار بالتأثير الفكري لعبد الله أوجلان. إلا أنّ التطورات المتسارعة على الساحتين السورية والكردية، وفتح قنوات تواصل بين تركيا و”قسد”، عقب مبادرة أوجلان الداعية لحل الحزب ووقف العمل المسلح، أعادتا تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الجانبين، ودَفعتا بعض قيادات “قسد” و”الاتحاد الديمقراطي” إلى الحديث بشكل أكثر صراحة عن “وحدة الساحة الكردية” وصلاتها بحزب العمال وزعيمه.
وفي مراجعة لمواقف قائد “قسد” مظلوم عبدي من حزب العمال الكردستاني وزعيمه المسجون في جزيرة إمرالي، يتبيّن أنّه كان من أوائل المرحّبين برسالة أوجلان التي دعا فيها إلى حلّ الحزب ووقف العمل المسلح والانتقال إلى العمل السياسي. ووصف عبدي دعوة أوجلان بأنها “تاريخية”، وتمثّل، وفق تعبيره، نهاية مرحلة وبداية أخرى عنوانها “السلام والسياسة والحلول الديمقراطية”، معتبراً أنها قد تفتح “أبواباً جديدة أمام السلام في تركيا وسورية وكردستان”، وأنها خطوة قادرة على إنهاء “دوامة العنف المستمرة منذ عقود”.
ورغم تأكيده المستمر وجود فصل بين “قسد” و”العمال الكردستاني”، شدد عبدي في أكثر من تصريح على أنّ بيان أوجلان “يخصّ PKK فقط ولا علاقة له بقسد”، وأن الأخيرة “صاحبة قرار مستقل داخل الأراضي السورية”، داعياً إلى عدم خلط الملفات، ومؤكداً أن علاقة قسد بإدارة شمال وشرق سورية “تنظيمية وميدانية”، وليست امتداداً لقرار حزب العمال. كما وصف عبدي “قسد” بأنها “القوة العسكرية المحلية لمناطق شمال وشرق سورية”، وأنها لا تتدخل في قرارات تخصّ تركيا أو العراق. لكنه في الوقت ذاته أقرّ بتأثير حلّ أو تهدئة PKK على الوضع في الشمال الشرقي، قائلاً إن هذه الخطوة “تنهي الذرائع التركية” للهجوم على المنطقة، ودعا أنقرة إلى “التقاط الفرصة”، مؤكداً أنّ المبادرة “يجب أن تُقابل بخطوات مقابلة من أنقرة”.
وكشف عبدي أنه تلقى طلباً رسمياً من أوجلان لعقد لقاء مباشر، واصفاً الأمر بأنه “شرف عظيم”، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن آلية وصول الطلب. ويظهر من مجمل تصريحاته أنه يحتفظ بنبرة احترام عالية تجاه أوجلان، ويصفه بأنه “صاحب مشروع فكري ورمز كردي ذو تأثير سياسي عميق”، مشيراً دائماً إلى أهمية أفكاره في حل القضايا الكردية.
المجلس الوطني الكردي: الارتباط لم يُفكّ
من جهته، قال سكرتير حزب الوسط الكردي وعضو الأمانة العامة في المجلس الوطني الكردي شلال كدو، لـ”العربي الجديد”، إن الارتباط بين “قسد” و”العمال الكردستاني” “لم يُفك حتى الآن”، مشيراً إلى أنّ المجلس ومعظم قوى المعارضة السورية طالبوا طويلاً بفكّ هذا الارتباط. وأضاف كدو أنّ بحث الوفد البرلماني التركي، الذي زار أوجلان في إمرالي، أمس الأربعاء، لملف شمال شرقي سورية معه “يعكس قناعة تركيا بتأثير أوجلان الكبير على قوات سوريا الديمقراطية”، واعتبر أنّه “من الخطأ الجسيم اختزال القضية الكردية العادلة بملف قسد”، مؤكداً أنّ قضية “قسد” ستُعالَج عبر اتفاق العاشر من مارس/ آذار بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع.
وعن المديح الذي يكيله عبدي لأوجلان، قال كدو إنه “شأن خاص بمظلوم عبدي”، لكنه استبعد وجود جدوى من زيارة وفود سورية لأوجلان، معتبراً أنّ المسألة تخصّ كرد تركيا والحكومة التركية. وحول الحوار مع الحكومة السورية، أكد كدو أن المجلس الوطني الكردي “لم يتلقَّ أي دعوة أو إشارة” من السلطات السورية الجديدة لبحث حقوق الكرد، بينما أشار إلى تطور العلاقات بين “قسد” وحكومة إقليم كردستان، والذي تجلّى في الاستقبال الرسمي لمظلوم عبدي خلال مشاركته في منتدى “ميبس” في دهوك.
“المستقلة – سورية”: على قسد أن تبتعد عن دور الورقة الإقليمية
أما زيد سفوك، المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة – سورية، فقال لـ”العربي الجديد” إن فك ارتباط “قسد” عن حزب العمال “كان مطلباً كردياً سورياً ولا يزال”، مشدداً على أن “الكرد في سورية قدّموا تضحيات كبيرة لحزب العمال، وحان الوقت لالتفاتهم إلى حقوقهم”. وأضاف سفوك أن المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين “الاتحاد الديمقراطي” وتركيا “حقيقة أكدها قادة الحزب أنفسهم”، وأن الحركة مع الحوار وتهدئة الأجواء “لكن من دون أن تكون هناك مساومات على مستقبل الكرد السوريين”، وانتقد المجلس الوطني الكردي، معتبراً أن “مواقفه متناقضة ولا يمتلك أوراق قوة على الأرض”.
وأشار إلى أن أحزاب الإدارة الذاتية و”قسد” شاركت في مفاوضات مع الحكومة السورية “تحديداً حول شكل المناطق الكردية والمعابر والتعليم والاقتصاد”، ما يدل ـــ حسب قوله ـــ على أن المجلس الكردي “سلّم الراية” للاتحاد الديمقراطي ليمثله عملياً. ودعا سفوك إلى انتخابات نزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة لاختيار ممثلين حقيقيين للكرد السوريين، مؤكداً أن الشعب “لن يقبل بأن يتحدث طرف واحد باسمه”.
الإدارة الذاتية: لا تبعية لتركيا ولا ارتباط تنظيمي
من جانبه، قال ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية لدى مجلس التعاون الخليجي سيهانوك ديبو، لـ”العربي الجديد”، إن ما ورد بشأن حصول البرلمان التركي على إجابات موسعة حول اتفاق العاشر من مارس/ آذار، ونتائج لقاء وفده مع أوجلان، “لا يعني مطلقاً أن الإدارة الذاتية لا تملك قرارها المستقل، أو أنها تتبع لأي طرف إقليمي”.
وأشار ديبو إلى أن الإدارة الذاتية تتبنى “فلسفة الأمة الديمقراطية” التي أسس لها أوجلان، وهي اليوم “فكرة تتبناها قوى غير كردية أيضاً على كامل الجغرافيا السورية”. ووصف أوجلان بأنه “شخصية فلسفية وسياسية تستحق الفوز بجائزة نوبل”، مؤكداً أن أفكاره “مدخل أساسي لحل القضايا الديمقراطية والكردية”، وشدد على ضرورة التمييز بين “العلاقات الطبيعية” التي تربط الإدارة الذاتية بالأحزاب الكردستانية والقوى الوطنية، وبين “القرار الوطني المستقل” الذي تمتلكه الإدارة الذاتية و”قسد”، مؤكداً أن سورية “ملف إقليمي ودولي معقد يجب التعامل معه بحساسية ومسؤولية”.