نَجَت حمص، الأحد الفائت، من المجزرة، الجريمة التي أجَّجت العنف كانت جنائية حسب التصريحات الحكومية، وكُتِبت بدم الضحيتين، وهما من عشيرة بني خالد، عباراتٌ طائفية بقصد التضليل عن هوية الفاعل. وحيث يتأهَّب الحاقدون والطائفيون من صنَّاع المحتوى على وسائل التواصل لاستغلال كلِّ حدث، دعا هؤلاء إلى فزعةٍ لتكسير ممتلكات السوريين العلويِّين في حيّ المهاجرين، شرقي حمص، القريب من موقع الجريمة. حاولت قوات الأمن العام منع توسّع أحداث الشغب ضدّ العلويين إلى مناطق مجاورة، من دون القدرة على لجمِها، واجتمعت عشائر المدينة مع الحكومة في دارة المحافظ بعد الظهر، وقرَّروا سحبَ فتيلِ الفتنة ببيان لعشيرة بني خالد ينفي أن تكون دوافع الجريمة طائفية، وبيانٍ آخر لذوي الضحايا يوكل السلطات في المدينة عملية التحقيق وكشف الفاعلين. لا وفيَّات مؤكّدة خلال أعمال العنف تلك والحمد لله، لكنّ تخريباً طاول عشرات المنازل والسيارات والمحال التجارية في منطقة فقيرة نسبياً.
انتهى الحدث في حمص، وبدأت تداعياته في اليوم التالي، بعد دعوة من رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر، الشيخ غزال غزال، العلويين إلى التظاهر والمطالبة بالفيدرالية، في استغلال لمظالم مجتمع كامل يتعرّض للاستباحة اليومية، قتلاً وتخريباً للممتلكات والأراضي الزراعية وخطفاً للنساء من دون استجابة أو محاسبة من السلطات. كان التعاطي الأمني الحكومي لافتاً في حماية تظاهرات العلويين، الثلاثاء، خصوصاً مع خروج تظاهرات سنية تهتف بدورها بشعارات طائفية بحق العلويين، ما حال دون وقوع ضحايا؛ لكنَّ مؤسّسات الدولة الأمنية لا تقوم بواجبها في باقي الأيام، في محاسبة الجناة ولا في ضبط السلاح المنفلت، الذي يمرّ على الحواجز الأمنية، ويهدّد العلويين يومياً في حمص والساحل ويقتل ما يزيد عن 20 شخصاً شهرياً في حمص وحدها. تمّ نزع السلاح لدى العلويين ضمن عمليات تمشيط دقيقة، وفي معظمها ألقى المقاتلون السلاح في رغبة منهم بفتح الصفحة لحياة جديدة والقطع مع نظام الأسد.
وبغض النظر عن إشكالية بعض شعاراتها، وعن دعوة غزال إليها، كانت تظاهرات العلويين السلمية تعبيراً عن اليأس من غياب الدولة، ومما يعتبرونه سلوك السلطة المتحيّز ضدّهم، سواء في سياق محاكمات مرتكبي مجازر الساحل، واستمرار الخطاب التحريضي من دون حساب، أو من خلال تقرير وزارة الداخلية الذي أنكر خطف النساء العلويات، ووصمهنَّ بالعار الاجتماعي، في تجاهل تامّ لتقارير حقوقية وأممية توصي الحكومة بمعالجة ظاهرة خطف النساء العلويات التي تعتبر جريمة منظّمة.
لم يتبلور العلويون في سورية ضمن طائفة بالمعنى السياسي، وليسوا كذلك حالياً، وكانت مشاركة فئات واسعة منهم، ومن باقي السوريين، في دعم نظام الأسد وضدّ الثورة، بدافع تخويف النظام لهم من حكم سنّي سيهمِّشهم، وبالتالي استطاع نظام الأسد استقطابهم واستغلالهم إلى حدِّ بعيد، الأمر الذي لم يعمل عليه مجمل الخطاب المعارض؛ بل، وبكثير من الاستسهال، وافق خطاب النظام بوصفه الثورة بالطائفية السنية السلفية الجهادية، وأن نظام الأسد علوي، اعتماداً على الكثرة العددية لضباط الصف الأول في الجيش والأمن، والتركيبة الطائفية للقطع العسكرية الأكثر تطرُّفاً. ولم تتغيّر صورة الثورة في أذهان مؤيدي الأسد، وقد أتت بحكم إسلامي سني، وتعزز هذا الشعور بعد المجازر المستمرة والاستباحة المتنقلة. وكما قادت مجازر السويداء إلى تطييفٍ سياسي كبير، وتدخلات إسرائيلية نصّبت شيخ العقل حكمت الهجري زعيماً لدروز السويداء، تبدو الساحة السياسية مفتوحة اليوم أمام غزال ليتزعم العلويين، وبدعم من حلفائه في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو فلول نظام الأسد ومن طهران وحزب الله، في تطييف سياسي يستغل حالة اليأس والخوف الدائم التي يعيشها العلويون في غياب دور الدولة في المساواة بين مواطنيها وأديانهم، وتمييع مسار العدالة الانتقالية من قبل السلطة، وقد عيَّنت هيئة خاصة لها بمرسوم رئاسي فوقي، لا يشرك الخبرات السورية، ولا ذوي الضحايا، ولا المجتمعات المدنية والمحلية، والعلويون جزء منها.
مضت تظاهرات الثلاثاء على خير، وبدا أنه بمقدور السلطات أن تأخذ دورها حين تشاء، وقد حُسب لها حمايتها للتظاهرات. إلا أن خروج السوريين في شارعين طائفيين في مواجهة بعضهما بعضاً، وبعد عام إسقاط نظام الأسد، يُنذر بدرجة التأزم الوطني. الحلّ ليس بالتنديد بتظاهرات العلويين، والقول إنَّهم فلول وخونة، وتجاهل مطالبهم وحقهم في التعبير عنها، وكذلك ليس بالقول إنَّ تظاهرات السنة تكفيرية، وتجاهل مخاوفهم من عودة نظام الأسد بأشكال جديدة. إن غياب مسار العدالة الانتقالية الجدّي، قاد إلى تعميم فكرة أن العلويين متورِّطون ويجب الانتقام منهم جماعياً، وأن السنة ضحايا. هذه المقولة تتبنَّاها نخبٌ سياسية وناشطيَّة في الساحة السورية تؤيِّد الحكم الجديد، واختارت أن تتماهى مع خطابه، وتبرر كل سلوكه، والواقع أنَّها سقطت في فخِّه الطائفي، في تصنيفها السوريين ضمن مكونات طائفية، لا باعتبارهم مواطنين. هذا تجلّى خصوصاً في إعادة تدوير مجرمي حربٍ شاركوا في المجازر ضد السوريين بأشكال مختلفة، ومنهم فادي صقر ومحمد حمشو وغيرهما، والدفع إلى القول إنَّ حكم الأسد بإجرامه كان حكم الأقلية، وإن السلطة الجديدة تمثّل حكم الأكثرية، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية أسعد الشيباني.
لم تبد السلطة الجديدة رغبة حقيقية في فتح مسار جدِّي للعدالة الانتقالية، بما تهدف إليه بطيّ صفحة جرائم نظام الأسد، إذ لا يثق سوريُّون كثيرون بالمسار الذي تبنَّته، والذي لا يشمل إلا جرائم الأسد؛ لذلك كان البديل الانتقامات العشوائية، ووصم العلويين بالفلول. لا تطوي ثقافة الانتقام الصفحة، بل تفتح على جراح جديدة وتضيعُ الحقيقة؛ كما أن مسار العدالة الانتقالية لا يقتصر على محاسبة كبار المجرمين المتورّطين بالدم في نظام الأسد، بل يجب أن يشمل كلَّ الانتهاكات التي جرت خلال السنوات الماضية، بما فيها جرائم النهب ودعم المليشيات، وفكرة المصالحة المجتمعية يجب أن تكون في صلبها، عبر فتح حوارٍ بين السوريين، ومكاشفة تشارك فيها كلُّ فئات المجتمع المدني والأهلي، ومنها النقابات والمنظمات المجتمعية والمحاكم الأهلية، وأن تتضمَّن اعترافَ المتورطين وتعويضَ المتضررين، وبالتالي كشف الحقيقة، بما يسمح بأن يشارك الضحايا في الصَّفح عن صغار المتورِّطين بالجرائم، وأن تكون المحاكمات علنيَّة وشفافة، بما تحمله من رمزية لردع تكرار الجرائم، ولتوحيد سردية ما حصل لدى كل السوريين.
تعاكس السلطة بعقليَّتها كلَّ هذا المسار، وتعمِّم ثقافة المنتصر، الطائفي، بدلاً منه؛ وحين تأتي الاستجابة من الأطراف طائفيةً، درزية كانت أو علوية أو كردية أو غيرها، هذا يعزِّز طائفية السلطة ولا يفكّكها، إذ يعتبرها ممثِّلة للأغلبية من العرب السنة، بدلاً من تعرية هذا الخطاب، وفضحِه، بأنَّها تلهي السوريين بالخطاب الطائفي، كما فعل نظام الأسد، فيما هي سلطة أقلية، ويبدو الطابع العائلي سمةً لها، وتسعى إلى احتكار السيطرة وإبعاد كلِّ السوريين عن دوائر القرار، والاستئثار بعوائد الاستثمارات لمصلحة محاسيبها، وتتَّخذ قراراتٍ مجحفة بحق السوريين، ضمن سياسة نيوليبرالية فجّة وبدائية، تطيحُ مؤسسات الدولة ودورها في تقديم الخدمات والرعاية للسوريين، وتوجيه أولويَّاتها باتجاه المناطق المتضرِّرة من الحرب، وكذلك الغالبية، من المفقَرين.
المصدر العربي الجديد