في بلدٍ يتغيّر تحت وطأة التوترات الطائفية، يبدو المستقبل ضبابياً. لكنّ ما هو واضح اليوم أن النساء، خصوصاً المنتميات الى الأقليات، يدفعن الثمن الأكبر، بينما يُطلب منهن في الوقت نفسه أن يصمتن ويُطوّعن أجسادهن وخياراتهن تحت حجج كثيرة، أبرزها: “الحفاظ على السلم الأهلي”.
التقيت بماريا جرجس في مقهى تطلّ واجهته على “شارع العشاق” في مدينة حمص السورية، حيث جلست على الكرسي المقابل لي تنفث دخان النرجيلة بين كل جملة وأخرى، وقالت بابتسامة ساخرة بينما مالت نحوي: “مين كان بيتخيل إنه الأركيلة تصير خطر بسوريا، وخاصة بالعشّاق؟”.
في شارع “العشاق” المليء بالمحال التجارية والمقاهي، والذي كان مقصداً للفئة العمرية الشابة من طوائف مختلفة، قلّت حركة النساء في المساء بعدما كان ملاذاً لهن “لتغيير الجو” أو التسلية والتسوق، وخلت المقاهي من روادها اليوميين، وانتشرت عناصر من قوات الأمن العام على امتداده.
منذ سقوط نظام بشار الأسد ووصول قوى ذات خلفية دينية إلى الحكم في دمشق، دخلت سوريا مرحلة جديدة من الصراع، لا تُخاض بالضرورة بالسلاح، بل على الأجساد والأفكار والفضاء العام. فبعدما حلّت هيئة تحرير الشام نفسها وقدّمت ما سمّته “حكومة انتقالية”، برزت محاولات حثيثة لإعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج ديني متشدد كان رائجاً في إدلب خلال السنوات الماضية، حيث كانت تحكم “جبهة النصرة” السابقة، والتي تتشكل منها سلطة اليوم.
تحولت النساء في هذه المرحلة إلى “أداة” سواء للاستعراض في المحافل الرسميّة أو للتأديب والتخويف، ولا نتحدث هنا عن المجازر الطائفية في الساحل والسويداء فقط، بل عن الخطف، والتخويف، والاعتراف القسريّ، وجميع الجرائم ذات الأبعاد الطائفيّة في سوريا. على النقيض، برزت حملات تدعو الى الحشمة وارتداء النقاب، وكأن أجساد النساء “ساحة مواجهة” تشتد ضد نسوة لا يتطابقن في لباسهن أو نمط حياتهن مع صورة المرأة الملتزمة التي يُروَّج لها في سوريا الآن.
وهنا يبرز السؤال، كيف تعيش النساء اللواتي ينتمين الى الأقليات الدينية في مدن تغيّر وجهها وشكل الحياة فيها؟ وكيف يتفاوضن يومياً مع سلطات جديدة تفرض قيوداً يشعرن بثقلها مع كل حركة أو قرار؟
أحاول هنا الإجابة عن هذه الأسئلة عبر سرد قصص ثلاث نساء تتحايل كل منهن بطريقتها الخاصة وتخلق مساحات للحياة في وجه القيود الجديدة.
الحياة كما نريدها… لا كما تُملى علينا
ترى ماريا (22 عاماً)، التي تنحدر من عائلة مسيحية في ريف حمص، أن السيطرة على المظهر أصبحت شكلاً جديداً من أشكال العنف الذي تمارسه السلطة الجديدة على النساء. وبين الرغبة في البقاء كما كانت، والخوف من الاصطدام مع السلطة، تعيش صراعاً يومياً بين النجاة والاختيار. تشرح ماريا: “صار اختيار الأشياء البسيطة متل اللباس وأماكن التنقل، كالمشي في حقل ألغام، أي غلط ممكن يكلفك كتير”.
تُعتبر مدينة حمص من المدن السورية المُحافظة، وكانت تعيش فيها غالبية سنية قبل أن يُهجَّر قسم كبير منهم خلال الحرب السورية في ظل نظام بشار الأسد. بعد سقوط النظام وعودة قسم من المهجرين الذين أصبحوا يسمّون اليوم “بالأكثرية”، والاتجاه المتزايد للسكان وبعض الجهات التابعة للسلطة نحو أسلمة المدينة، أصبح من الصعب على النساء اللواتي ينتمين الى “الأقليات” التحرك بشعر مكشوف أو لباس غير “محتشم” في المناطق ذات الأغلبية السنية أو ذات الطابع الملتزم خوفاً من المضايقات.
“بلش الحذر من أول مرة سمعت عن بنت علوية انخطفت. بعدها بيومين بلّشوا الناس يهمسوا عن “اللبس المحتشم” بالحارة، مع إنه أغلبنا مسيحيين وعلويين وطول عمرنا متحررين باللباس، وكأنه الخطف ذنب البنت مش ذنب الخاطف”، تقول ماريا وهي تستذكر اللحظات الأولى للتغيير المجتمعي الذي عقب حوادث الخطف.
تعرضت ماريا على حد قولها، لمضايقات لفظية كثيرة بسبب لباسها، على رغم حرصها غالباً على اختيار أماكن مختلطة طائفياً، أي “آمنة” بالنسبة إليها، حتى أن أحدهم بصق عليها في إحدى المرات لارتدائها “الكروب توب” ودعاها الى الاحتشام، فما كان منها إلا أن صرخت بوجهه: “إي غض بصر مرة تانية”.
شهدت مدينة حمص منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر، عمليات خطف وقتل عشوائي على أساس طائفي طاولت رجالاً وفتياناً ونساء وفتيات من الطائفة العلوية، وكان آخرها استهداف المدرّسة الشابة رهام حمودة برمي مسلحين مجهولين قنبلة على منزلها، ما أدى الى مقتلها.
“حتى البيت ما عاد آمن، حاسة ما عاد إلنا مكان بهالبلد ولأول مرة بحياتي بفكر بالسفر”، تقول ماريا تعليقاً على الحوادث الأخيرة في حمص، والتي دفعت عائلتها الى فرض قيود على حركتها ولباسها. على الرغم من ذلك، لم تسمح ماريا لعائلتها أو للتحولات الاجتماعية بتغيير نمط حياتها بشكل كامل، فما زالت تحافظ على طقوس من حياتها القديمة، أي قبل سقوط النظام، قدر الإمكان. تقول بثقة بينما يظهر وجهها مع انقشاع دخان النرجيلة: “الحياة منعيشها مرة، لهيك رح ضل عم حاول عيشها متل ما كنت قبل، لإنه عمري هيك بيتطلب ولازم عيشو”.
لا تمتلك غالبية الفتيات الحمصيات من الأقليات جرأة ماريا، فنجدهن ابتعدن عن الجلوس في المقاهي أو التسوق لوحدهن أو الخروج من المنزل إلا للضرورة، فحتى الذهاب إلى الجامعة أصبح محسوباً لهؤلاء النساء في الفترة التي تلت سقوط النظام وحتى يومنا هذا. بالنسبة الى ماريا،” ليس علينا نحن النساء الاختباء أو تغيير أنماط حياتنا، بل على السلطة أن تخجل من نفسها أنها غير قادرة على حمايتنا وصون كرامتنا واختلافنا”.
طريق دمشق – السويداء معبّد بالدماء
على الهاتف، لم يكن صوت ريتا (اسم مستعار) كما عهدته، فعلى الرغم من لقائنا مرات عدة وحديثنا عبر الهاتف سابقاً، لم أميز صوتها هذه المرة، وكانت لهجة أهالي السويداء وحدها ما بقي من تفاصيله. فبعد مجازر السويداء التي اندلعت الصيف الماضي وشارك فيها مسلحون تابعون لحكومة دمشق، والتي راح ضحيتها أكثر من 1000 قتيل بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، انقلبت حياة ريتا ونظرتها الى العالم من حولها.
“ما عم نفكر غير بالنجاة، كل يوم بيومو، هيك صارت حياتنا”، تفتتح ريتا حديثها عند سؤالي لها عن الوضع الحالي في السويداء، وتُكمل: “فيه خوف وانعدام أمان والناس تعبانة ومخنوقة”…
عادت الحياة بشكل جزئي إلى طبيعتها في السويداء، لكن بقيت الحركة، وبخاصة بالنسبة الى النساء، مقيّدة وتحكمها الضرورة وأمور أخرى، سواء داخل المدينة أو على طريق دمشق الذي يشكل ممراً حيوياً وضرورياً لسكان السويداء. تقول ريتا في هذا الصدد: “أنا شخصياً صار عم ينزل معي بيي عالشام، وباقي النساء بكون معهن إخواتن أو أزواجن. قلال كتير اللي بينزلوا لحالن
من دون رجل”.
أصبحت للمجتمع والعائلة والدولة سلطة أكبر على النساء في السويداء بعد المجزرة، وبخاصة سلطة العائلة بحجة الحماية، فمثلاً أجبر والد ريتا ابنته على ارتداء الحجاب في طريقهم إلى دمشق وأثناء التنقل داخلها. تحكي ريتا الموقف بحسرة واضحة في صوتها وتقول: “كان أول مرة بيجبرني بيي على شي بحياتي. صرت إبكي وقلو إني ما بعرف حطو. كتير عز عليي هالموقف”.
على الرغم من انتهاء المجزرة والإعلان عن وقف إطلاق النار بين الأطراف المتنازعة في السويداء، ما زال استهداف المدنيين حاضراً خصوصاً على طريق السويداء – دمشق. تقول ريتا: “حتى لو الطريق خطر لازم إنزل عالشام عندي كتير التزامات هنيك، ورح ضل إتحجب بلكي إذا شافوني محجبة ما بيستهدفوني عالطريق”.
سببت المجازر في السويداء شرخاً واضحاً بين مكونات اجتماعية وثقافية. في دمشق، لم تعد ريتا ترتدي الملابس نفسها، كما تحاول إخفاء لهجتها لتفادي المضايقات أو حتى النقاشات السياسية. وتقول في هذا الصدد: “صرت آكل هم بس إجتمع مع ناس أو إحضر تدريبات، دايماً عم فكر بالصورة النمطية اللي آخدينها عني لإني درزية من السويدا، متل خاينة، انفصالية، ضد الدولة”.
بالنسبة الى ريتا، ما زال الخوف يحكم المشهد في سوريا، إذ وجدت نفسها مجدداً ترتجف عند الحواجز الأمنية، وتحرص على حذف جميع المعلومات الخاصة بها وبعملها كصحافية من هاتفها، وتتحفّظ على الحديث في السياسة مع غرباء أو حتى نشر آرائها ونماذج من عملها على وسائل التواصل الاجتماعي. مع ذلك، تقاوم ريتا بممارسة مهنة الصحافة بعيداً عن الأضواء لإيصال صوت أهل مدينتها.
الواقع الجديد بعدسة نسائية
في الطرف الساحلي من البلاد، تقف سالي عند زاوية السوق المسقوف في اللاذقية القديمة، ترفع كاميرتها وتحاول التقاط ما غفل الآخرون عنه. لا تبحث سالي منصور، الشابة الثلاثينية التي تنتمي الى الطائفة العلوية، عن صور تواكب ما هو رائج على مواقع التواصل الاجتماعي، بل عن لحظات صادقة تعكس واقع المدينة ومن يسكنها من خلال مشاهد حية لسكان وطرق عيشهم.
بدأت سالي رحلتها في التصوير الفوتوغرافي في المرحلة التي تلت سقوط نظام الأسد، وعندما سألتها عن سبب اختيار هذه المرحلة بالذات أجابت: “شفت كلشي حواليي عم يتغير، وقلت لازم وثّق هالمرحلة الانتقالية بتاريخ سوريا مش لأهميتها السياسية بس، كمان الاجتماعية”.
اختلف نمط حياة سكان اللاذقية ذات الغالبية العلوية خلال هذه المرحلة الانتقالية، وبخاصة النساء منهم. فبسبب عمليات الخطف التي طاولت ما لا يقل عن 33 امرأة علوية بحسب تقرير رويترز، يحرص القسم الأكبر منهن على الخروج مع أحد أفراد العائلة في حال اضطررن للخروج، والالتزام بالعودة إلى المنزل قبل غروب الشمس.
وبسبب الاختلاف الواضح أيضاً في نمط لباس النساء في المدينة، التي كانت تعتبر “منفتحة” قبل سقوط النظام، تغير إحساس بعض النساء اللواتي ينتمين الى الأقليات بأجسادهن. تقول سالي في هذا الخصوص: “صرت حس جسمي عبء. طول الوقت خايفة يكون مبين ضهري أو صدري من البلوزة من دون ما إنتبه. دايماً عم حس إني مُراقبة أو مُستهدفة”.
تحاول سالي التعبير عن ذاتها وتفريغ مشاعرها بالتصوير، وتحاول من خلال صورها توثيق ما هو منسي ومهمّش من الإعلام، سواء أبنية أثرية أو طريقة حياة الناس في مدينة اللاذقية، بخاصة النساء منهم، وتقول: “عم حاول إرسم صورة حلوة وفرجي حقيقة المرأة الساحلية اللي كانت كل عمرا موصومة بسبب النظام القديم”.
عند طلبي منها أن تتخيل مشهداً يعبر عن واقعها وما تعيشه اليوم، شرحت لي مستعينة بيديها مشهداً تكون فيه جالسة على الرصيف والكاميرا موجّهة إليها تلتقط صوراً متتالية بسرعة، وعند معاينة الصور سنجد أن كل صورة تحمل تعابير وجه مختلفة وتعبّر عن شعور مختلف،”فيكي تقولي ضياع وتفتت هوية بالمختصر”، أضافت بابتسامة.
تعتبر سالي أن الهوية البصرية الجديدة لسوريا هي التغيرات التي طرأت على شكل المدينة ووجوه الناس، وليس التغييرات “الغرافيكية” التي روّجت لها السلطة. تقول: “هويتنا الجديدة هيي إيدين الشب اللي عم يبيع باقات بقدونس وكزبرة عالرصيف، ووجه المرا اللي عم تبيع مونة أرضها لتعيش هيي وولادها اللي بقيوا بلا شغل، والصبايا العلويات اللي عم يلبسوا كم طويل بعز الصيف حتى ما حدا يضايقن”.
وعلى رغم الصعوبات التي تواجهها في الحركة والتنقل، لم تتعرض سالي لمضايقات أثناء تصويرها في الشوارع حتى الآن بحسب قولها، بل على العكس ترى أن الكاميرا تقرّبها من الناس وتجعلهم أكثر لطفاً وتقبلاً لها. لكنها مع ذلك، تتخذ تدابير احترازية أثناء التصوير، كاختيار الأماكن التي تقل فيها المظاهر الأمنية، والأحياء التي تفترض أنها قد تكون “أكثر تسامحاً وألفة مع مظهر امرأة تحمل كاميرا”.
بين الشخصي والنسوي والسياسي
ما تعيشه ماريا وريتا وسالي ليس حالات فردية معزولة، بل جزء من واقع أوسع تُعاد فيه كتابة قواعد الحياة اليومية للنساء من الأقليات الدينية في سوريا الجديدة. في مرحلة يُفترض أنها انتقالية، تُستعاد فيها الوعود بالأمن والعدالة، تجد هؤلاء النساء أنفسهن في موقع هش؛ أجسادهن تُراقَب، حركتهن تُقاس، وأدوارُهن تُعاد صياغتها، وسلطات كالمجتمع والعائلة تتعزز سيطرتها عليهن بدعم من الدولة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
لكنّ قصص النساء الثلاث تكشف أيضاً أن مقاومة هذا الواقع ليست صاخبة دائماً، ولا علنية بالضرورة. أحياناً تأتي على شكل إصرار على الجلوس في مقهى، أو كتابة تقرير صحافي معمق، أو التقاط صورة في شارع مليء بالعيون المراقِبة. أشكال صغيرة من الحياة، لكنها في سياق كهذا تتحول إلى أفعال سياسية تتجلى في الدفاع عن حق المرأة في الظهور، وفي الحركة، وفي السرد.
في بلدٍ يتغيّر تحت وطأة التوترات الطائفية، يبدو المستقبل ضبابياً. لكنّ ما هو واضح اليوم أن النساء، خصوصاً المنتميات الى الأقليات، يدفعن الثمن الأكبر، بينما يُطلب منهن في الوقت نفسه أن يصمتن ويُطوّعن أجسادهن وخياراتهن تحت حجج كثيرة، أبرزها: “الحفاظ على السلم الأهلي”.
وفي هذا الإصرار الذي تقوم به هؤلاء النساء، مهما بدا هشّاً وبسيطاً، يكمن جوهر اللحظة السورية اليوم، المتمثل في نساء يكتبن سرديتهن الخاصة، ويحمين ما بقي من مساحاتهن في بلد يحاول باستمرار انتزاعها منهن.
المصدر موقع درج