هاني عضاضة
“أنتَ حاقد”… كلمةٌ تخترق كل نقاشٍ سياسي كالسّهم السامّ، لا تهدف إلى إسكات الناقد في السياسة فحسب، عبر تسخيف فكرته وتحويلها إلى مادةٍ للسخرية، مهما بلغت من جدية وراهنية، بل أيضاً إلى تحطيم روحه المعنوية، وتمزيق ضميره الإنساني، وتشويه وجوده الأخلاقي، والغاية إفقاده شرعية القول أمام ذاته أولاً.
بينما تتصاعد وتيرة الاستقطاب السياسي بين “حزب الله” و”القوات اللبنانية” على وقع الأخطار الأمنية المحدقة، يبرز الاتهام بالحقد لكل معارضٍ لأي من الحزبين، أو للحزبين معاً في آن واحد، كسلاحٍ في ترسانة مؤيدي الحزبين لفرض انضباط سياسي طائفي بإيقاع محدد يخدم خطابهما وأهدافهما. وهكذا تدور الدائرة المفرغة نفسها من التعبئة والاستقطاب الطائفي، التي تستهلك طاقة المجتمع اللبناني، وتصرف أنظاره عن قضاياه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المشتركة منذ عشرين عاماً.
يبدأ هذا التوظيف حين يصير مثلاً كلّ مشككٍ في سردية “حزب الله” ورهاناته العبثية وتبعيّته للحرس الثوري الإيراني، حاقداً على الطائفة الشيعية وغير مكترثٍ لمأساة الجنوبيين وعذاباتهم، وكل داعٍ لحصر السلاح بيد الجيش اللبناني صهيونياً متخفّياً؛ وفي المقابل، حين يصير كل معارضٍ للتطرف اليميني لحزب “القوات اللبنانية” في السياسة الداخلية (يمكن تلخيص هذا التطرف بعبارة “الشيعة ما بيشبهونا” التي جاءت على لسان رئيس جهاز الإعلام والتواصل في القوات اللبنانية شارل جبور) حاقداً على المسيحيين ومهدداً لوجودهم، وكل معارضٍ لتطرف وانحياز هذا الحزب للولايات المتحدة في السياسة الخارجية مؤيداً للمشروع الإيراني في المنطقة.
عادةً ما يكون الاتهام بالحقد عابراً، بلا قيمة سياسية فعلية، ولا يعدو كونه تنفيساً عن غضبٍ مؤقت، أو آليةً غير واعية ولا إرادية للدفاع النفسي للأفراد، أو تعبيراً عن تصوّرات مسبقة أو جامدة حول “الآخر” كفرد. إلا أنه يتطوّر ليصبح سلاحاً أيديولوجياً عندما يتأثر به جمهورٌ واسع، فيتبنّاه ويصنع منه نُسَخاً أكثر رداءة، فيصير سمةً من سمات الخطاب السياسي الشعبوي السائد، ويتكرّر في أنماط متشابهة، تحمل رسائل “شيطَنة” و”ملأَكَة” تدفع المتأثرين بها إلى اتخاذ مواقف أقصوية تنزع الأبعاد الإنسانية المعقدة عن “الآخر” ليصير مجرد فردٍ في قطيعٍ، لا فكر له ولا شعور، ولا رأي خاص به، ويصبح كل “آخر”، بالضرورة، هو “آخر” الجماعة المعادية، العدو المطلق.
“أنتَ حاقد”… كلمةٌ تخترق كل نقاشٍ سياسي كالسّهم السامّ، لا تهدف إلى إسكات الناقد في السياسة فحسب، عبر تسخيف فكرته وتحويلها إلى مادةٍ للسخرية، مهما بلغت من جدية وراهنية، بل أيضاً إلى تحطيم روحه المعنوية، وتمزيق ضميره الإنساني، وتشويه وجوده الأخلاقي، والغاية إفقاده شرعية القول أمام ذاته أولاً. وهنا، بالضبط، تتحول هذه الآلية إلى ما يشبه فرض الرقابة الذاتية في الأنظمة الشمولية، إذ يتجنّب الفرد التعبير عن أي فكرة لا تتوافق مع السردية الرسمية، فيصير كاتماً لذاته، حارساً لأفكاره طوعاً، خائفاً من وسمه بالحقد لمجرد الرفض أو تقديم فكرةٍ مختلفة عن السائد.
وإذا كان في حالة جمهورَي “حزب الله” و”القوات اللبنانية”، لا وجود لسردية رسمية، فإن ديناميات النظام الشمولي تُستبدَل بديناميات الجماعات الطائفية المتصارعة، حيث يفرض الجمهور الحزبي آليات الرقابة الذاتية على جموع المنتمين إلى الطائفة التي يمثلها حزبهم، ويستخدم أسلحةً مختلفة لتسطيح أي خطابٍ معارض، وتضخيم أي تهديد، وتحفيز مشاعر المظلومية، واستدعاء الصور النمطية حول “الذات” و”الآخر”، واستخدام الرموز الدينية لتقديس كل ما هو سياسي وجعله فوق أي نقد، وزرع الخوف في النفوس من البدائل السياسية التي توضع في مصاف الفوضى أو العمالة.
كل نقدٍ من خارج الطوائف في منظور هذه الجماعات الطائفية يُفسَّر كحقدٍ على الطوائف ذاتها، وكل معارضةٍ لهذه الجماعات تستدعي ردود فعلٍ من خارج حدود السياسة، ليتحوّل النقاش في كل تفصيلٍ إلى صدامٍ هوياتي وجودي، وامتحانٍ في الهوية والانتماء العصبي، ومسألة شرفٍ طائفي يتعلّق بهذه الجماعة أو تلك. كما أن كل نقدٍ من داخل الطوائف يتحول إلى خيانة، ليكشف عن أنظمةٍ قيمية وأخلاقية خاصة بكل طائفة، على كل فردٍ في هذه الطائفة أو تلك الالتزام بها، وإلّا فيُعامل كخارجٍ من الملّة. هكذا تستمر دورة العنف الرمزي، متستّرةً بالهوية والانتماء.
وفي الاتجاه المعاكس، تتحوّل كل ممارسةٍ فردية لأي شخصٍ يُعتبر، وفقاً لآليات التنميط الاجتماعي، “شيعياً” أو “مسيحياً”، تتضمن شتماً وتحقيراً وتخويناً وتحريضاً على العنف، إلى سمة مرتبطة بما يسمى “البيئة الطائفية”، شيعية أم مسيحية أم سنية أم درزية كانت، فيصير، على سبيل المثال لا الحصر، بعض المحتوى الذي يقدّمه الإعلامي علي برّو، سلوكاً يجعل كثراً من أبناء الطائفة الشيعية يشعرون بضرورة تبريره والدفاع عنه مهما بدا منحطّاً، أو بضرورة التملّص منه وإعلان أنه محتوى “لا يمثّل الشيعة”، على رغم أنه لا تربطهم علاقة بصانعه، وكأن كون الأخير شيعياً يعني أن ما يقوله أو يفعله ينطبق على كل الشيعة، والأمر ذاته يسري على أي فردٍ ينتمي إلى أي طائفة أخرى أو معتقدٍ ديني أو فكري آخر.
وعلى رغم أن “البيئة” ليست تسمية فاشية بطبيعتها، إلا أن هذه التسمية تغذّي خطاباً فاشياً بامتياز يهيمن على المناخ السياسي في لبنان منذ سنوات، إذ تعمل على تكريس الطوائف ككيانات جوهرانية ثابتة، تستدعي بالضرورة ولادة هويات ذات طابعٍ فاشي، تختزل كل انتماء بثنائية “مع وضد”، وتقاوم كل إمكانية للتغيير والتطور في أي اتجاه، وتمهّد الطريق في حال نشوب صراعات أهلية لظهور خطاب استئصالي إبادي.
من محاكم التفتيش في العصور الوسطى، إلى الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، وصولاً إلى التيارات الشعبوية المعاصرة بيمينها من الجماعات النيونازية والنيوفاشية، وبيسارها من الجماعات “الووكية” والهوياتية والستالينية، يُعاد بأشكال جديدة وبوتائر مختلفة، إنتاج ممارسات الإقصاء المعنوي، والترهيب النفسي، والتصنيف التلقائي للأفراد، وتحويل كل نقدٍ إلى حقد، وبالتالي كل ناقدٍ إلى حاقد.
يتطلّب بناء هوية جماعية متماسكة بدايةً اختراع عدو خارجي، ثم شيطنة ذلك العدو باستمرار، وذلك بالتوازي مع تكريس سرديات المظلومية والدفاع عن الفضيلة، وتثبيت صراع الخير والشر: “نحن الأخيار الأطهار”، و”هُم الكارهون الحاقدون”. “نحن الشرفاء الأنقياء”، و”هُم الانتهازيون المنافقون”. هكذا تُختزَل كل “نحن” في الخير وكل “هُم” في الشرّ، فتتحوّل السياسة من فن الممكن، ونقاش الاحتمالات، وتحميل المسؤوليات، وإقامة التوازنات بين المبادئ والأفكار والوقائع، إلى نوبة هستيريا جماعية، وتشكيكٍ لا ينتهي في النوايا، وعنفٍ رمزي ومادي، وتصنيفات ضيقة تُبعِد الأنظار عن السياقات الأوسع، وتُقفِل جميع الآفاق بإحكام.
وفي المحصلة، يصبّ ذلك كله في سياق إنكار الوقائع وتبرير الإخفاقات. فـ”حزب الله” يبرّر إخفاقاته، على سبيل المثال، بتصويب غضب الجمهور المحتقن نحو رئيس الحكومة نواف سلام تارةً، وحزب “القوات اللبنانية” طوراً. فيما يبرّر حزب “القوات اللبنانية” إخفاقاته بتحميل إيران وحدها (وسابقاً النظام السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية) مسؤولية كل الخراب السياسي في البلد، وكأن العلّة تكمن دوماً في “الخارج”، بينما تظل البنية السياسية والاجتماعية في منأى عن النقد.
وبين هذا الإنكار وذاك، تُولَّد آليات مختلفة من القمع السياسي والترهيب النفسي والتجنيد الطائفي، ولو تفاوتت درجاتها. وبين الإنكارين المرتكزين على حقيقتين مطلقتين متضادتين، تُطمَس الحقيقة الموضوعية، وتُمنَع المساءلة والمحاسبة، وتُخنَق الاحتمالات الجديدة والرؤى المختلفة، ويموت المعنى الحقيقي للغة السياسية ذاتها. إذ تتحول “المقاومة” و”السيادة” إلى مجرد رصاصٍ يُستخدَم في معارك خطابية، ريثما تتحوّل تدريجياً إلى تهمٍ متبادلة بالإرهاب والصهيونية والعمالة للخارج شرقاً وغرباً. وفي خضم هذا كله، تواصل إسرائيل وإيران معاً تمزيق لبنان إرباً، وإخضاع الدولة اللبنانية لأجندات متضاربة.
في كتابها “أصول الشمولية”، تميّز حنة آرندت بين الشمولية والنزعات الاستبدادية الأخرى. فالتيارات الشمولية، على عكس التيارات الاستبدادية التقليدية، تسعى ليس فقط إلى تأبيد سلطتها السياسية عبر إقامة حكم ديكتاتوري، بل إلى تدمير كل استقلالية فكرية وثقافية لكل فردٍ في المجتمع، وتحويل الطبقات الاجتماعية إلى جماهير خاضعة لقيادةٍ مركزية تقرّر كل جوانب الحياة، فتتقلّص المساحات العامة، ويُجرَّم النقد، ويُستبدَل الواقع الموضوعي بالدعاية السياسية التي على أساسها يجب أن يتوحّد “الشعب”.
وفي لبنان هدف تلك الدعاية أن تتوحّد “الطائفة” بوجه أعدائها الخارجيين من الطوائف الأخرى. وعلى رغم أن نموذج الشموليات الطائفية اللبنانية يبدو هزلياً مقارنةً بالأنظمة الشمولية التي شهدها التاريخ البشري، إلا أنه لا يقلّ خطورةً عنها. فلا فرق جوهريٌّ بين “عدوّ الشعب” في النظام النازي أو الفاشي أو الستاليني، وبين “عدو الطائفة” في النظام الطائفي اللبناني. كما أن عدو الطائفة لا يقتصر على المنتمي إلى طائفةٍ أخرى، بل يتعدّاه إلى كل ناقدٍ ومعارضٍ من داخل الطائفة ذاتها، بل إن الأخير يمثّل خطراً أشد وطأة بالنسبة الى القوى المسيطرة.
المصدر موقع درج