حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
طبعاً ظهور سلامة الآن بعد الهزيمة العسكرية التي تلقاها حزب الله في الحرب، يعني من بين ما يعنيه أن الرجل يعتقد أن فرصة نجاة تلوح في الأفق. فهو قال إن المسؤولية عن الإفلاس تتحملها حكومة الثنائي الشيعي، وتفادى أن يذكر أن صديقه نجيب ميقاتي كان على رأس هذه الحكومة. وحين أشار إلى مسؤولية ميشال عون، لم يسأله محاوره عن حقيقة أن عون هو من فرض تجديد ولايته الأخيرة حاكماً لمصرف لبنان
لم تستضف قناة “العربية” رياض سلامة بوصفه حاكماً سابقاً لمصرف لبنان يواجه دعاوى قضائية وقرارات بمنع السفر في أكثر من ست دول، من بينها خمس دول أوروبية، إنما استضافته بوصفه خبيراً مالياً واقتصادياً سألته عن الدواء الشافي للاقتصاد اللبناني! لم تسأله عن مسؤوليته عن سرقة ودائع أكثر من مليون ونصف المليون لبناني، إنما سألته “كيف نعيد الودائع”! أما الأشهر الخمسة عشر التي أمضاها الحاكم السابق في سجن الخمس نجوم، فحوّلها محاوره إلى “محنة إنسانية” راح يستوضحه عن معاناته خلالها، علماً أننا، وبشهادة سلامة نفسه، نعرف أنه كان في سجن أقرب إلى فندق تمتّع فيه هذا السجين برعاية صحية وغذائية واجتماعية.
لن نتحدث عن فضيحة مهنية مثّلتها المقابلة التلفزيونية، إنما سنطرح سؤالاً أخلاقياً عما إذا كانت المحطة معنيّة بآلام أكثر من مليون لبناني سببتها أكبر فضيحة مالية في التاريخ، كان ضيف المحطة ومُكَرمُها أحد أبرز المتسبّبين بها. نعم نحن هنا لا نتحدث عن خطأ مهني عابر، وإنما عن قرار تحريري قضى باستضافة المسؤول الأول عن الـ”بونزي سكيم”، على ما صنّفه البنك الدولي.
الغريب أن سلامة خلال المقابلة، راح يخفف من محاولات محاوره استبعاد مسؤوليته عما حصل، ويشير إلى أنه ليس لوحده المسؤول عن الانهيار. لم يلتقط زميلنا إشارات سلامة ليذهب فيها نحو سؤاله عن حجم مسؤوليته.
المقابلة، بالإضافة إلى كونها سقطة مهنية، كانت غريبة أيضاً، فكيف يمكن إجراء مقابلة مع رياض سلامة لمدة ساعة من الوقت من دون سؤاله عن شركتي فوري وأوبتيموم، لا بل لم يوجَّه إليه سؤال واحد عن الهندسات المالية التي يجمع كل الخبراء، ومن بينهم أصحاب مصارف في لبنان، على أنها كانت “نصبة العصر والزمان”! حتى الأربعين مليون دولار التي يحاكَم عليها في لبنان اليوم كانت خارج رادارات الصحافي الزميل، على رغم إشارة سلامة إليها مراراً خلال حديثه.
من الواضح أن المحطة كانت معنّية خلال المقابلة بمسؤولية خصمها حزب الله عن الانهيار المالي، وهي مسؤولية لا جدال فيها، ذاك أن هندسات رياض سلامة المالية صُممت لمنع دولة حزب لله من الانهيار. لكن من صمم هذه الهندسات هو رجل المحطة رياض سلامة، واستفادت منها منظومة الفساد التي تضم إلى حزب الله، حلفاء المحطة من سياسيين وأصحاب مصارف. نحن نتحدث عن سعد الحريري ومصرفه (البحر المتوسط)، ونجيب ميقاتي وشركائه في بنك عودة، وجبران باسيل بالشراكة مع بنك سيدروس. واقتصرت أسئلة المحاور على واحد من هؤلاء، هو جبران باسيل، الذي لا تربطه مودة مع ما تمثل المحطة من تقاطع سياسي. والمرء حين يشير إلى هؤلاء الشركاء لا يفعل ذلك بوصفه انفعالاً بل استناداً إلى وقائع موثّقة حفلت به تحقيقات استقصائية فات المحاور الاطلاع عليها، لا ليدين ضيفه، إنما ليحفظ ماء وجهه كصحافي.
طبعاً ظهور سلامة الآن بعد الهزيمة العسكرية التي تلقاها حزب الله في الحرب، يعني من بين ما يعنيه أن الرجل يعتقد أن فرصة نجاة تلوح في الأفق. فهو قال إن المسؤولية عن الإفلاس تتحملها حكومة الثنائي الشيعي، وتفادى أن يذكر أن صديقه نجيب ميقاتي كان على رأس هذه الحكومة. وحين أشار إلى مسؤولية ميشال عون، لم يسأله محاوره عن حقيقة أن عون هو من فرض تجديد ولايته الأخيرة حاكماً لمصرف لبنان.
أما الرسالة التي يمكن أن نستشّفها من وراء توظيف رياض سلامة شاشة “العربية” في قضيته، فهو إشارته مراراً إلى وضعه الصحي المتدهور بحسبه، وهو ما لم نلاحظه على كل حال، وهو ما يمكن أن نرتاب من أنه سيوظّفه في عملية تبطيء محاكمته، على الأقل في قضية تحويلات شركة فوري المثبّتة عليه، وهي من بين ما فات المحاور سؤاله عنها.
وما يمكن للمرء أن يذكّر المحطة به هو أن ضيفها كان أحد المسؤولين عن كارثة ليست مالية وحسب، إنما إنسانية أيضاً. عشرات، بل مئات اللبنانيين ماتوا على أبواب المستشفيات بعدما فقدوا حمايتهم الصحية، وهم اليوم يعيشون في العراء الاستشفائي بسبب منظومة فساد رهيبة استضافت المحطة بالأمس محاسبها، ولم تمثل قناة “العربية” خلال الحوار معه مصالح ضحاياها وآلامهم، على ما تفترض مهنتنا. المصدر . موقع درج