بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد، تقف سوريا أمام اختبار حاسم يتمثل في الانتقال من إدارة الفراغ والصراع إلى إعادة بناء الدولة. فبعيدًا عن التركيز الأمني والعقوبات، تبرز مهمة ترسيخ المؤسسات والحوكمة كعنوان رئيسي لمرحلة تحمل مؤشرات تعافٍ واعدة، لكنها لا تخلو من تحديات تحدد مسار سوريا الجديدة.
دمشق – بعد مرور عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد، لا تزال النقاشات الدولية والإقليمية حول سوريا الجديدة أسيرة زاوية ضيقة تركّز في معظمها على الاعتبارات الأمنية وقضايا العقوبات، وكأن مستقبل الدولة السورية يُختزل في موازين القوة المسلحة أو في آليات الردع الاقتصادية. إلا أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، باتت عاجزة عن الإحاطة بحجم التحول البنيوي الذي تشهده البلاد، وبالتحدي المركزي الذي يواجه السلطة الجديدة: إعادة بناء الدولة من الصفر بعد عقود من التآكل المؤسسي، والحرب، والانقسام الجغرافي والاجتماعي.
ولم يكن السقوط المفاجئ للنظام السابق مجرد انتقال سياسي تقليدي، بل مثّل لحظة انهيار شامل لمنظومة الحكم التي كانت، رغم طابعها السلطوي، تدير شبكة مترابطة من المؤسسات الأمنية والإدارية والخدمية.
ومع زوال هذه الشبكة، وجدت الدولة السورية الجديدة نفسها أمام فراغ مؤسسي هائل، يتطلب معالجة متوازنة وسريعة في آن واحد، تجمع بين استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وإطلاق عملية بناء مؤسسات مستدامة قادرة على فرض سيادة القانون، وتقديم الخدمات، واحتواء مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات.
وحتى الآن، يمكن رصد مؤشرات إيجابية لا يمكن تجاهلها. فقد سارعت دول إقليمية ودولية إلى تقديم تعهدات باستثمارات كبيرة في قطاعات حيوية، خصوصًا الطاقة والبنية التحتية، ما ساهم في تخفيف جزء من الأزمة الخانقة التي عانت منها سوريا في السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بالكهرباء والوقود.
وأسهمت هذه التطورات في تحسين نسبي للأوضاع المعيشية في بعض المناطق، وخلقت مناخًا أوليًا من التفاؤل الحذر حيال قدرة الدولة الجديدة على إعادة تشغيل الاقتصاد وإعادة ربطه بالفضاءين الإقليمي والدولي. غير أن هذه الإيجابيات لا تخفي حجم الاختلالات التي ترافق المرحلة الانتقالية.
ومع ضعف البنية الأمنية الرسمية، وانتقال السلطة بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على إعادة تنظيم نفسها، انتشرت أنماط من “العدالة الذاتية” وأعمال أخذ القانون باليد، سواء بدافع الانتقام، أو بسبب انعدام الثقة بالقضاء، أو نتيجة غياب أجهزة أمنية موحّدة قادرة على فرض النظام.
ولا تمثل هذه الظاهرة خطرًا أمنيًا فحسب، بل تهدد الأساس الأخلاقي والسياسي الذي تقوم عليه الدولة الجديدة، إذ تكرّس منطق القوة بدل سيادة القانون، وتعيد إنتاج دوائر العنف التي ثار عليها السوريون أصلًا.
وإلى جانب ذلك، برزت إشكالية أكثر تعقيدًا تتمثل في ظهور ما يمكن تسميته بـ”مؤسسات الظل”، وهي كيانات غير رسمية، بعضها عسكري أو أمني، وبعضها الآخر ديني أو اجتماعي أو اقتصادي، تحاول التدخل في إدارة شؤون عامة خارج إطار الدولة.
ولا تنبع خطورة هذه المؤسسات فقط من تنافسها مع السلطة الرسمية، بل من قدرتها على ملء الفراغ بسرعة، مستفيدة من شبكات الولاء المحلية، والدعم الخارجي أحيانًا، ومن إرث طويل من ترييف السياسة وتفكيك المركزية خلال سنوات الحرب.
وإذا لم تُدمج هذه القوى في إطار قانوني واضح أو يتم تحجيمها، فإنها قد تتحول إلى مراكز نفوذ موازية تقوّض إمكانية بناء دولة حديثة.
وفي هذا السياق يواجه صانع القرار السوري معضلة مزدوجة: من جهة، الحاجة إلى الاستفادة من الدعم الخارجي والاستثمارات الأجنبية لتثبيت الاستقرار وإعادة الإعمار، ومن جهة أخرى، ضرورة الحفاظ على هامش سيادة وطني يمنع تحوّل الدولة إلى رهينة لإملاءات خارجية أو لتوازنات إقليمية متغيرة.
التحدي الأساسي لا يكمن في تجاوز إرث الماضي فقط، بل في منع إعادة إنتاجه بأشكال جديدة، أكثر نعومة ربما، لكنها لا تقل خطورة على المدى الطويل
وتظهر التجربة التاريخية لدول ما بعد الصراع أن التدفق السريع للأموال، إذا لم يُرافق بإصلاحات مؤسسية صارمة، قد يؤدي إلى تعزيز الفساد، وإعادة إنتاج نخب جديدة ليست أقل انعزالًا عن المجتمع من سابقاتها.
وتبرز هنا أهمية ملف الحوكمة بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر حساسية في المرحلة الراهنة. فالحوكمة لا تتعلق فقط بإدارة الوزارات أو إصدار القوانين، بل بخلق عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ويتطلب ذلك إعادة بناء الثقة، سواء عبر آليات شفافة لتقديم الخدمات، أو من خلال إشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار، أو عبر مسار عدالة انتقالية جاد يعالج إرث الانتهاكات دون أن ينزلق إلى منطق التشفي أو الإقصاء الجماعي.
وعلى المستوى الإقليمي تراقب دول الجوار التجربة السورية بقلق وحذر، إذ أن نجاح الدولة الجديدة في إعادة بناء مؤسساتها سيغيّر موازين القوى في المشرق، بينما فشلها قد يحوّل سوريا مرة أخرى إلى مصدر عدم استقرار عابر للحدود.
وأما على الصعيد الدولي، فإن القوى الغربية، رغم تخفيفها الجزئي لبعض القيود، لا تزال مترددة في رفع منظومة العقوبات بالكامل، في ظل غياب وضوح كامل بشأن طبيعة النظام السياسي الجديد، ومدى التزامه بالمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحكم الرشيد.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع الخلفية الأيديولوجية للقوى التي تقود المرحلة الحالية. فسيطرة فاعلين ذوي جذور إسلامية جهادية سابقة على مفاصل الدولة تثير أسئلة مشروعة حول مسار التحول الفكري والسياسي، وحدود البراغماتية التي يمكن أن يذهبوا إليها في سبيل بناء دولة قابلة للحياة.
ورغم الإشارات التي صدرت خلال العام الأول، والتي توحي برغبة في الانتقال من منطق الحركة إلى منطق الدولة، فإن ترجمة هذا التحول على أرض الواقع لا تزال جزئية، وتواجه مقاومة داخلية وضغوطًا خارجية في آن واحد.
واقتصاديًا، تمثل إعادة الإعمار ساحة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد. فالأولوية لا يجب أن تُمنح للمشاريع الرمزية أو العمرانية الضخمة فحسب، بل لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وتمكين الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل تقلل اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات.
ومن دون ذلك، سيظل الاستقرار هشًا، وقابلًا للاهتزاز مع أي صدمة أمنية أو مالية.
وفي المحصلة، يكشف العام الأول بعد سقوط نظام الأسد عن مسار انتقالي معقّد، يحمل في طياته فرصًا حقيقية لإعادة بناء دولة سورية جديدة، لكنه في الوقت ذاته محفوف بمخاطر كبيرة.
ولا يمكن اختزال نجاح هذه المرحلة في المؤشرات الأمنية أو الاقتصادية وحدها، بل في قدرة الدولة على بناء مؤسسات شرعية، جامعة، وقابلة للمساءلة.
ولا يكمن التحدي الأساسي في “سوريا ما بعد الأسد” فقط في تجاوز إرث الماضي، بل في منع إعادة إنتاجه بأشكال جديدة، أكثر نعومة ربما، لكنها لا تقل خطورة على المدى الطويل.