
من كان ليتجرأ يوماً ويتلفظ بكلمة “سلام” في لبنان، من دون أن تلاحقه تهمة الخيانة، وفي أحيان كثيرة، يكون مصيره إما النبذ وإنهاء سيرته المهنية، أو المحاكمة أو حتى كاتم الصوت؟
اليوم هي خطاب رسمي، وعنوان وحيد لسياسة الدولة اللبنانية، والتي تحظى بتأييد الأغلبية الساحقة من اللبنانيين.
دخول كلمة “سلام” إلى قاموس اللبنانيين اليومي، انقلاب هائل في المزاج العام رغم ثبات العداء لإسرائيل بسجلها التدميري والدموي في لبنان، ومسلسل حروبها على هذا البلد. هذه المرة، وصل خيار المواجهة المسلحة الدائمة مع إسرائيل إلى خاتمة شبه انتحارية. فبلد مفكك دون سوية الدولة، وباقتصاد صفري، ومجتمع متذرر تنخره العصبيات والضغائن المتبادلة، وبلا أي مقومات تتيح له تحمل ولو معركة واحدة، ويعيش خراباً على كل المستويات سببه الأساسي التحاق لبنان عنوة بما كان يسمى “محور الممانعة”، ما عاد ممكناً ضمان بقائه، ناهيك عن “نهوضه”، إن استمر في خوض الحروب ومعاركة إسرائيل.
ليس من منطلق إيماني ولاهوتي فقط جاء البابا لاوون الرابع عشر حاملاً شعار السلام، إنما لأن الكنيسة والجماعة المسيحية في لبنان (وهي المؤسِسة للكيان) باتا على قناعة أن شرط البقاء والوجود، ولكي لا يندثر لبنان أو ما بقي منه، هو إنهاء كل الحروب، وطي صفحة الصراعات (الداخلية والحدودية). والاحتضان الفاتيكاني هذا لمبدأ إرساء السلام في لبنان والسعي إلى أمنه واستقراره له أثره الفعّال في الدبلوماسية الأوروبية والأميركية.
والمفارقة أن الاستقبال “الشعبي” الذي نظمه حزب الله للبابا أثناء عبوره المتعمّد في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبغض النظر عن غاية الحزب الدعائية والسياسية، كان استقبالاً صادقاً من قبل أهل الضاحية على نحو يعبر عن ما في صدورهم من رغبة بإبعاد شبح الحرب وإنهاء الكارثة التي حلّت عليهم. فإذا كان محرّماً على أبناء “البيئة الحاضنة” التعبير السياسي عن أي رغبة بالسلام وإلقاء السلاح الفئوي، فإن الترحيب بالبابا على هذا النحو، يبدو وكأنه تأييد وجداني غير مكتوم لفكرة السلام.
من الواضح، أن خيار التفاوض الديبلوماسي مع إسرائيل برعاية أميركية وتشجيع عربي، أصبح مقبولاً على نطاق واسع كعقيدة وبرنامج عمل للدولة اللبنانية من قبل الجماعات السياسية وأحزابها. أما مقولة حزب الله ببقاء السلاح أو السماح له بإعادة ترميم منظومته، أو التمسك بالمقاومة المسلحة كخيار وحيد لـ”حماية لبنان”، فما عادت قابلة للتسويق حتى عند شطر وازن من الطائفة الشيعية التي يتصدرها تمثيلاً.
المعضلة الآن هي في تعريف السلام. الترجمة الإسرائيلية تختلف عن الترجمة اللبنانية، على نحو صعب وشديد الخطورة. فإسرائيل تريد فرض هيمنة أمنية على جزء واسع من الجنوب بما ينتقص من السيادة ويجعل إسرائيل عاملاً مؤثراً في الداخل اللبناني وفي قلب عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى حد فرض وصاية ولو غير مباشرة على المؤسسات السياسة ومنظومة الحكم وآليات إنتاج السلطة. وبالتأكيد، تريد مستويات مختلفة من “التعاون” أو “الشراكة” الاقتصادية، من المحتمل جداً أن تجعل لبنان رازحاً تحت تبعية اقتصادية مختلة بقوة لصالح منفعة إسرائيل أولاً. أيضاً، تطمح إسرائيل إلى “التطبيع” بكل أشكاله بما يضمن وقوع لبنان في فلك النفوذ الإسرائيلي.
أما الترجمة اللبنانية، فهي نابعة أولاً من حاجة داخلية وطنية لإنهاء ازدواجية السلاح الشرعي وغير الشرعي، أي تفكيك منظومة حزب الله العسكرية، بعد تهافت دورها إن في الردع أو في التحرير، وبعد تراكم الكوارث التي سببها على مدى عشرين عاماً من الهيمنة على حياة اللبنانيين ومؤسساتهم. وثانياً، وصول لبنان إلى النقطة الحرجة لمصيره. فأي حرب جديدة قد تميت الكيان وتدفنه في التاريخ. ثالثاً، إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، بات شرطاً ضرورياً لمنع حرب أهلية جديدة على الأقل، وبما يتيح لحياة سياسية مختلفة يتضاءل فيها منسوب الاعتصاب الطائفي. ورابعاً، وقف الانهيار الاقتصادي وإعادة الإعمار وتعافي المجتمع.
“السلام” بترجمته اللبنانية، ليس إذاً شبيهاً بالاتفاقات الابراهيمية، بل هو السبيل المتاح اليوم لتحرير الأرض، وعلاج تداعيات الهزيمة الكارثية وتأمين الحدود واستقرار الداخل، وإعادة الإعمار. هو أقرب إلى أن يكون مشروع ترميم لبنان ليكون “دولة طبيعية”.
كذلك، الترجمة اللبنانية لكلمة “السلام” لا تتضمن إطلاقاً التخلي عن الانحياز العميق والصادق للقضية الفلسطينية، والتضامن العملي مع الشعب الفلسطيني والعمل معه ومع الدول العربية من أجل رؤية دولة فلسطين المستقلة.
لبنان اليوم إذ يفاوض، فهو يسعى كي لا يكون مصيره كمصير غزة، وفي الوقت نفسه سيناضل -عن حق- كي لا يكون مصيره كمصير الضفة الغربية. وهذا هو الاستحقاق الصعب، الذي يتطلب كل الدعم للمفاوض اللبناني.