احتفل ويحتفل السوريون في هذه الأيام بذكرى اليوم الأول التي اتُّخذ فيها قرارُ البدء بـ”معركة ردع العدوان”، وما أعقبها من اثني عشر يومًا خاضوا خلالها معارك بطولية، تكللت بانتصار ثورتهم بعد أربعة عشر عامًا من النضال والتضحيات وملايين الشهداء، وكنس الحقبة الأسدية عن بكرة أبيها بعد أن جثمت على صدورهم أكثر من خمسة وخمسين عامًا، وتجسدت هذه النهاية بسقوط السفّاح الأسد الابن في الثامن من كانون الأول، وردع عدوانه وإجرامه عنهم، وما خلّفه وراءه من دمار وخراب، الذي قد تحتاج إزالة آثاره إلى جهود عدة أجيال. ولكن، رغم إدراك السوريين لفظاعة ذلك الخراب والدمار والمصاعب التي ستواجههم في مشوار الإعمار، رأوا أن نصرهم هذا يستحق ألف ألف احتفال لعظمة ما بذلوا وما ضحوا لأجله.
حتى إنهم، وفي ذروة حزنهم وغضبهم من جراء ما تعرضت له بلدة “بيت جن” من قصف همجي إسرائيلي في اليوم الأول من ذكرى احتفالهم، وأسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء، أبوا إلا أن يحتفلوا وهم يتطلعون إلى ما حلّ ببيت جن؛ الألسن والوجوه والعيون بين دهشة وذهول وصمت وفرح وبكاء مُرّ، يردون به على كل من يحاول أن يشكك بقيمة ومعنى هذا النصر.. وهو، لعمري، نصر يستحق أن يفرح به السوريون لاعتبارات كثيرة ومتعددة. ومنها: أنه حطّم خرافة “الأبدية” التي توهّمتها الأسدية، وسعت إلى جعلها قدرًا مكتوبًا على السوريين. ولأنه أوقف تهاطل البراميل فوق رؤوس الأطفال والنساء والرجال وهم في بيوتهم آمنين، ولأنه أوقف شلال الدم، ووضع حدًّا لآلاف المجازر والمذابح التي كانت تحدث في كل ساعة ويوم، ولأنه حطّم أبواب المعتقلات، وأطلق منها السجناء الذين كانوا يُعذَّبون ويُبادون في الزنازين وفي أفران الموت والأسيد. ولأنه أوقف عمليات الحفر في التراب السوري لإخفاء جثث الضحايا في المقابر الجماعية، ولأنه كفّ يد الأسديين عن هدر كرامات الناس في الشوارع والمؤسسات والمشافي والجامعات والمصانع والمدارس، وفي كل ركن وحيّز. ولأنه جعل مئات الآلاف من المهجّرين والنازحين قادرين على العودة إلى بلادهم وبيوتهم دون أن تُزهق أرواحهم. ولأنه رفع عن أيديهم وعقولهم الأغلال والقيود، وهدم الطاغوت الداخلي في أعماقهم، وحرّرهم من الرعب والخوف، ومن الجهل والتبعية والعبودية، ألا يستحق كل هذا أن يقال عنه إنه نصر عظيم وجليل؟ وقد بات الآن بإمكان السوريين، بعد هذا النصر، أن يواصلوا ثورتهم ليكملوا مشوارهم متسلحين بقيم الأخلاق والوعي والفكر؛ وهذا هو جوهر كل انتصار، وهو ما تُلح عليه معظم الثورات الإنسانية، سواء قبل أو أثناء أو بعد كل انتصار. فالثورة في أساسها لا تقوم لأهداف عسكرية أو قتالية، بل لحاجات فكرية وروحية وإنسانية. وأكثر ما يطلبه هذا الانتصار الآن من السوريين أن يظلوا متآخين متحابين، يتأملون ما يجري من حولهم على أنها فرصة ثانية أتتهم، ليثبتوا للعالم أنهم كما صبروا وضحوا وأبدعوا في ثورتهم، هم قادرون على أن يصبروا ويضحوا ويبدعوا ليوسعوا ويرفعوا من شأن نصرهم. هذا النصر الذي يطلب منهم أن يمتلكوا الشجاعة للتحرك نحو قيم وأهداف نبيلة، حتى لو بدا العالم كله ضدهم. ومهمة ذلك ليست عسيرة عليهم، وهو ما وعوه وأدركوه عندما تخلّى الكل عنهم في ثورتهم؛ غير أنهم لم ييأسوا ولم يستسلموا، وظلوا يضحون بالغالي والنفيس، ويبذلون كل ما فيهم من عزم وجهد، وهم يهتفون ويدعون: «يا الله ما لنا غيرك يا الله» حتى ظفروا بهذا النصر.
أجل، ربما يكون النصر عبر أدوات قتالية وعسكرية في مراحل، ولكنه مراحل لا يتحقق إلا بأدوات الفكر والعقل. وهذا النوع من الانتصار يتطلب التمسك بالمبادئ والقيم والخير، حتى حين يبدو الشرّ طريقًا أسهل. فالغاية المثلى من الانتصار تكمن في تحرير العقل، والانتقال من الجهل إلى الوعي، ومن الرضا بالظلم إلى الإصرار على الكرامة، ومن الجمود إلى الحركة، ومن السكون إلى الفعل، ومن الماضي إلى المستقبل. ومن قبل كان قد استحال على جميع الثورات عبر التاريخ أن تحقق انتصارًا كاملًا دفعة واحدة، لا عسكريًا ولا فكريًا ولا أخلاقيًا ولا روحيًا ولا دينيًا ولا سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا اقتصاديًا.. إنما احتاجت لعقود وعقود حتى أسفرت عن دول وممالك دستورية مستقرة، ومؤسسات تقرّ بالحقوق والحريات؛ فالثورات الأوروبية والأميركيتين وثورات ما سُمّي “ربيع الأمم” لم تُحقّق نتائجها إلا بعد عشرات وربما مئات السنين حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، وإلى الآن لم تتوقف الثورات في تلك الدول ولا أحد يدري إلى أين تسير؛ فمعنى الثورة لا يكمن في لحظة انفجارها الأولى، إنما في القدرة على متابعة التغيير إلى الأفضل دون كلل أو ملل، لتكريس ما أمكن من قيم العدل والخير والراحمة بين الناس، وهذا لا يأتي إلا من القلب والعقل.
وكذلك هو حال الثورة السورية؛ ما كانت لتسقط السلطة الأسدية لولا هذين الحصنين. وهناك كثير مما تستدعي الحاجة لإسقاطه، وكثير كثير مما يحتاج إلى البناء والإعمار، والثورات عادة ما تعيد تشكيل الوعي بالتوازي مع إعادة الإعمار وبناء الدولة. ومثل هذا الإعمار والبناء يحتاج إلى تأمل وتمحيص في كل قرار يُتخذ؛ فالعقل الواعي لا يتوافق مع الارتجال، ولا يتصالح مع العموميات، ولا يركن للمسلمات، بل يسعى لتفكيكها وتحليلها لمعرفة كنهها. وهذا يحتاج أيضًا إلى منطق القلب والعقل ليهتف للسوريين: أن مدّوا أياديكم لبعضكم بعضًا، لا على بعضكم البعض. فمعظم السوريين يعلمون فداحة الأثمان التي دفعوها في الاحتراب والاقتتال حتى أسقطوا السفّاح. وهم بالتأكيد لا يريدون إهدار أيٍّ من هذه التضحيات، ليقينهم من أن الأمور حين تسير بعيدًا عن العقل وتتلاطمها الأهواء والرغبات، سرعان ما تنبثق التعميمات والمؤامرات والخيانات والاتهامات والتوصيفات: انفصاليون، فلول، إرهابيون، تكفيريون… مما قد يؤدي إلى الانزياح عن إدراك ما تم دفعه من أثمان حتى تحقق هذا الانتصار.
ومن الضروري هنا ربط اليوم الأول لقرار بدء معركة ردّ العدوان في إدلب، باليوم الأول الذي كتبت فيه أصابع الأطفال على جدران درعا: «إجاك الدور يا دكتور». وصاح السوريون في ساحة الحريقة قبل أربعة عشر عامًا: “الشعب السوري ما بينذل”. فتلك العبارات وما رددته الحناجر لم يكن من بنات خيال أفراد، بل صدى لما كان يهمس به معظم السوريين خلف الأبواب. وكما كان يوم كتابة تلك العبارات وتلك الصرخات يومًا من أيام النصر العظيم، والصرخة الأولى التي هتفت: «ساقط ساقط يا بشار»، كانت صرخة تنادي وتبشر بأول صرخة نادت ببدء معركة “ردع العدوان”. وكان أول شهيد ارتقى في ساحة المظاهرات كأول شهيد ارتقى في معركة ردع العدوان. جميعها سلسلة واحدة من الأحداث والبطولات والتضحيات، ومنها جميعًا حقق السوريون هذا الانتصار. وكما هو حال النصر سلسلة من الانتصارات، كذلك هو حال الهزيمة؛ فأول هزيمة للأسدية كانت يوم أطلق شبيحتهم الرصاص على أول متظاهر، واعتقلوا أول ثائر، وكتبوا على الجدران تلك العبارات البغيضة: «الأسد أو نحرق البلد». وجميع أحداث تلك الهزائم ترتبط برباط وثيق مع أول صرخة خرجت من صدور الشبيحة المهزومين تفصح عن هزيمتهم: «الخائن غدر بنا، فرّ وتركنا وحدنا». فأمثالهم لن يروا فيما صنعه السوريون الأحرار نصرًا، إنما هزائم؛ لأنهم هم، في أعماقهم، باتوا مهزومين، وكأنهم يودّون العودة إلى الماضي، إلى اليوم الذي كان يعدهم فيه سيدهم بالنصر فصدقوه، وعليه استباحوا البلاد وناسها، لكن هذا الخائن خذلهم، فرّ وحيدًا مع أول هزيمة، وتركهم يواجهون مصيرهم وسط هذا النصر.
