يحتفل الشعب السوري اليوم، الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2025، بالذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، الذي جثم على صدورهم لأكثر من خمسة عقود، وأدى إلى مقتل مئات الآلاف ونزوح ملايين آخرين. ويأتي هذا الاحتفال، الذي أطلق عليه السوريون اسم “يوم التحرير”، ليشكّل أكثر من مجرد إحياء لانتصار عسكري سريع قاده تحالف المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام؛ فهو يمثل لحظة مراجعة وتقييم لمسار الانتقال السياسي والاجتماعي. فمن ساحة الأمويين في دمشق إلى شوارع حماة وحمص واللاذقية، يرفع السوريون أعلام الثلاث نجوم وينشدون أناشيد الثورة، معبّرين عن أمل متجدد في بناء وطن يتجاوز الطائفية والاستبداد. ومع ذلك، يبقى هذا الأمل مشوبًا بالحذر، إذ تواجه البلاد تحديات هيكلية عميقة تهدد بإعادة إنتاج أنماط السلطة السابقة أو إغراقها في فوضى جديدة.
إن هذا الحدث يحمل أهمية بالغة للسوريين الذين خرجوا ليمنحوا حكومتهم الجديدة الشرعية، ويحثوا المجتمع الدولي على إعادة تقييم الدعم الموجّه إلى سوريا الناشئة. فالسوريون اليوم يعيدون بناء وطنهم من رماد الديكتاتورية، ويوجهون رسائل واضحة إلى الدول الصديقة والخصوم على حد سواء بشأن الإنجازات الملموسة التي تحققت خلال فترة وجيزة، خاصة إذا ما قورنت بالسنوات الطويلة التي عانوا خلالها من القمع والمعاناة. وتؤكد الشرعية التي يسعى السوريون إلى ترسيخها من خلال احتفالاتهم البيانات الحديثة الصادرة عن منظمات دولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية .(CSIS)
أظهرت السلطات السورية الجديدة قدرة براغماتية على ملء الفراغ السياسي بإعلان دستوري يضمن انتخابات حرة وحماية الأقليات مما يعكس تحولًا أيديولوجيًا نحو الاستقرار الوطني بعد عقود الاستبداد
وفي السنة الأولى للانتقال، أظهرت السلطات السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، قدرة براغماتية على ملء الفراغ السياسي والأمني. ففي كانون الثاني/يناير 2025 أعلن الشرع تشكيل حكومة انتقالية، أعقبها في آذار/مارس إعلان دستوري يحدد فترة انتقالية مدتها خمس سنوات، متضمنًا التزامات بإجراء انتخابات حرة وتنفيذ إصلاحات ديمقراطية. وقد شدّد هذا الإعلان على حماية الأقليات، بما في ذلك العلويون والدروز والمسيحيون، وهو ما مثّل تحولًا أيديولوجيًا لهيئة تحرير الشام التي انتقلت من جماعة جهادية مصنفة إرهابية إلى كيان سياسي يركز على الاستقرار الوطني. وفي تموز/يوليو 2025، أزالت الولايات المتحدة تصنيف الهيئة كمنظمة إرهابية أجنبية، مشيرة إلى التزامها بمكافحة الإرهاب “بكل أشكاله”، تلا ذلك تخفيف تدريجي للعقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وقد سمحت هذه الخطوات بإعادة دمج البنك المركزي السوري وشركات الطاقة في النظام المالي العالمي، مما مهد الطريق لاستثمارات خليجية بلغت قيمتها نحو 21 مليار دولار من قطر والإمارات في مشاريع الكهرباء والنقل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، شهدت سوريا عودة ملايين اللاجئين والنازحين. فوفقًا لتقديرات الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025، عاد نحو 1.4 مليون شخص، بينهم 370 ألف لاجئ من الدول المجاورة، بدعم من برامج إعادة تأهيل أولية. وفي إدلب، أسهم خفض الضرائب والرسوم الجمركية في إحياء النشاط التجاري، حيث ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا بنسبة 40% خلال النصف الأول من العام. كما وقّع الشرع في آذار/مارس اتفاقية مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (SDF) مظلوم عبدي لدمج القوات الكردية في المؤسسات السورية، مما أتاح السيطرة على 87% من احتياطيات النفط في الشمال الشرقي. ورغم هشاشة هذه الخطوات، فإنها تعكس قدرة السوريين على النهوض من بين الركام؛ ففي حمص، على سبيل المثال، أعادت عائلات محلية بناء أحياء مدمرة عبر تعاونيات مدنية، مستلهمة من تجارب الانتقال في جنوب إفريقيا عقب سقوط نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أتاح سقوط النظام حريات غير مسبوقة في التعبير والتجمع، مع إطلاق حملات مثل “سوريا الجديدة” لإعادة تأهيل 85 ألف جندي سابق، وتأسيس لجان حقيقة ومصالحة لمعالجة قضايا اختفاء عشرات الآلاف. وفي نيسان/أبريل 2025، وافقت السلطات على تجديد تفويض لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، مما أتاح إجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتكبة قبل السقوط وبعده. وتصف هذه الإنجازات، وفقًا لتقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025، بأنها تمثل “وعدًا” باستقرار إقليمي، إذ أدى سقوط الأسد إلى تراجع نفوذ إيران و”محور المقاومة”، وفتح آفاقًا لتسويات محتملة مع دول الجوار.
رغم الإنجازات الملموسة، يبقى الحذر سيد الموقف في مواجهة تحديات هيكلية عميقة تهدد بتقويض الاستقرار الناشئ. فالبنك الدولي يقدّر تكاليف إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من الحرب، فيما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو ثلث المساكن والبنية التحتية قد دُمّر أو تضرر، وأن التغذية الكهربائية لا تزال محدودة للغاية حتى في العاصمة دمشق. ويعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، بينما يحتاج أكثر من 16 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وفي المناطق الريفية، يستمر النقص الحاد في الخدمات الصحية والتعليمية، مما يعرقل عودة اللاجئين بشكل مستدام؛ إذ تؤكد منظمات دولية أن العودة الآمنة والكريمة ما زالت مقيدة بغياب برامج إعادة دمج فعّالة وطويلة الأمد.
في ذكرى التحرير، يقدّم الشعب السوري نفسه بوصفه شريكًا فاعلًا في بناء دولة جديدة، تجمع بين الأمل المشروع والحذر الواعي في مسار انتقالي بالغ التعقيد
كذلك، تظل التوترات الأمنية والطائفية خطرًا قائمًا. فقد شهدت مناطق الشمال والشرق في عام 2025 اشتباكات متقطعة بين قوات سوريا الديمقراطية (SDF) وفصائل مدعومة من تركيا، ما أدى إلى موجات نزوح جديدة، وإن كانت الأرقام الدقيقة أقل بكثير من التقديرات المتداولة. كما يواصل تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) نشاطه في البادية، مستغلًا الفراغ الأمني، فيما تكثّف إسرائيل غاراتها الجوية في الجنوب والجولان، مما يُنذر بتصعيد قد يهدد الاستقرار الإقليمي. تقارير مراكز الفكر الدولية تحذّر من أن استمرار هذه التوترات قد يؤدي إلى ترسيخ مناطق نفوذ متباينة – تركية في الشمال، كردية في الشرق، وإسرائيلية في الجنوب – وهو ما يضعف السيادة المركزية ويعقّد أي محاولة لإعادة بناء الدولة.
أما على المستوى السياسي، فما زال الانتقال هشًا. فقد أثارت تشكيلات حكومية جديدة في عام 2025 جدلًا واسعًا حول نفوذ الفصائل المسلحة، خاصة هيئة تحرير الشام، التي ما زالت تُتهم بالهيمنة على بعض المناصب. كما وُصفت محاولات الحوار الوطني والانتخابات الانتقالية بأنها غير شاملة، مع مطالبات من المجتمع المدني بفتح المجال أمام التعددية الحزبية وإصلاحات مؤسسية حقيقية. الإرث البيروقراطي الثقيل، الذي تركته عقود من حكم الأسد، يشكل عائقًا كبيرًا أمام الإصلاحات، مع مخاوف جدية من إعادة إنتاج أنماط الفساد والمحسوبية.
إن هذا الوضع القلق، الذي يتأرجح بين بذور الأمل والحذر المشروع، يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية استراتيجية عاجلة. ينبغي أولًا توسيع نطاق المساعدات الإنسانية والتنموية لتشمل جميع المناطق دون استثناء، مع التركيز على قطاعات الطاقة والمياه والرعاية الصحية، كما أوصت تقارير منظمات الإغاثة. ثانيًا، دعم لجان الحقيقة والمصالحة على المستوى الدولي، مع ضمان تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات المرتكبة قبل السقوط وبعده، لتعزيز الثقة بين المكونات الاجتماعية المختلفة. ثالثًا، تنسيق مشترك بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج لرفع العقوبات تدريجيًا مقابل ضمانات أمنية وسياسية ملموسة، مع حشد تمويل لإعادة الإعمار يتراوح بين 250 و400 مليار دولار بحسب تقديرات المؤسسات الدولية. وأخيرًا، تعزيز المجتمع المدني والشباب من خلال برامج تدريبية وورش عمل للديمقراطية المحلية، مستلهمة من التجارب الناجحة في تونس وجنوب إفريقيا، والسعي إلى وقف التدخلات الإقليمية المزعزعة عبر آليات أممية فعّالة، بما يرسّخ الاستقرار ويحمي السيادة السورية.
في ذكرى التحرير، يقدّم الشعب السوري نفسه بوصفه شريكًا فاعلًا في بناء دولة جديدة، تجمع بين الأمل المشروع والحذر الواعي في مسار انتقالي بالغ التعقيد. الإنجازات التي تحققت خلال العام الأول – من خطوات الإصلاح الاقتصادي إلى اتساع هامش الحريات العامة – تؤكد قدرة السوريين على الصمود وتجاوز إرث الاستبداد، غير أن التحديات الأمنية والطائفية تفرض ضرورة دعم دولي منظم ومستدام. إن سوريا اليوم ليست مجرد دولة خارجة من حرب، بل تمثل نموذجًا محتملًا للانتقال السلمي في المنطقة إذا ما حظيت بالرعاية والالتزام المطلوبين. وكما أشارت الباحثة رنا خوري: “الأمل قائم، لكن الحذر ضروري؛ فالشرق الأوسط لا يعرف ديمقراطيات سهلة”. إن تكاتف الجهود الإقليمية والدولية كفيل بتحويل سوريا من رماد الديكتاتورية إلى رمز للنهضة والازدهار، محققًا تطلعات شعبها في وطن حر وموحد، ومكرّسًا نداء السوريين في شوارع دمشق: “سوريا حرّة” كواقع ملموس لا مجرد شعار.
المصدر العرب اللندنية