يُعتبر يوم 8 كانون الأول 2024 لحظة تاريخية فارقة في السياق السوري واللبناني، حيث يحتفل السوريون اليوم بذكرى انتصارهم على نظام بشار الأسد. هذا الحدث لا يُعد انتصارًا للسوريين فقط، بل هو أيضًا انتصار للعديد من اللبنانيين والعرب الذين عانوا من تبعات النظام الأسدي. إن سقوط هذا النظام يُعتبر لحظة تحرير من حكم استبدادي تأسس على القمع والطائفية، مما فتح الباب أمام مرحلة جديدة تحمل آمالًا وتحديات في الوقت ذاته.
والحدث يُعتبر ليس فقط انتصارًا للسوريين بل أيضًا للعديد من الأشخاص في لبنان والمنطقة الذين عانوا من تبعات هذا النظام طوال سنوات من القمع والهيمنة.
تفاصيل الحدث وتداعياته
الاحتفال الذي نتحدث عنه يعكس شعورًا بالتفاؤل والانتعاش بعد سنوات من القمع والدمار. سقوط نظام بشار الأسد يُعتبر بالنسبة للكثيرين في سوريا ولبنان لحظة تحرير من نظام استبدادي بنى قوته على قمع الأقليات وتطبيق أيديولوجيات تعزز الاضطهاد والطائفية. لكن على الرغم من الشعور بالإنجاز الذي يشعر به البعض، فإنه من المهم أن نُدرك أن التغيير الذي حدث لم يخلُ من تعقيدات.
في لبنان، كان للنظام السوري دور كبير في إشعال الحرب الأهلية، بل وخلق بيئة من النزاع المستمر بين المليشيات التي كانت تحت تأثيره المباشر. وبالنسبة للسوريين، فإن سقوط الأسد هو خطوة كبيرة نحو الحرية، ولكنها أيضًا خطوة محفوفة بالتحديات.
سياق الوضع في لبنان وسوريا
في لبنان: كانت هناك أزمات مستمرة طيلة فترة الاحتلال السوري للبلاد، مما خلق الكثير من الصراعات الداخلية بين الفصائل والمليشيات. نظام الأسد في سوريا كان يفرض سيطرته بشكل غير مباشر على لبنان، حيث كانت حركات المقاومة والحرب الأهلية تُؤجَّج من قبل سياسة دمشق.
في سوريا: على الرغم من أن انتصار الشعب السوري على نظام الأسد يُعد إنجازًا تاريخيًا، إلا أن الوضع لا يزال معقدًا في الداخل. البلاد تعاني من صراعات مستمرة بين مختلف الأطراف، مثل الدروز، والفصائل الكردية، والمجموعات المسلحة المتنوعة التي تشارك في النزاع السوري. هذا الصراع المتعدد الأطراف هو نتيجة مباشرة للحرب المدمرة التي دامت سنوات، ويُعتبر جزءًا من عملية التحول التي تمر بها سوريا الآن.
الآمال والتحديات المستقبلية
على الرغم من الانتصار الذي تم الإعلان عنه، لا يمكن التغاضي عن حقيقة أن الشعب السوري لا يزال يواجه تحديات كبيرة على الأرض. سقوط بشار الأسد، على الرغم من كونه خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار، لا يعني أن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا قد تعافى تمامًا من آثار الحرب. الأمر يتطلب وقتًا طويلًا لإعادة بناء البلاد، وتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية، وإيجاد آليات لتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية.
أما بالنسبة للبنان، ورغم تخلصه من الهيمنة السورية في السنوات الأخيرة، فلا يزال يعاني من الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية التي تؤثر على استقراره. إلا أن الاحتفال بهذا “الانتصار” في سوريا يمكن أن يكون فرصة لللبنانيين أيضًا للتركيز على المصالحة الداخلية والوحدة الوطنية، بعيدًا عن التأثيرات السلبية التي طالما كانت جزءًا من الصراع السوري اللبناني.
فالاحتفال في مدينة طرابلس اللبنانية بمناسبة ذكرى “النصر السوري” وتاريخ العلاقة المعقدة بين المدينة والنظام السوري. الاحتفال في طرابلس لم يكن مجرد احتفال رمزي، بل كان فرصة للتعبير عن معاناة المدينة تحت حكم نظام الأسد وما تعرضت له من ظلم وقمع على مر السنين.
طرابلس: تاريخ من المعاناة والصراع
طرابلس، كما تشير، كانت مدينة شهدت معاناة شديدة جراء تدخلات النظام السوري في الشؤون اللبنانية. في عام 1983، كانت طرابلس ساحة حرب بين القوات السورية وقوات ياسر عرفات، وهو النزاع الذي عمّق الفجوات الطائفية والسياسية في المدينة. وفي وقت لاحق، تعرضت طرابلس للعديد من الهجمات الوحشية من قبل القوات السورية، وكان أبرزها مجزرة مدرسة الأميركيين في عام 1986، حيث قُتل أكثر من 700 شخص من أبناء المدينة. الجريمة تلك أُحيلت إلى الاشتباكات الطائفية بين أبناء طرابلس وجبل محسن، لكن الحقيقة كانت أن المخابرات السورية هي من نفذت الهجوم، وهو ما جعل المدينة تعيش في معاناة وحزن مستمرين.
هذه الذكريات المظلمة استمرت في التأثير على العلاقة بين المدينة والنظام السوري، حيث اعتُبرت طرابلس منطقة سلفية معارضة للنظام السوري وتهديدًا دائمًا له. لهذا، من الطبيعي أن يشعر أهالي المدينة بشعور عميق من الفخر والانتقام عند رؤية سقوط النظام الذي كان يضطهدهم.
الاحتفال في ساحة النور: تعبير عن النصر والأمل
رغم كل ما مرت به طرابلس من مآسٍ، فإن الاحتفال في ساحة النور كان حدثًا فريدًا يعكس تحوّلًا كبيرًا في المزاج الشعبي. فبالرغم من الأجواء الممطرة، تجمع الطرابلسيون في الساحة لرفع الأعلام السورية واللبنانية، وكان الاحتفال مشبعًا بالرمزية. رُفعت شعارات تشير إلى “طرابلس الثورة” و”ثورة العرس”، مما يعكس شعورًا بالتحرر والفخر. هؤلاء الذين كانوا ضحايا للنظام البعثي في سوريا أصبحوا اليوم في وضع مختلف، حيث يشعرون أن النصر الذي تحقق هو انتصار لهم أيضًا.
الرئيس أحمد الشرع واحتفال طرابلس
من بين أبرز المواقف في هذا الاحتفال، كانت كلمة الرئيس أحمد الشرع، الذي وجّه تحية شكر لمدينة طرابلس على ما عانت منه تحت حكم النظام السوري، مشيرًا إلى أن سوريا الجديدة لا تنسى تضحيات المدينة. ورغم المشكلات التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، فقد أكد الشرع أن سوريا الجديدة ستظل تذكر تضامن طرابلس مع الشعب السوري وثورته، وأن المدينة كانت دائمًا في قلب الثورة.
التحديات الحالية أمام سوريا الجديدة
ورغم التفاؤل الذي يبديه البعض بشأن “سوريا الجديدة”، فإن هذا البلد لا يزال يواجه العديد من التحديات، خصوصًا على الصعيدين الداخلي والخارجي. من أبرز هذه التحديات التهديدات الإسرائيلية، التي تسعى إلى تسويق فكرة أن النظام الجديد في سوريا غير موثوق. وبالتالي، فإن إسرائيل لا ترى في أي نظام في سوريا، سواء كان نظام أحمد الشرع أو غيره، شريكًا حقيقيًا للسلام.
لكن يبقى أن النظام السوري الجديد قد انتقل من حالة الانهيار إلى محاولة بناء نفسه مجددًا على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولا شك أن هذا التحول يحتاج إلى وقت وجهود كبيرة، حيث لا تزال سوريا تواجه تحديات على مختلف الأصعدة، من صراعات داخلية ومشاكل اقتصادية إلى قضايا أمنية دولية.
سوريا الجديدة: نهضة ونقد مستمران
السوريون الذين يحتفلون اليوم بنصرهم على “أحلك” الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط يعرفون أن هذا الانتصار لم يكن نهاية معاناتهم، بل هو بداية لمرحلة جديدة من التحديات الكبرى التي تتطلب إصلاحات عميقة على المستوى السياسي والاجتماعي. سوريا الجديدة، رغم كونها في مرحلة ما بعد الأسد، لا تزال تنهض من الركام. ويجب عليها مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، بما في ذلك الوضع الصعب مع إسرائيل، وأيضًا التحديات المتعلقة ببناء دولة ديمقراطية تخدم مصالح جميع مواطنيها.
في النهاية، يمكن القول إن الاحتفال بنصر سقوط بشار الأسد يمثل نقطة تحول تاريخية في المنطقة، لكن هذا النصر يحتاج إلى استكماله بتطلعات وأفعال تستهدف بناء مستقبل جديد بعيد عن العنف والطائفية والديكتاتورية، وهي مهمة ليست سهلة ولكنها ضرورية لمستقبل سوريا والشرق الأوسط ككل.
في النهاية، على الرغم من التحديات الكبيرة التي يواجهها الشعب السوري، يبقى الأمل في تحقيق السلام والاستقرار من خلال التحرر من الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية.
إذًا، سقوط بشار الأسد ليس مجرد تغيير في النظام السوري، بل هو خطوة هامة نحو إعادة بناء المنطقة بأكملها، ولكن يجب أن يكون هذا التغيير مدعومًا بجهود حقيقية لإعادة البناء السياسي والاجتماعي في سوريا ولبنان.
المصدر لبنان الكبير