
-
-
.
-
نائلة منصور… الجمهورية .نت
-
-
ولدت أختي في 2 كانون الثاني (يناير) 1979، وتوفيت في باريس في 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2024، عن 45 عاماً و10 أشهر، بعيدةً عن أمي التي لم تستطع مغادرة دمشق إلا قبل يوم من جنازة ابنتها؛ وَدَّعتها في تابوتها. لم أكُن قد رأيتُ أمي منذ ست سنوات بسبب منع سفر فُرِضَ كإجراء أمني اعتباطي متعلق بقضية إدارية. أقمنا مناسبة الأربعين لراحة نفسها في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، يوم سقوط النظام، بعد خروج عفوي إلى ساحة الجمهورية في باريس لنبكي سقوطَ الصخرة عن صدورنا. حاولنا، حاولتُ أن أُشقلبَ كل الرموز والإشارات لذلك اليوم كي أُسبِغَ شيئاً من المعنى على رحيل أختي، العبثي شديد الظلم في تبكيره: في سفرها إلى الأبدية قررت أن تمنحنا هذه الهدية العظيمة، هي التي كانت تقول إن أهم عامل في سرطانها الخبيث هو حُكْم الأسد والحياة التي عشناها في سوريا القاسية.
في تشرين الأول (أكتوبر) 1980 كان عُمر أختي سنة و10 أشهر، وكنت في السابعة من عمري. جاء عناصر أمن، لم أعد أذكر من أي فرع أمني، وانتظروا أبي في البيت عدة ساعات قبل أن يصل ويعتقلوه. كانت أختي في بيت جدتي. بعد الاعتقال، ذهبنا أنا وأمي لننضم إليها، كنا نمشي لأن بيت جدتي في العباسيين وبيتنا في التجارة، غير بعيد. بدت لي المسافةُ سِفرَ الخروج، كنتُ أرتجفُ مثل ورقة شجر من الخوف، ولكني لم أكن أخاف على أمي، كنتُ مدركة على نحو ما أننا لا يجب أن نخشى اعتقالها، ربما كان لدي من الوعي ما يكفي لأفهمَ أنها ليست مُسيَّسة تَسيُّسَ أبي، لا أعرف. ولكن أختي ومنذ ذلك اليوم التصقت بأمي التصاقاً مرضياً، ممتصَّة كل مخاوفها وهواجسها، وطَوَّرت لنفسها هاجسها الخاص؛ أن تُعتقَلَ أمي. كانت تُرافقها إلى العمل، وتنام معها في السرير نفسه، وترافقها إلى السجن لزيارة أبي، ورفضت أن تلتحق بأي روضة قبل المدرسة الرسمية خوفاً من الابتعاد عن أمي التي قد تُعتقَل في أي لحظة. كانت دائماً تُفاوض مريم، جدتنا أمَّ أمنا، وتقول لها إنها مستعدة لتقشير الثوم وتكنيس المطبخ طوال النهار مقابل ألا تغادر البيت.
في النصف الأول للثمانينيات كنّا نزور أبي في سِجنَي القلعة والشيخ حسن، قبل أن ينتقل إلى سجن عدرا المدني حتى خروجه من السجن. في إحدى زياراتنا لسجن الشيخ حسن بالقرب من مقبرة الباب الصغير شمال غرب المدينة القديمة، نَسيَتْ أمي إذنَ الزيارة فتركتنا عند باب السجن تحت أعين زائرين آخرين لتأتي بالإذن من البيت، كنّا نحصلُ عليه من أمن الدولة بالقرب من السبع بحرات قبل يوم أو يومين. ظلت أختي الصغيرة تبكي وتجهش حتى رجعت أمي، لم يقترب أحد لمواساتها، لا الزائرون ولا العناصر على باب السجن، كنتُ أنا وحدي الطفلةَ ذات التسع سنوات التي تُحاول مواساتها وعناقها لتهدأ، وفي غياب أمها حاولتُ أن أكون الأم ولكني كنتُ أنا أيضاً طفلةً خائفة. ذلك المشهد لن يفارقني حتى مماتي، وشمٌ من نار طُبِعَ على جلدينا حين أدركنا أننا ينبغي أن نلتحم لننجو، التصقنا بأمنا كذلك لننجو معها ولكن لُحمتنا نحن الاثنتين كانت لُحمةَ من فَهمِ أن بلدنا قسوةٌ وعنفٌ خالصان، وأن لا شيء يُحلّي تلك القسوة أو يُطرِّيها إلّا وجودنا معاً وتضامُننا والضحكات الصغيرة التي نتشاركها.
كبرنا واشتد عودنا وبقينا نزور السجون حتى أواخر 1994، ونراقب انتظارَ أُمِّنا وانتظارَ جدتنا، أُمّ والدنا. كنّا مقتنعين اقتناعاً خلاصياً أن ذلك الانتظار هو الأخير، وأننا بعده سنبدأ حياة جديدة نُكافَأ فيها على صبرنا، غادرنا سوريا تِباعاً لنتمّمَ دراساتنا العليا، ثم عدت مع عائلتي لنستقر في دمشق؛ انتظرتنا أمي، ثم انتظرت أختي لتُنهي دراستها وتعود.
اندلعت الثورة في 2011، لم نصدق. كانت أرواحنا كلنا، أبي ذا الاثنين والسبعين عاماً، أمي ذات الواحد والستين عاماً، أنا ذات الثمانية والثلاثين عاماً، وأختي ذات الثلاثة والثلاثين عاماً، كانت أرواحنا كلنا متوقدة أملاً أن نرى هذا النظام يسقط عن أجسادنا، وانتظرنا… دخلت أمي في ماراتون انتظار جديد؛ أن يسقط في رمضان، بعد الجمعة العظيمة واقتراب ثوار الغوطة من الزبلطاني، بعد جمعة كذا، بعد زيارة المبعوث الفلاني، إلخ، كانت تنتظرُ أي إشارة تأتي من التحليلات السياسية التي تنتظرها أيضاً بعد انتظار الكهرباء (قضت آخر عشر سنوات من حياتها في العتمة). كانت تنتظر أختي، ولكن تستبقيها في فرنسا ريثما تتضح الأمور ويسقط الأسد، انتظرنا بعد الكيماوي. انتظرت أمي، انتظرتْ الأولاد، أولادي، حتى يرجعوا من مدارسهم كاملين لا أشلاءً بسبب القذائف التي تستهدف دمشق، انتظرت أن نجد حلاً كي نخرج من البلد لننقذ الأولاد من احتمال الموت، وبقيت تنتظر، انتظرَتنا أختي هذه المرة حتى نصل إلى باريس ليخفَّ قلقها علينا ويهدأ هاجسُ اعتقال الأحبّة الذي عاشته وعاد بقوة، هذه المرة كنتُ أنا من تخشى عليه من الاعتقال. انتظرت أمي بعدها 10 سنوات لنجتمع، ثم جاء كوفيد وانقطعت السبل بيننا، فانتظرَتْ انتهاء الجائحة. انتهت الجائحة وظهرَ مرضُ أختي، بدأت صلوات أمي وانتظارها شفاءَها. ناضلت أختي كي تعيش معنا ونشهد معاً سقوط نظام الطاغية، كنتُ أعتقد أن التحامَنا القديم سيشفيها من مرضها لنعيش سويةً مع أهلنا مرة أخرى، فنحن في الحقيقة لم نَعِش كلّنا معاً سوى خمس سنوات غير متصلة طوال 53 عاماً من زواج والدينا.
في نهاية المطاف لم تَنجُ أختي، توفيت قبل سقوط النظام بأربعين يوماً. وفي يوم أربعينها كنا منفعلين وغير مصدقين لهذا السقوط المفاجئ، وكنا قبل كل شيء حزينين على هذا الفوات، فواتنا، وعلى الظلم الكبير في أن تموت أختي، التي كانت تبكي أمام سجن الشيخ حسن، قبل أن تشهدَ تلك اللحظة. والتحقت بها أمي، المنتظرة الأبدية، بعد عشرة أشهر. توفيت في 12 آب (أغسطس) 2025 عن عمر خمسة وسبعين عاماً. أما أنا فأعيدُ ترتيب الأرقام والأعمار والتواريخ، علَّ معنىً ما يتجلى أمامي وسط كل هذا العبث.
أحاول أن أتلمَّسَ الشكل الجديد لسوريا التي لا تُشبه في شيء نصفَ عائلتي التي رحلت. كل هذا الدم الذي تدفَّقَ بعد سقوط الأسد، وهذه البشاعة التي شهدناها، وسيولة سوريا التي لا شكل لها، ولا تشبه سوريا التي لنا، سوريا نصف المُتخيَّلة، نصف الحقيقية التي ثبّتناها كهوية؛ أمي وأختي وأنا، وكميثاق في انصهارنا معاً.
تَندَّرنا طويلاً في عائلتي حول ارتباط ولاداتنا بأحداث سياسية: ولدَ نبيل في 1948 ونالَ البكالوريا في 1967 مُخيَّباً حيث لم يدخل تل أبيب منتصراً بعد تدريبه السريع على السلاح، ولدت لمى في حزيران 1967 فكنا نلقبها بنكسة، ولدت سوسن عام 1979 في عام الانقلابات الكبرى المُغيِّرة للتاريخ في الشرق الأوسط، ولدت زكية أثناء أيلول الأسود، ولدت نسرين في تشرين الثاني 1973 وكانت على وشك أن تُسمَّى انتصار، ولدت لمى عام 1982 قبيل اجتياح إسرائيل لبيروت، ولد جاد قبل اغتيال الحريري وتسونامي اليابان بقليل في نهاية 2004، ولدت راما أثناء حرب إسرائيل على لبنان عام 2006.
ولكننا لم نتيقّظ للحظةٍ أن مولد أعزَّ أحبتنا ومماتهم قد لا يتجاوزان حدود سنوات حكم آل الأسد.
-