نص اللقاء:
أجرى الباحث و الاعلامي الروسي Denis Korkodinov
دينيس كوركودينوف،
المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
مقابلة حصرية مع اللواء علي المملوك رئيس مكتب الأمن الوطني (سابقا) في #سوريا…
هذا هو نصه…
كوركودينوف:
سيادة اللواء علي، ما هي الأسباب التي أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد؟
اللواء علي: سقوط النظام لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم سنوات من الهشاشة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى تراكم الفساد الداخلي وتراجع الثقة بين الشعب والسلطة. كانت هناك فجوات كبيرة في الأداء الأمني والاستخباراتي، وأحيانًا تصرفات فردية لبعض المسؤولين أدت إلى فقدان التنسيق المطلوب. النظام عانى من صراع داخلي على السلطة بين أجنحة مختلفة، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية الاقتصادية والسياسية التي أفقدته القدرة على المناورة. مع الوقت، بدأت المدن تفقد سيطرة النظام تدريجيًا، مما زاد من شعور الفوضى وعدم الاستقرار.
كوركودينوف: ماذا حصل في يوم 7-8 كانون الأول 2024 عندما سقطت دمشق؟
اللواء علي: ذلك اليوم كان نقطة التحول الحاسمة، حيث انهيار خطوط الدفاع كان أسرع مما توقعنا. كانت هناك عدة مناطق فقدت السيطرة قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من التدخل الفعلي. الشعب بدأ يخرج إلى الشوارع بانتظار حسم الأمور، والجيش لم يعد قادرًا على التنسيق بشكل كامل مع القيادة المركزية. ما حصل كان نتيجة تراكم ضعف الاستعدادات، بالإضافة إلى مفاجآت عملياتية من قبل الجهات المعارضة. كما أن تشتت القيادة وإرسال إشارات متناقضة إلى الوحدات الميدانية أضعف القدرة على الردع.
كوركودينوف: هل كان دور روسيا في هذا السقوط؟
اللواء علي: روسيا لم تساعد على السقوط، لكنها لم تتدخل بما يكفي لمنع الانهيار. كان هناك تعاون استخباراتي وعسكري محدود، لكن الدعم لم يكن مكثفًا ولا استراتيجيا بما يكفي لمواجهة الانهيار الداخلي. يمكن القول إن روسيا كانت حذرة جدًا في اتخاذ خطوات مباشرة خوفًا من الانخراط في صراع داخلي طويل الأمد، وهذا أعطى بعض الفرص للمعارضة للتمدد والسيطرة على مناطق أساسية.
كوركودينوف: وما هو الدور الإيراني أيضًا فيما حدث في الشهر الأخير من حكم بشار الأسد؟
اللواء علي: الدور الإيراني كان محدودًا ومركّزًا على بعض المستشارين العسكريين والأمنيين، بالإضافة إلى بعض الدعم اللوجستي، لكنه لم يكن كافيًا لوقف الانهيار. الإيرانيون حاولوا تقديم النصح والمساعدة، لكن لم تكن لديهم القدرة على فرض خيارات حاسمة على القيادة السورية في تلك الفترة الحرجة و كذلك لأن اتباعهم على الأرض الذين استغلوا الدعم المالي لغايات شخصية بذريعة مساعدة المواطنين أعطوا صورة طائفية سيئة وفي نهاية المطاف، كل الخيارات كانت مرهونة بالقرار السوري الداخلي.
كوركودينوف: إيران قدمت مساعدات اقتصادية ومنها الخط الإئتماني الإيراني، لماذا أنت تنكر فضل إيران في ذلك؟
اللواء علي: الحقيقة أن هذا الخط، عندما كان تحت إشراف رستم قاسمي وبالتعاون مع رجال أعمال سوريين محسوبين على غرفة التجارة السورية-الإيرانية، تم الاستفادة منه فقط بشكل محدود بينهم. حتى رستم قاسمي استطاع أن يجير كل فوائد هذا الخط لمصالحه الشخصية. أطلعت الرئيس الأسد على ذلك، لكن كانت الإجابة في حينه بأن الظروف لا تحتمل التدقيق والمحاسبة في هذا الخط، وأننا يجب أن نستفيد منه قدر الإمكان، لأنه لاحقًا لن نتمكن من سداد أي جزء منه. هذا لم ينقص من تعاون إيران مع سوريا، لكن الواقع العملي كان يوضح سوء إدارة بعض المسؤولين الإيرانيين و المسؤولين المحليين للفرص المقدمة. بعض المسؤولين الإيرانيين كانوا يخالفون توجيهات المرشد
كوركودينوف: في الموضوع الإيراني، كيف كان التعاون الأمني؟
اللواء علي: التعاون الأمني مع طهران كان جيدًا بشكل عام، لكن وجود شخص مثل جواد غفاري في سوريا أثار شكوكي الدائمة بأنه قد يكون مخترقًا. كنت أرى أن بعض الإحداثيات كانت تتسرب عن طريقه، وهو ما مكّن الطيران الإسرائيلي في وقت سابق من استهداف شخصيات كبيرة إيرانية. لاحقًا تبين أن هناك بالفعل بعض الشخصيات داخل النظام الإيراني تتعاون مع الموساد. رغم كل ذلك، كان رأي الرئيس الأسد أنه مهما اكتشفنا من خروقات، لا يمكن أن نضر بالعلاقات المشتركة بين الدولتين. كنت دائمًا صريحًا مع الإيرانيين، حتى لو كانوا ينزعجون من الاتهامات، لأن التوازن كان ضروريًا للحفاظ على العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران.
كوركودينوف: هل تم الكشف لاحقًا عن عمليات التجسس داخل إيران؟
اللواء علي: نعم، لاحقًا تم كشف عدة عمليات تجسس، وأُلقي القبض على بعض الجواسيس الذين كانوا مقربين جدًا من القيادة الإيرانية. هذا أثبت أن الشكوك التي كانت لدي في وقتها بشأن بعض العناصر كانت في محلها. لكن مع ذلك، الرئيس الأسد كان حريصًا على عدم الإضرار بالعلاقات الثنائية رغم معرفة حجم الاختراقات، وهو ما يعكس حساسية الموازنة بين المصالح الأمنية والسياسية.
كوركودينوف: هل كانت أجهزة الأمن السورية على علم بتحضيرات عملية ردع العدوان والتي بموجبها سيطرت هيئة تحرير الشام على سوريا؟
اللواء علي: كانت هناك مؤشرات وتحركات، لكن لم يكن هناك تصور واضح لحجم وعمق الخطر. بعض التقارير وصلت متأخرة، وبعضها لم يتم التعامل معه بحساسية عالية، وأحيانًا تم الاستهانة بخطر بعض المناطق. التقديرات الميدانية كانت معقدة جدًا، ولم يكن هناك قدرة على تنفيذ خطط فعالة للردع بشكل متكامل.
كوركودينوف: كيف كانت تقارير الأمنية تصل إلى الرئاسة الجمهورية؟ وكيف كانت تتم المعالجة؟
اللواء علي: كانت التقارير تتدفق بشكل يومي عبر القنوات الرسمية، لكنها غالبًا تأتي متأخرة أو ناقصة التفاصيل. الرئيس بشار الأسد كان يطلع شخصيًا على معظم هذه التقارير، وكان يحترم المؤسسة الأمنية والجيش، لكنه في بعض الأحيان كان يتأثر بضغوط بعض المستشارين أو المستجدات السياسية المفاجئة. معالجة التقارير كانت تتم من خلال اجتماعات مع كبار الضباط، لكن التنفيذ على الأرض لم يكن دائمًا متسقًا مع الرؤية المركزية، وهو ما ساهم في فقدان السيطرة التدريجي على المدن.
كوركودينوف: ما حقيقة التسريبات الفيديوية التي انتشرت مؤخرًا حول الحوارات بين بشار الأسد ومستشارته الخاصة لونا الشبل؟
اللواء علي: الفيديوهات تم تحريف بعضها للتأثير على الرأي العام وإظهار الرئيس بصورة ضعيفة، بينما الحقيقة أن بشار الأسد كان يحترم الجيش والمؤسسة الأمنية كثيرًا. لونا الشبل استغلت الإعلام لتبرز نفوذها، لكنها في الواقع كانت تضر بسياسات القيادة في كثير من الحالات. بعض المقاطع أظهرت تدخلها في شؤون لا علاقة لها بها، وهذا خلق ارتباكًا داخليًا في مؤسسات الدولة.
كوركودينوف: ما سبب قوة مركز لونا الشبل وتدخلها في كل شيء؟
اللواء علي: لونا استطاعت أن تبني نفوذًا واسعًا عبر استغلال قنوات الإعلام والتقارير الداخلية، وبعض المسؤولين كانوا يترددون في مواجهتها خوفًا من نفوذها المباشر على الرئيس أو تلاعبها بالمعلومات. هذا النفوذ أضر بسياسات الدولة وأدى إلى تضارب القرارات، بينما الرئيس كان يحاول الموازنة بين رؤيته الخاصة واحترام المؤسسة الأمنية.
كوركودينوف: ما حقيقة حادث السيارة الذي أودى بحياتها؟ هل هو مفتعل أو اغتيال أو حادث قضاء وقدر؟
اللواء علي: الحقيقة أن الحادث لا تزال تفاصيله غير واضحة تمامًا، وهناك مؤشرات على إمكانية التلاعب أو استغلال الوضع للتخلص من نفوذها الزائد. من الصعب الحكم بشكل نهائي، لكن ما يمكن تأكيده أن وجودها القوي كان يثير استياءً داخليًا وأن دورها الإعلامي أحيانًا كان يضر بسمعة القيادة أكثر مما يفيدها.
كوركودينوف: هل كان الرئيس يجمع الكثير من المستشارين لكنه بالأخير ينفذ سياسته وفق رؤيته الخاصة أم يتأثر بهم؟
اللواء علي: الرئيس كان يجمع الكثير من المستشارين، لكنه كان ينفذ سياسات خاصة به بشكل رئيسي. بعض المستشارين كان لهم تأثير محدود، لكن السلطة الفعلية كانت بيده دائمًا، رغم تدخلات مثل لونا الشبل التي أحيانًا أظهرت أنها تحاول فرض أجندتها الخاصة.
كوركودينوف: ماذا تتوقع بالنسبة لنظام أحمد الشرع الحالي؟
اللواء علي: النظام الحالي يواجه تحديات كبيرة، خاصة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. الحريات العامة محدودة، وهناك ضغوط داخلية من الأقليات والمجتمعات المحلية. على الرغم من الدعم الدولي الكبير، إلا أن الانقسامات الداخلية والصراعات على الموارد قد تعرقل الاستقرار. أرى أن هناك هشاشة كبيرة في قدرة هذا النظام على بناء دولة قوية ومتجانسة في المدى المتوسط.
كوركودينوف: كيف تقييم أداء الحكومة الجديدة فيما يتعلق بالأقليات والوحدة الوطنية؟
اللواء علي: الوضع معقد، لأن الحكومة تواجه مقاومة ضمنية من بعض الأقليات، وهناك شعور بعدم تمثيل حقيقي. الوحدة الوطنية ضعفت نتيجة تراكم السنوات السابقة من الصراع والفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية. الإدارة الحالية لم تُظهر أي قدرة على تجاوز هذه الانقسامات بشكل ملموس.
كوركودينوف: كيف تقيم الوضع الاقتصادي الحالي للنظام الجديد؟
اللواء علي: الاقتصاد منهك بشكل كبير، والضغط على الطبقات الوسطى والفقيرة عالٍ. السياسات الاقتصادية غير واضحة، والاستثمارات الأجنبية محدودة. الدعم الدولي قد يساعد مؤقتًا، لكن دون إصلاحات داخلية حقيقية، لن يكون هناك انتعاش اقتصادي مستدام.
كوركودينوف: ما تقييمك للحريات العامة والخاصة في سوريا بعد السقوط؟
اللواء علي: الحريات العامة والخاصة محدودة للغاية، حتى أكثر من النظام السابق في بعض المناطق. الرقابة الإعلامية والسياسية مشددة، والمواطنون يشعرون بأن أي مخالفة قد تعرضهم لمساءلة صارمة. هناك شعور بالقلق النفسي العام بين الناس نتيجة عدم وضوح المستقبل.
كوركودينوف: كيف ترى العلاقة بين السلطة الجديدة والمجتمع الدولي؟
اللواء علي: السلطة تحظى بدعم دولي، لكن هذا الدعم مشروط بالسياسات الاقتصادية والإصلاحات، وهو ما قد يخلق ضغطًا مستمرًا على الحكومة الجديدة. هناك صعوبة في التوازن بين الالتزام بالدعم الدولي ومتطلبات الداخل، وهذا يهدد الاستقرار.
كوركودينوف: أنت كنت في المركز الأعلى أمنياً في النظام السوري السابق، ألست تتحمل بعض المسؤولية عن ما جرى خلال السنوات الماضية وفي الليلة الأخيرة من السقوط؟
اللواء علي: تحمل المسؤولية هو جزء من عملي، لكن الواقع أن الهشاشة كانت تراكمية، وكان هناك ضغط هائل من كل الجهات الداخلية والخارجية. النظام ككل يتحمل جزءًا من الانهيار، وليس قرارًا فرديًا بحتًا، ومع ذلك أتحمل بعض المسؤولية عن نقاط الضعف التي لم تُعالج بالشكل المطلوب.
كوركودينوف: كيف استطعت أن تغادر البلاد وهي في لحظة انهيار دمشق؟
اللواء علي: الخروج كان نتيجة تقييم دقيق للوضع، وكان من الضروري الحفاظ على سلامة عناصر القيادة وأماكن التخطيط الاستراتيجي. لم يكن مغادرة دمشق خيارًا سهلًا، لكن استمراري هناك كان سيضع نفسي وموظفين آخرين في خطر كبير دون فائدة عملية.
كوركودينوف: علاقتك المميزة مع الإيرانيين والروس، لماذا لم تطلب منهم الدعم الكافي لمنع الانهيار؟
اللواء علي: الدعم الدولي كان محدودًا بالاتفاقيات والضوابط الاستراتيجية. في تلك اللحظة الحرجة، الخيارات كانت محصورة، ولم يكن بالإمكان إجبار أي طرف خارجي على التدخل المباشر بما يتجاوز ما تم بالفعل. الواقع أن الكثير من القرارات كانت داخلية بشكل كامل، وكانت الفرص محدودة جدًا لمنع الانهيار.
كوركودينوف
سؤال أخير سيادة اللواء.. هل تتوقع عودة الرئيس السابق بشار الأسد إلى المشهد السياسي السوري مرة أخرى
اللواء علي.. (لأول مرة يضحك في المقابلة) و بعد صمت قصير قال… لنشوف شو رح يصير… كل الاحتمالات مفتوحة