في المغرب، كان عبد الله كنون بمثابة مؤسسة ثقافية قائمة الذات، بفضل قيمة إنتاجه الأدبي المتمثل في التأريخ للأدب المغربي من خلال كتابيه “النبوغ” و”ذكريات مشاهير المغرب”، وفي الإصلاح من خلال دعوته السلفية إلى ما يسمّيه “القضية الأساس، وهي الرجوع إلى الإسلام”، كما جاء في كتابه “إسلام رائد”. وفي التفسير، حيث وضع كتاب “تفسير سور المفصل من القرآن الكريم”، وكان الغرض منه وضع الكتاب بين يدي الطائفة العريضة من الناس الذين ليس في استطاعتهم التعامل مع أمهات كتب التفسير. وفي تحقيق التراث، وأفضل ما يمثّله في هذا الحقل العلمي المتخصص الذي بذل فيه جهدًا عظيمًا، تحقيقه لـ”ديوان يوسف الثالث ملك غرناطة”، ولديوان “المنتخب من شعر ابن زاكور”. كما أنه درس مجموعة من القضايا التي تنحو هذا المنحى في كتابه “خلّ وبقلٌ”، وله في ذلك مقالة طريفة حول “الكتب المنسوبة لغير مؤلفيها”، ذكر فيها أسباب وجود العديد من الكتب غير المنسوبة. فمع ظهور المطبعة بمصر اشتغل بعض التجار بطباعة الكتب، وحين يصادفون كتابًا غير منسوب نحلوه لجلال الدين السيوطي، وربما ذلك هو السبب في وصول مصنفاته إلى ستمائة. ويظهر كنون اللغوي في مجموعة من المقالات التي يتضمنها كتابه “خلّ وبقلٌ”، مثل “عاميتنا والمعجمية”، ومناقشة مسألة “المعزى” في مقالة “المعزى بفتح الميم”، والمقصود كتاب “المعزى في مناقب أبي يعزى”. أمّا كنون الناقد فقد تجلّى وتبلور في عدة أعمال نقدية، مثل كتاب “التعاشيب” و”خلّ وبقلٌ”، و”واحة الفكر”، و”أحاديث في الأدب المغربي الحديث”.
لكن لا أحد كان يعلم أن ع. كنون كان يكتب القصص أيضًا، إلى جانب أجناس الأدب التي ألّف فيها، والمذكورة أعلاه، والتي تشكّل ذخيرة عظيمة في مجمل التراث الكنوني. وقد صدر هذه السنة كتاب طريف كان مفاجأة للوسط الأدبي المغربي عمومًا، وللمهتمين بتراث عبد الله كنون على وجه الخصوص. هذا الكتاب الطريف هو مجموعة من القصص من تأليف العلامة المغربي، جمعها وقدّم لها الباحث المتخصص في عبد الله كنون الأستاذ أحمد عطوف. عنوانه “مع القصص: قصص قصيرة منتقاة من مجموعات كنون الأدبية” (نشر سليكي أخوين، 2025).
إن السمة الطاغية على التأليف عند عبد الله كنون هي الموسوعية. يقول في كتابه “خلّ وبقلٌ”: “يقول القدماء: إذا أردت أن تكون عالمًا فعليك بفنّ من الفنون لا تتعدّاه إلى غيره، وإذا أردت أن تكون أديبًا فشارك في الفنون كلها، وهو قول ما يزال صحيحًا حتى الآن. فإن الأدب ينتظم جميع أبواب المعرفة، وما نقص من ثقافة الأديب بابٌ من أبوابها إلا ظهر ذلك في إنتاجه. وإني أسجّل أن دراساتي الفقهية والحديثية قد أفادتني كثيرًا في الناحية الأدبية، وأني لاحظت مآخذ كثيرة على آثار بعض الأدباء إنما جاءتهم من عدم إلمامهم بشيء من تلك الدراسات”.
وفي خارج المغرب، كان كنون -فيما يبدو- هو العلامة على الموسوعية والسلفية المغربية التي أخذها عن أسلافه: أبو شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي. كان شديد الشبه بالكواكبي ومحمد عبده والأفغاني. وقد كان على الدوام يتوصّل برسائل من أدباء وعلماء من العالم العربي يشيدون بجهده العلمي وإخلاصه الوطني ونبوغه الأدبي. وسيجد القارئ الكريم منتخبات من هذه الرسائل في ختام هذا الكتيب الوجيز.
ونظرًا لهذه السمعة الطيبة، فقد وُجهت له الدعوة سنة 1957 من طرف الدكتور إسحق موسى الحسيني لتقديم محاضرات عن الأدب المغربي الحديث لفائدة طلبة “معهد الدراسات العربية العالية”، وقد اعتذر بسبب عدم تخصصه في الأدب الحديث. ثم أعيدت عليه الدعوة بإلحاح من طرف عبد الرحمن البزاز، ثم طه حسين بعده. وفي سنة 1962، حين سافر كنون إلى القاهرة لحضور المؤتمر الثامن والعشرين لمجمع اللغة العربية، وجدهم ينتظرونه لإلقاء المحاضرات في المعهد، فلم يجد حيلة للإفلات من الدعوة فلبّاها وقبل القيام بالمهمة، فكان كتاب “أحاديث في الأدب المغربي الحديث” ثمرة تلك الزيارة العلمية.
تعود شهرة عبد الله كنون إلى أسباب متناقضة، في حقيقة الأمر. فهو –بالنسبة للكثيرين– فقيه سلفي قبل أي شيء آخر، بل لعله الفقيه الأشهر في عصره. أمّا بالنسبة إلى آخرين، فهو يُعدّ رمزًا للأدب بفضل كتابه الموسوعي “النبوغ المغربي في الأدب العربي”، ذلك الكتاب الذي صنّفه بطريقة فريدة لم يُسبق إليها. وبالنسبة لفريق ثالث، فهو شاعر مفوّه له أشعار تفيد وتُمتع. أمّا الفريق الرابع فيعتبره كل ذلك وأكثر.
لكن لا ينبغي إهمال عبد الله كنون محقّق التراث. فقد تعامل تعاملًا مباشرًا مع التراث من خلال التحقيق، الذي احتلّ حيزًا مهمًا في انشغالاته الأدبية والفكرية. إذ إنه حقّق كتبًا في الأدب، وفي التاريخ، وفي اللغة، وأخرى في الدين. وله في تحقيق الشعر: ديوان ملك غرناطة يوسف الثالث؛ قصيدة “أنجم السياسة” لأبي عبد الله المالقي؛ قصيدة “الواعظ الأندلسي في مناقب عائشة”؛ تائية أبي إسحاق الألبيري؛ القصيدة الشقراطيسة في مدح المصطفى.
وحقّق في التاريخ والأدب: رسائل سعدية؛ “مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا” للفشتالي؛ شرح “جمل المجرادي” لميارة؛ رسالة في أحكام الاختصاص للشيخ عبد السلام بن الحاج.
وفي الحديث والفقه: “ترتيب أحاديث الشهاب” للخزرجي؛ “كتاب الأربعين الطبية” للبغدادي؛ “رسالة نصرة القبض في الصلاة” للمسناوي؛ “الأنوار السنية في الألفاظ السنية” لابن جزي؛ “قواعد الإسلام” للقاضي عياض؛ “تلقين الوليد الصغير” لعبد الحق الإشبيلي.
وحقّق في الأنساب: “عجالة المبتدي وفضالة المنتهي في النسب” للحازمي. وكتاب آخر في صنف الوراقة أو البيبليوغرافيا هو: “التيسير في صناعة التسفير” للشيخ بكر بن إبراهيم الإشبيلي.
يتكوّن كتاب “مع القصص” الذي بين أيدينا من عشر قصص، هذه عناوينها لمن أراد أن يبني أفق انتظار خاصًا: “إبليس يتفقد جنده”؛ “روح مومس”؛ “جند صهيون”؛ “درهم بدينارين”؛ “السيد المختار”؛ “القلب المنتحر”؛ “الديك الأحمر”؛ “السلم المحروس”؛ “حارس الكنيسة”؛ “شاب تقدمي”.. وبهذا الكتاب القصصي الصغير أمكن إضافة مجال إبداعي آخر إلى مجالات الإبداع والتفكير والبحث التي اشتهر بها كنون. وهذا حقل لم يلتفت إليه من قبل سوى الباحث محمد أملح، الذي تقدّم ببحث لنيل شهادة الإجازة حول التجربة القصصية عند كنون، التي ظلت موزعة في عدد من مؤلفاته، ولم يُبدِ عناية بجمعها في حياته، واليوم يبادر أحمد عطوف بهذا الكتاب القصصي البديع.
يؤكد جامع القصص، أحمد عطوف، أن كنون لم يكن يعتبرها قصصًا بالمفهوم العام، بل هي أقرب إلى “المقالات الأدبية”. ويورد إشارة وردت في مذكراته “مذكرات غير شخصية”: “إنني لم أفكّر قطّ في أن أكون قاصًّا، وإن ما كتبته من قصص قليلة كان –بالنظر إلى محتواه– يفرض أسلوب القصة، فلا تصحّ كتابتها بغيرها، ولذلك اعتبرت قصصي من باب المقالات الأدبية، فنشرتها في مجموعاتي الأدبية والنقدية”. ورغم ذلك، فقد كان له وعي بحدود هذا الجنس الأدبي. يقول: “هي لون من ألوان الأدب غير المقالة والبحث، وكما يُفرد الشعر بما اصطُلح على تسميته بالديوان، كذلك تُفرد القصة بمجموعة خاصة يطلبها قراؤها الذين يقرؤون غيرها، والذين يقرؤونها ويقرؤون غيرها، ويتقصدها النقاد بالوزن والتقييم، ولا يخلطون بينها وبين أيّ من الشعر والنثر غيرها. لأنها نثر وفنّ، ولأنها صنعة وذوق، ولأنها –قبل وبعد– تجربة حياتية تنبض بالإحساس والشعور، ومعاني الإنسانية والواقع المعاش، وليس ذلك في القصيدة ولا المقال”.
ورغم بقاء هذه القصص في منطقة الظل، إلا أن بعض النقاد انتبهوا إليها واعتنوا بها. يقول في هذا الصدد: “ولكن حدث أن أثارت انتباه بعض النقاد، فقال: إن أحدًا لا يعرف أنك من كُتّاب القصة، والقصة الجديرة بهذا الاسم إذا لم تفردها في كتاب خاص. وأنه إنما اهتدى إليها ضمن المجموعات المشار إليها عفوًا، فوجدها ضائعة بين المقالات والأبحاث، التي كما لو كانت قصائد شعرية في غير ديوان ولا كتاب مختارات شعرية”.
وعن الفئة المستهدفة بهذه القصص، فهي لكلّ الأعمار، كما يؤكد أ. عطوف: “فهي للأطفال واليافعين، هي للشباب والمسنّين، هي للرجال والنساء، هي للطلاب والعلماء. فيها يجد الأطفال حكاياتهم، والشباب روايتهم، والرجال قصتهم، والعلماء ضالتهم”.
قدّم كنون نفسه كقارئ للرواية العربية والعالمية. يقف في مقدمة كتابه المفضلين جبران خليل جبران، الذي كان وقتئذ، في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، بعيدًا عن الوسط الثقافي المغربي. ثم جورجي زيدان، الذي كان –عكس جبران– مقروءًا في المغرب من خلال رواياته وتاريخ التمدّن الإسلامي. وعن الكتاب الغربيين اعترف كنون بتأثره بكتابات تولستوي ودوستويفسكي بفضل الترجمة التي كانت مزدهرة في ذلك الوقت على يد أدباء فلسطين ولبنان وسورية ومصر. ثم قرأ في الأدب الفرنسي فيكتور هوغو، وراسين، وغوته الألماني. يذكر أيضًا قراءاته للشاعر الإيطالي دانتي صاحب “الكوميديا الإلهية”. واللائحة طويلة، وهي تضم أشهر كتاب الغرب وأميركا. وكانت هذه القراءات المكثفة والمتنوعة، والتي كادت تغطي جلّ أنحاء أدب الأمم، وراء تشبّع كنون بروح السرد والقصّ.