
“الثوري النوري الكلمنجي هلاب الدين الشفطنجي قاعد في الصف الاكلنجي شكلاطة وكراميلا/ يتمركس بعض الأيام يتمسلم بعض الأيام ويصاحب كل الحكام وبسطعشر ملة” (أحمد فؤاد نجم)
من الأخطاء الشائعة هي اعتبار العلويين والشيعة من مذهب واحد أو يتبعون عقيدة إيمانية واحدة. لكن الواقع شيء آخر، فلا العلويون يعتبرون أنفسهم من أتباع الإمامية الاثنا عشرية، ولو كان في بعض شعائرهم بعض من رموزها، ولا الشيعة ينظرون إلى العلويين بأنهم مسلمون حتى. وقد برزت هذه المسألة يوم فتح باب في لبنان لضم العلويين إلى المذهب الجعفري، لأسباب تتعلق بالقيد الطائفي. فكان على المنضوين الجدد تلاوة الشهادتين قبل الاعتراف بهم في المذهب الجديد.
قبل ذلك بعقود من هذا الحدث الذي ابتدأ في أوائل سبعينات القرن الماضي، تفيد الوثائق بأن رئيس دولة اللاذقية (العلوية) إبراهيم آغا الكنج سعى سنة 1930 لوضع دستور لدولته على أساس العقيدة الشيعية. أرسل مشايخ علويين إلى النجف وقمّ، وباءت المحاولة بالفشل بسبب رفض مراجع الشيعة هناك التعامل مع الموفدين على أساس أنهم مسلمون. إلى أن أتى لاحقًا، أيام حكم الأسد الأب، المرجع الإيراني الشيرازي إلى سوريا في مسعى سمي “استكشاف الأصول الإيمانية للنصيرية العلوية”. لم تفض هذه المحاولات إلى نتيجة عامة، لا بل زادت التفرقة في كثير من الأحيان.
الخطأ الشائع الثاني هو أن حافظ كان مهتمًا برفع شأن الإيمان العلوي وحمايته. لكن الوقائع على الأرض تؤكد أن حافظ حاول طمس المعالم المتعارف عليها بين العلويين موحيًا بأنه مسلم يمارس كغيره من السنة والشيعة. ساعده على ذلك فعل التقية الذي يمارس تاريخيًا بين أتباع المذهب. المؤكد هو أن عائلة الأسد، من حافظ إلى رفعت إلى بشار استخدموا الروح الأقلوية عند العلويين لتجييشهم للدفاع عن السلطة وليس لإعلاء شأن إيمانهم وعقيدتهم.
الخطأ الشائع الثالث هو أن التحالف بين إيران ولاية الفقيه ونظام الأسد مبني على العقيدة الإيمانية، وهو ما فندت عدم صحته في الفقرتين السابقتين، مع العلم أن بعض الجهلة بحقائق الأمور من شيعة وعلويين يعتقدون عكس ذلك. لكن، ضمن هذا الخطأ الشائع الثالث من كان يظن أن العلاقة الوثيقة بين إيران الولي الفقيه وحكم الأسد كانت مبنية على الاحترام المتبادل، أو حتى الحد الأدنى من الثقة الصرف، خارج إطار أن الثقة كانت بحدود المصالح المشتركة. أي أن الثقة بأن الحلف مبني على حاجة الواحد للآخر، وليس للقناعة.
هذا الكلام أذكره الآن بعد ما نشر من مقاطع مصورة للونا الشبل مع بشار، والحوار الركيك والتافه الذي دار بينهما. ولا بأس، فالبشر بحاجة للترفيه والاكتفاء بتوافه الكلام من وقت لآخر، شرط أن يكون العمل والفعل غير مبنيين على توافه الكلام أو الفكر، لكن فعل بشار بدا أبشع وأفظع حتى من كلامه السخيف. لكن، حتى ذلك لا يهم، فمن لديه القوة الكافية لدعم فظاعة فكره لن يهمه مدى تفاهته في الأساس. وهنا الدليل لا يحتاج إلا لمراجعة مسار مأساة سوريا منذ حلول لعنة البعث إلى لحظة الهروب الذليل منذ سنة.
أتحدث عن هذا الأمر بخصوص السخرية من حزب الله وغيره للتأكيد على أن السخرية ذاتها وصلت لبشار مرات عديدة منقولة عن ألسنة مراجع الحزب. بهذا الخصوص، أعيد رواية مجلس، لم يعد داخلًا في مخزن الأمانات، كنت فيه شاهدًا وفاعلًا.
كانت ذلك في شهر آذار 2006، يوم كان تيارنا الأزرق (المستقبل) واقعًا تحت أحبولة أن حزب الله لا علاقة له باغتيال رفيق الحريري، بل كان الأسد ومنظومته الأمنية اللبنانية السورية. كان رأيي الذي بقي من دون سماع، هو أنه لا يمكن لأي شيء يحدث بهذا الحجم في بيروت من دون، على الأقل، علم الحزب. المهم هو أنني كنت في عداد وفد من سبعة نواب من تيارنا، رئيسه الدكتور أحمد فتفت. وقد أصر علي رئيس الكتلة لأكون ضمن الوفد لكوني “متطرفًا” في رأيي حول الحزب ودوره.
ذهبنا إلى حارة حريك، ودخلنا إلى قاعة جلس فيها نصرالله من دون مرافقين. وعلي ان أعترف أن الانطباع عنه هو كونه يعرف الكثير عن المشاركين في الوفد، وكانت روح النكتة حاضرة عنده. لكن معظم النكات كانت متعلقة بالجيش السوري ومخابراته، مؤكدًا سخافة سياساتها وضعفها وقلة درايتها. كل ذلك ليقول في النهاية بأن المخابرات السورية قاصرة عن القيام بعملية “متقنة ومهنية” كالتي حصلت في 14 شباط 2005. باقي الكلام كان أنه قال بالحرف “لنفترض احتمال أن سوريا قامت بالاغتيال بنسبة 95 بالمئة، أتركوا المجال للخمسة بالمئة احتمال آخر للحفاظ عليكم أنتم جماعة 14 آذار. فغدًا قد تحصل صفقة بين الأسد وأميركا وتذهبون أنتم فرق عملة يا مساكين”. وهذا بالطبع دليل على أن عامل الازدراء وعدم الثقة هو ما يكنه الحزب لبشار. جوابي الذي لم يعجبه، فتجاهله، كان “لا نستغرب أن يحصل تفاهم بين الأسد وأميركا، ونحن أصلاً لا نعول على موقف أميركا، لكن أنتم تقولون إنكم أعداء أميركا، فالأرجح عندها أن تدفعوا أنتم الثمن وليس نحن”.
لماذا هذا الكلام الآن، إنه لمجرد التأكيد على أنه لا حاجة للحلفاء للاحترام أو المحبة المتبادلة، لا بل إن احتقار الواحد للآخر قد يكون السائد أحيانًا. شراكتهم، كما هو واضح، مبنية على الحاجات المتبادلة، فقط لا غير. من هنا، فحديث لونا وبشار لم يأت بجديد.
المدن