استعراضٌ عسكري تخللته شعارات جهادية، وأخرى معادية لإسرائيل؛ وعودة أحمد الشرع للظهور في بزته العسكرية ليخطب من على منبر الجامع الأموي، بعد صلاة الفجر، طالباً من السوريين «إطاعته ما أطاع الله فيهم»!
بهذه المفردات أرادت السلطة الانتقالية تلخيص مشروعها السياسي لسوريا المستقبل، في تعارض تام مع تعهداتها للدول التي تحتضنها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي أدخلتها في التحالف الدولي لمكافحة داعش.
داعش التي نفّذ أحد «ذئابها المنفردة» هجوماً على دورية أمريكية – سورية مشتركة في منطقة تدمر، قبل أيام، فأوقع قتلى وجرحى أمريكيين، ليتضح أن منفذ الهجوم عنصرٌ في الأمن العام التابع لوزارة داخلية الشرع!
واضح من تعليق ترامب على الحادثة أنه مستمر في تأييد سلطة الشرع، ومن المتوقع أن يوقّع على إلغاء قانون قيصر بعد أن ينال موافقة مجلس الشيوخ.
هذا التمسك الترامبي بالشرع على رغم هجوم تدمر، يشير إلى مدى ثقته بقدرة الشرع على الوفاء بتعهداته. وقبل ذلك عبّر ترامب عن استيائه من العملية العسكرية الإسرائيلية في بيت جن قرب دمشق، وطلب من قادة إسرائيل الانخراط في الحوار مع الحكومة السورية.
ثمّة فكرة يتم الترويج لها حول الفصل بين الشرع وفريقه من جهة، وقاعدته الجهادية من جهة أخرى، الأمر الذي من المفترض أن يفسر التعارض بين خطاب الشرع ووزير خارجيته من جهة، والشعارات والممارسات الجهادية والطائفية لقاعدته الاجتماعية من جهة ثانية. بصرف النظر عن صحة هذه الفكرة من عدمها، فقَدَ هذا التمييز معناه وجدواه بعد مرور عام كامل على سوريا تحت حكم هذه المجموعة. فافتراض «نوايا جيدة» لدى قمة السلطة يعطلها فشلها في السيطرة على الفصائل، يُفقد تلك النوايا أي جدوى. فالسلطة، في نهاية المطاف، ماضية في بناء جيشها العقائدي المتضخم (يقدر بـ 150 ألفاً!) الذي لا يبدو أنه يُعَدّ لمحاربة دول الجوار أو لحماية البلاد من اعتداءات خارجية، إذا أخذنا بنظر الاعتبار تأكيدات السلطة المتكررة بأنها لا تملك نوايا من هذا النوع، وأنها لا تفعل شيئاً في مواجهة الاستفزازات الإسرائيلية اليومية.
وورثت وزارة الدفاع دائرة «التوجيه المعنوي» من نظام الأسد مع تغيير محتواه الفكري من العقيدة البعثية إلى عقيدة إسلامية بقراءة شافعية! في حين كشفت حادثة تدمر المشار إليها أعلاه عن اختراق داعشي للأمن العام لا نعرف حجمه إلى الان.
ولا تقتصر مساعي السلطة لبناء دولة بما يتفق ومنظورها الإيديولوجي على الجيش والأمن العام، بل تتجاوزهما إلى ميادين السياسة والمجتمع والثقافة على ما تتواتر معلومات متفرقة وشحيحة بعيداً عن ضجيج وسائل إعلام السلطة المستمرة في جو كرنفالي لم يهدأ طوال السنة الماضية. فثمة دائرة خاصة لإعداد «قيادات نسائية» تتبع «الإدارة السياسية» التي يرأسها وزير الخارجية أسعد الشيباني، وتعمل جامعات إدلب والشمال السوري على رفد السلطة بكوادر عقائدية شابة مضمونة الولاء.
هذه «البنية التحتية» العميقة التي تعمل السلطة على إرسائها بثبات، تفترض ضمناً إخضاع قسم وازن من السكان لن يتقبلوها طوعاً، لا يقتصر على الجماعات العلوية والدرزية والكردية (والمسيحية والإسماعيلية واليزيدية والشيعية و…اليهودية العائدة مؤخراً)، بل يشمل أيضاً الاعتدال السني المديني وقسماً من البنية العشائرية المتنوعة، وبالطبع التيارات السياسية – الإيديولوجية العابرة للهويات الأهلية على ضآلة تأثيرها الاجتماعي حالياً في ظل بروز الانتماءات ما تحت الوطنية. هذا الإخضاع يعني ويتطلب نظاماً دكتاتورياً بوليسياً كان نظام الأسد أكثر براعةً في إقامته، في حين يحتاج الحكم الجديد الهش إلى وقت طويل لاستنساخه وتمكينه.
ولكن، بعيداً عن «نوايا» السلطة أو مشروعها العميق، ماذا يريد السوريون؟
وفقاً لاستطلاع رأي أجراه فريق RMTeam International بالتعاون مع صحيفة فورين بوليسي الأمريكية، يحظى أحمد الشرع بثقة 81 في المئة من المستطلعة آراؤهم، مقابل 71 في المئة للحكومة القائمة في حين تنخفض نسبة المطالبين بنظام ديموقراطي إلى 70 في المئة!
شمل الاستطلاع 1229 شخصاً «متنوعي الانتماءات والمناطق» بحسب عرض له في موقع «تلفزيون سوريا» الإخباري، مع الإشارة إلى أن هذه النسب تختلف في بعض المناطق التي لديها مشكلة مع السلطة المركزية! وتجب الإشارة إلى أن المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد» لم يشملها الاستطلاع.
بخلاف ما يريد إعلام السلطة استنتاجه من هذه الأرقام (شعبية كاسحة للشرع، وبدرجة أقل حكومته، تغني عن تنفيذ التوصيات الأممية بشأن حكومة شاملة) فهي مقلقة إذا دققنا فيها النظر، حتى لو اعتبرناها دقيقة في عكسها المزاج العام للسوريين. فلا يُعقل أن تنطبق النسب المشار إليها على الجماعات العلوية والدرزية بعد مجزرتي الساحل والسويداء، وبالطبع المناطق الكردية التي استُبعدت أصلاً من استطلاع الرأي. فإذا كانت شعبية الشرع تبلغ 81 في المئة بين السنّة فقط، فهذا يرجّح السبب الطائفي وحده في هذا التأييد، وهو ما يجد انعكاساً شفافاً له على وسائل التواصل الاجتماعي، معبراً عنه بعدوانية شديدة تجاه أي نقد للسلطة، وخوف من عودة نظام الأسد.
هذا مقلق من وجه آخر، بصرف النظر عن مقاصد السلطة، عنيتُ به أن هذا الاستقطاب الاجتماعي الحاد بين مؤيدي الحكم (والشرع بصورة خاصة) ومعارضيه، من شأنه، ما لم يعالج بعقلانية، أن يمضي بنا إلى تشظي الكيان السوري. فبعيداً عن منطق «نحنا الدولة ولاك!» وبلغة موازين القوى والشروط الإقليمية والدولية، ليس أمام سوريا إلا أحد خيارين: إما دولة مؤسسات حديثة بنظام ديموقراطي لا يستبعد أياً من المكونات الوطنية، أو تفكك الكيان إلى كيانات متعازلة. المراهنة على أن المجتمع الدولي لا يريد تقسيم سوريا لا تكفي للحفاظ على وحدتها. فالمجتمع الدولي يريدها موحدة ومستقرة، لا موحدة بالإخضاع كقنبلة موقوتة.
فأيهما يختار السوريون؟
كاتب سوري.. القدس العربي