لعقود من الزمن، توهّمت منظومات شمال الأطلسي أن أنظمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاستبدادية كانت حصوناً منيعة ضد الفوضى الإقليمية والتطرف الإسلامي وتعطل أسواق الطاقة العالمية. غير أن حوادث 2011 وما تلاها من سفك دماء في سوريا وليبيا برهنت على أن هذا الاستقرار سرابٌ في سراب، شُيّد على أسس الإقصاء والقمع.
الحساب الخاطئ
الأمثولة الأساسية التي عجزت القيادات الغربية عن استيعابها هي أن دعم الاستبداد مسعى ينسف نفسه بنفسه، وينتج فعلياً من عدم الاستقرار الذي يسعى إلى منعه. فخرافة الاستقرار قادت الولايات المتحدة وأوروبا عبر التاريخ إلى تقديم المساعدات العسكرية والاستخبارية والغطاء الديبلوماسي لأنظمة كانت هشة في جوهرها. حطّم الربيع العربي الوهم بأن هذه الأنظمة متينة، لكن عودة الغرب لاحقاً لدعم بعض “الزعماء” العرب تعكس رفضاً عنيداً للتخلي عن النموذج التقليدي.
رسم التحليل الغربي تفاصيل ما سمّاها “فقاعة ديموغرافية” من الشباب المتعلم والمهمش اقتصادياً بوصفه محركاً أساسياً لاحتجاجات 2011. فهؤلاء وُلدوا في دول لم تكن المشاركة السياسية فيها ممكنة، وكانت الفرص الاقتصادية مقصورة على نخبة ضيّقة متصلة بالعشائر الحاكمة. كان إضرام محمد البوعزيزي النار في نفسه في تونس بمثابة الشرارة، لكن الوقود كان عقوداً من الذل على أيدي موظفين صغار، وغياب تام للكرامة داخل العقد الاجتماعي – الحكومةيرى “معهد كاتو” وأصوات ناقدة أخرى أن الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط ليست حصناً منيعاً ضد الفوضى، بل هي محركات رئيسية لعدم الاستقرار الإقليمي. بلجم جميع أشكال المعارضة العلمانية السلمية، تركت هذه الأنظمة المسجد مكاناً وحيداً لحياة اجتماعية وسياسية منظمة، ما ضمن أن أي تحدٍّ للوضع القائم سيتخذ شكلاً إسلامياً. سمح الدعم الغربي لهذه الجهات بالتصرّف بلا حسيب أو رقيب، وهذا أجّج الشكاوى التي أدّت إلى صعود “داعش” والمجموعات المتطرفة الأخرى.
زواج الديموقراطية والمصالح الاستراتيجية
كان من أشد الدروس ألماً للحكومات الغربية إدراكها أن انتخابات حرة ونزيهة في العالم العربي ستسفر حتماً عن انتصار الإسلام السياسي، الذي سيتولى بدوره تخريب الدول لا تعميرها. قدّم ظهور “الإخوان المسلمين” في مصر و”النهضة” في تونس و”حزب العدالة والتنمية” في المغرب معضلة “ذات وجهين” للغرب الذي خاف من العواقب الاستراتيجية لشرق أوسط يقوده إسلاميون.
استفادت جماعة “الإخوان” في مصر من هياكل تنظيمية وخطط تمويل استغرق نسجها عقوداً، ما سمح لها بالهيمنة على حقبة ما بعد حسني مبارك. تميز الرد الغربي، ولا سيما من إدارة أوباما، بموقف حذر ومتناقض. أشار المراقبون الغربيون إلى إخفاقات حرجة خلال هذه الفترة: عجز الحوكمة (افتقر الإخوان إلى الخبرة في الشؤون الحكومية والإدارة الاقتصادية)، والتجاوز الأغلبوي (انتقدت حكومة مرسي لسعيها نحو أجندة سياسية حصرية أدت إلى انهيار الإجماع حول الدستور الجديد)، وصمود الجيش (بقيت القوات المسلحة قوة مهيمنة، فشل الغرب في الضغط عليها بفعالية في أيام الثورة الأولى). قوبل انقلاب 2013 العسكري الذي أطاح مرسي بصمت غربي، وهي خطوة فسّرها كثيرون بأنها عودة إلى نموذج “الاستقرار أولًا”.
