بادية فحص .. موقع درج
هناك تجارب إنسانية في العالم، تثبت أن التغييرات السياسية الكبرى غالباً ما كانت نتاج حركات أفقية لا مركزية، فحركة “زن زندكي آزادي” الإيرانية، على سبيل المثال، التي تفتقر إلى قيادة مركزية، استطاعت أن تُحدث تغييراً هيكلياً داخل البلاد.
بعد مرور أيّام عدة على اعتقالها، تمكّنت المناضلة الحقوقية الإيرانية نرجس محمّدي، من إجراء اتّصال هاتفي مع عائلتها، وأبلغتها أن السلطات الأمنية وجّهت إليها تهمة “التعامل مع إسرائيل”.
محمّدي شاركت يوم الجمعة الماضي في مدينة مشهد، في مراسم تأبين المحامي والناشط الحقوقي خسرو علي كردي، الذي أثارت وفاته بسكتة قلبية مفاجئة في مكتبه، جدلاً واسعاً في أوساط المعارضة الإيرانية، لا سيّما بعد مصادرة السلطات الأمنية الكاميرات المنصوبة على مداخل المبنى الذي قضى فيه، ومنع محاميه من الوصول إليها.
كان خسرو علي كردي عضواً في “جبهة خراسان الوطنية”، وهو تنظيم مدني معارض له هويّة وطنية جامعة، استغلّ مهنته ومكتبه للدفاع عن السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية وأصولهم القومية، حتى أصبح رمزاً للمقاومة المدنية والنضال السلمي، لذا من الطبيعي أن يأخذ تأبينه بعداً وطنياً، وتشارك فيه أطياف المعارضة الإيرانية كلّها.
ما حصل ساعة التجمّع، بحسب بيان أصدرته “جبهة خراسان الوطنية”، أن شبّاناً غير معروفين لدى المشاركين، دخلوا إلى باحة المسجد الذي أُقيم فيه التأبين، وشرعوا بالتشويش على الخطباء، عبر ترديد هتافات مستفزّة، وحين اعتلت محمّدي المنصّة، لم يكتفِ الشبّان بالهتاف ضدّها، بل رشقوها أيضاً بالحجارة. ويُظهر مقطع تسجيلي لحظة إصابة محمّدي بحجر أثناء إلقاء كلمتها، بعدها دخل الاستفزاز مرحلة متقدّمة، فحاصرت قوّة أمنية المكان، وانقضّت على المشاركين مستخدمة الهراوات وأعقاب البنادق، وأنهت الاحتفال، بعدما اعتقلت 40 شخصاً من بينهم محمّدي.
وذكرت مواقع تابعة للمعارضة الإيرانية، أن محمّدي تلقّت ضربات متواصلة وقوّية بالهراوات على رأسها ورقبتها، وقال لها أحد رجال الأمن “سنجعل والدتك تحزن عليك”، وكان الاعتداء عنيفاً استدعى نقلها مرّتين إلى غرفة الطوارئ خلال يومين متتاليين بعد احتجازها.
وقالت محمّدي في مكالمتها الهاتفية المقتضبة مع عائلتها، إن حالتها الصحّية ليست على ما يرام، لكنّ حالتها النفسية جيّدة، في حين ذكرت عائلتها في بيان نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي، أنه استناداً إلى إفادات عدد من المشاركين “اندفع أكثر من 15 شخصاً، للاعتداء على نرجس، كان بعضهم يمسك بشعرها ويشدّه، بينما كان آخرون يضربونها بالهراوات والعصي”، وقال آخرون “إن من بين المجموعة التي اعتدت على محمّدي أشخاصاً يبدو أنهم ليسوا إيرانيين، إذ سمعناهم يشتمونها بفارسية ثقيلة، ومن المحتمل أن يكونوا عناصر من ميليشيات شيعية مدرّبة على القمع، تُقيم في إيران”.
المدّعي العامّ الثوري في مشهد أعلن عن اعتقال 39 شخصاً، خلال مراسم تأبين خسرو علي كردي، ولا يزالون جميعاً رهن الاحتجاز، من بين المعتقلين الناشطات الحقوقيات سبيده قوليان وبوران ناظمي وعلياء متبال زاده المصابة بالسرطان، وجواد علي كردي شقيق خسرو، وهو محامٍ أيضاً، ومعتقل سابق يقضي عقوبة مع وقف التنفيذ، واتّهمه المدّعي العامّ بإدارة احتفال يوم الجمعة وتنظيمه، بينما اتّهمه موالون للنظام بأنه مؤيّد لنتانياهو، في حين قال علي كردي، في مقطع فيديو نشره في أعقاب المواجهة، إنه كان منشغلاً داخل المسجد بالاستعداد للاحتفال عندما أبلغوه أن القوّات الحكومية حاصرت المسجد، وعندما خرج إلى الباحة رأى أعداداً كبيرة من ضبّاط المخابرات وقوّات مكافحة الشغب والشرطة ينكّلون بالمحتفلين.
بعد الحادثة، أصدر الاتّحاد الأوروبي بياناً دعا فيه إلى إطلاق سراح محمّدي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، بينما نشرت زميلتها في النضال والاعتقال نسرين ستوده، تصريحاً قالت فيه إنها وصلت إلى الموقع بعد فضّ التجمّع، بسبب تأخّر رحلتها، “وعلى الرغم من عدم وجود أي شخص في باحة المسجد، كان عناصر البسيج لا يزالون يتدفّقون بأعداد كبيرة، يرتدون القمصان السود ويحملون الهراوات”.
في المعنى السياسي لمشهد تخريب الاحتفال التأبيني لخسرو علي كردي واعتقال هذا العدد من الناشطين الحقوقيين البارزين، يوضح معارضون إيرانيون أن الاحتفال لم يكن مجرّد ذكرى وفاة عزيز، بل كان تذكيراً بأن إحياء إرث المناضلين، هو جزء من النضال من أجل الكرامة الإنسانية، ونوع من الاعتراض السياسي والمقاومة المدنية السلمية.
فالمحامي خسرو علي كردي، لم يكن مجرّد محامٍ قدير وقارئ قضايا محترف، بل كان أيضاً مدافعاً حقوقياً شجاعاً، خسارة شخص مثله بالنسبة إلى المعارضين الإيرانيين وبخاصة الكرد، هو غياب صوت يناضل لمستقبل أفضل لشعبه، ولمجتمع أكثر عدالة ومساواة، لذلك تحوّل مشهد الاحتفال إلى مواجهة مع النظام، أو إلى معنى يتجاوز العواطف ويتمركز في السياسة.
فالمجتمع الإيراني الذي فقد معظم مساحات التعبير والحرّية، اضطرّ إلى تحويل المناسبات الاجتماعية إلى مساحة للممارسة السياسية، وما حدث في مشهد يقدّم مثالاً واضحاً على كيفية تحوّل احتفال تأبيني إلى فعل احتجاجي. حين تصادر السلطة الشارع وتحتكره، تغدو حركة الناس اليومية سياسة، وتتحوّل الطقوس الاجتماعية إلى لحظات تُعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، فتكتسب أفعال الناس ثقلاً سياسياً، وتصبح الاحتفالات العادية استعادة للمساحة، للحقّ في الخروج، للحقّ في الظهور، وللحقّ في اللقاء.
لطالما شكّلت هذه الطقوس بما تحمله من قيم رمزية راسخة في الوجدان الجمعي، بنى تحتية لتحوّلات اجتماعية وسياسية كبرى، إذ بإمكان أيّ نظام أن يفضّ تجمّعاً، لكنه يعجز عن محو معناه في الذاكرة الجماعية.
في هذا السياق، اعتبر معارضون إيرانيون فضّ التجمّع في مشهد والاعتقالات التي تلته، مؤشراً واضحاً إلى خوف النظام وارتباكه، فهو على رغم قمعه الوحشي، يدرك أنه ليس بمقدوره القضاء على توق الإيراني إلى الحرّية، ويعلم أن الحركة الاعتراضية في إيران، غير مركزية وليس لها رأس، وبالتالي لن تنهار باعتقال بعض الشخصيّات أو إزاحتهم.
هناك تجارب إنسانية في العالم، تثبت أن التغييرات السياسية الكبرى غالباً ما كانت نتاج حركات أفقية لا مركزية، فحركة “زن زندكي آزادي” الإيرانية، على سبيل المثال، التي تفتقر إلى قيادة مركزية، استطاعت أن تُحدث تغييراً هيكلياً داخل البلاد.
منذ فشل “الحركة الخضراء” وزعمائها مهدي كروبي ومير حسين موسوي وزهرا رهنورد، في قيادة التغيير في إيران، لأسباب متشابكة على رأسها قمع النظام الدموي، تحوّلت حركة الاعتراض في إيران إلى حركة أفقية، أي إلى شبكة واسعة من الأفعال الصغيرة اليومية.
حركات اعتراض لا قائد لها ولا مركز، وانتفاضة إثر أخرى، أثبت الشعب الإيراني أنه ليس ضرورياً أن تكون المقاومة مسلّحة… فالأفعال الرمزية، مثل العصيان المدني والتظاهر، وخلق رواية مضادّة للرواية الرسمية، وخلع الحجاب في الأماكن العامّة، كلّها أساليب فعّالة للمقاومة.في هذا المعنى، لا يمكن قراءة ما حدث في مشهد بوصفه حادثة أمنية معزولة، بل باعتباره انعكاساً لمأزق بنيوي يواجهه النظام الإيراني، الذي بات يدرك أن الحركة الاعتراضية لم تعد مركزية ولا قابلة للاحتواء، وأن البلاد تشهد حراكاً أفقياً: النساء تمرّدن على الحجاب، وجيل الشباب لم يعد يتقبّل النظام، والمناسبات الاجتماعية تتحوّل إلى أفعال مقاومة وأشكال اعتراض سياسي.