رنا ممدوح
كنت أناقش زوجي في السماح لابنتنا مريم بركوب المواصلات العامة بمفردها، إذ أتمّت خمسة عشر عاماً. وبين اتفاقِنا على أن الوقت حان لتخوض التجربة، وقلقِنا من المضايقات التي قد تواجهها، فوجئنا بانتشار فيديو أُطلق عليه “مسنّ عربة المترو”، صار حديثَ مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية في مصر. في الفيديو يظهر عجوزٌ صعيديٌ ينهر فتاةً لأنها تجرأت وجلست واضعةً ساقاً على أخرى أمامه. استفزّت هذه الجلسةُ الرجلَ وصاح غاضباً في الفتاة أن تعتدل، إذ عدّها فعلاً ينافي الأخلاق، مستغرباً “ينفع الرجالة كلّها قاعدة وهي حاطّة رِجل على رِجل؟”.
وجدتُني أسأل عن أيّ أخلاقٍ يتحدث هذا الرجل؟ ومن يملك تعريف الأخلاق في الفضاء العامّ؟ ومن أين امتلَكَ هذا الاستحقاق؟ وكيف تتحول النساء وأجسادهن إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للتأديب الاجتماعي.
لم يكن هذا العجوز سوى معبّرٍ عن منطقٍ اجتماعيٍ لا يرى في المرأة فرداً حرّاً في اختياراته و سلوكه، بل موضوعاً دائماً للمراقبة والتقويم والتأديب إن لزم الأمر. ثقافةٌ ذكوريةٌ ترسّخ “صورةً متخيَّلةً عن النساء” بأنهنّ أقلّ مرتبةً من الرجال، وأنّ أجسادهن وتصرفاتهن يجب ألّا تخرج عن تلك الصورة، وأنّ أيّ محاولةٍ منهنّ لكسرها تهديدٌ خطير.
زاد قلقي على مريم، غير أنّ بعضاً من الطمأنينة أحاطتني وأنا أجول بين مقالات الفراتس هذا الأسبوع. فعلى اختلاف موضوعاتها، وتباعد سياقاتها الزمنية والجغرافية، التقت جميعها عند فكرةٍ واحدة: أنّ الأزمات مهما تنوّعت توقظ في الأفراد والجماعات دافعاً داخلياً للبحث عن وسائلهم الخاصة للتكيّف، والصمود، والبقاء.
*****
في المقالة الأولى لهذا الأسبوع، كشفت الباحثة الفلسطينية رنا حسنين عن نماذج حيّةٍ من نساءٍ في غزّة، شاهداتٍ على تجربة أكثر من خمسةٍ وسبعين ألف امرأةٍ أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن. نساءٌ واجهن القسوة وحدهنّ، وصنعن من الصبر نظاماً للحياة.
أمّ أيهم وأمّ توفيق وأمّ عبيدة وأمّ عايش وخديجة وغيرهن، أظهرن قوّةً خفيّةً أعادت ترتيب الحياة داخل مخيمات النزوح. مع غياب الرجال قسراً، قتلاً أو اعتقالاً أو نزوحاً، تقدّمت النساء لتحمّل مسؤولياتٍ لم يخترنها، وقُدن أُسَراً ومصائر. شكّلن لجاناً عرفيةً مصغّرةً تولّت الفصل في الخلافات وحراسة ما تبقّى من نسيجٍ اجتماعيٍ مهدَّدٍ بالتمزق. قادت أمّ أيهم وأمّ توفيق شؤون مخيم “الكتاب والسنة” في مواصي خان يونس، ونجحتا في احتواء نزاعاتٍ حادّةٍ بين العائلات. أمّا أمّ عبيدة أُسند إليها إدارة مخيمٍ للأيتام، بتوافق الرجال والنساء معاً، وترأّست أمّ عايش لجنةً نسويةً لتوزيع المساعدات الغذائية والصحية، في حين أسّست خديجة “لجنة صحة المرأة والطفل”.
لم تكن هذه المشاركة تعبيراً عن موجة تحرّرٍ نسويٍ بقدر ما كانت استجابةً قاسيةً للضرورة. إذ بات البقاء الاجتماعي مشروطاً بالقدرة على اتخاذ القرار وإدارة النزاعات اليومية. حتى المجالس العرفية، التي كانت حكراً على الرجال، هزّت الحرب أُسسها لتجد النساء أنفسهن في مواجهة أدوارٍ جديدةٍ، تبدأ من تنظيم الخصوصية داخل الخيام، ولا تنتهي عند فضّ نزاعاتٍ عميقة.
لكن طريق الغزّاويات لم يكن مفروشاً بالورود بل بالريبة والتحفظ والشكّ من بعض الرجال. لكنهم رضخوا في النهاية أمام الواقع الجديد.
كما لجأت النساء الغزيات إلى القيادة بوصفها فعل مقاومةٍ في مواجهة الفقد والانهيار، تفتح لنا الصحفية المغربية آسية العمراني نافذةً أخرى على إحدى قوى النساء الخفيّة: التشافي بالكتابة.
هنا لا تعدّ الكتابة ترفاً بل تتحول إلى مساحةٍ لكسر الصمت، وإلى فعلٍ شجاعٍ للإفصاح عن الصدمات التي تعيشها النساء ويتحمّلن آثارها النفسية والجسدية.
تنقل لنا آسية ثلاث تجارب نسائيةٍ تكشف عن هذا المسار العلاجي بالكتابة. الأولى من الكاتبة التركية إليف شافاق في كتابها “حليب أسود”، الذي أنقذها من اكتئاب ما بعد الولادة في عمليةٍ وصفتها بالإنقاذ البطيء.
أما التجربة الثانية، فتتمثل في تجربة الكاتبة ريم نجمي في كتابها “تشريح الرغبة”، إذ خاضت رحلةً مؤلمةً لتفكيك آثار الانفصال العاطفي وما خلّفه من اضطرابٍ داخلي. عبر تقنية التراسل مع الزوج السابق، تحولت الرسائل إلى رياضةٍ روحيةٍ يوميةٍ، وإلى ما يشبه المهدئات النفسية أو مضادات الاكتئاب، تمنحها القدرة على الاستمرار، وعلى فهم الألم بدل الهروب منه.
التجربة الثالثة مع الشاعرة إيمان مرسال في كتابها “كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها”، إذ تكشف عن الهامش المسكوت عنه خلف خطاب الأمومة المثالية. تنطلق مرسال من تفكيك تجربتها الشخصية، وصراعها مع الشعور بالذنب والوحدة، لتفضح الصورة النمطية المفروضة على الأمّ. في سردها، تبدو الأمومة تجربةً تحتاج أحياناً إلى اختراعها من جديدٍ، خاصةً حين تُعاش في عزلةٍ ثقيلةٍ بعيداً عن القوالب الجاهزة.
وتخلص آسية العمراني إلى أن الكتابة النسائية لا تبقى حبيسة التجربة الفردية، بل تتجاوزها لتغدو فضاءً مشتركاً. فعندما تقرأ النساء تجارب ألمٍ تشبه آلامهن، يجدن فيها مرآةً لأعماقهن، ما يخفّف من وطأة العزلة النفسية ويُسرّع مسار التعافي. هكذا تتحول المعاناة الفردية إلى وعيٍ جماعيٍ، ولا تقتصر الكتابة المنبثقة من عمق التجربة على كونها فعلاً إبداعياً فحسب، بل تصبح شكلاً من أشكال البقاء.
ولا نزال مع حكايات النساء. لكن مسار الصمود هذه المرّة يجتاز المحيط إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تصحبنا زميلتنا هبة أنيس في جولةٍ بين الولايات لاستكشاف تجربةٍ امتدت ثلاثة عقودٍ في مواجهة العنف ضد المرأة. تجربةٌ حاولت أن تصوغ البقاء في نصٍّ قانونيٍ، واتخذت من قانون مكافحة العنف ضد المرأة ركيزةً أساسيةً لمقاومة الإقصاء وحماية الحقّ في الحياة الآمنة.
تكشف التجربة الأمريكية، منذ إقرار القانون سنة 1994، أن التشريع كان خطوةً ضروريةً في معركة البقاء، لكنه لم يكن كافياً وحده لإنهاء العنف أو إنصاف الضحايا بالكامل. ومع مرور الزمن، تحوّل القانون إلى مرآةٍ تعكس التفاوتات العميقة داخل المجتمع الأمريكي. وتبيّن هبة أن الحقوق لا تُنال بالنصوص وحدها، وأنّ أيّ قانونٍ مهما بلغت صرامته يظلّ هشّاً ما لم تُسنده منظومةٌ مجتمعيةٌ قادرةٌ على إنفاذه وحمايته من التآكل.
مع ما حققه القانون من إنجازاتٍ، كُشف مع الوقت عن ثغراتٍ تنفيذيةٍ قلّصت نطاق الحماية، ودفعت بفئاتٍ مهمشةٍ إلى خارج مظلة القانون، وفي مقدمتهن نساءٌ من أصولٍ مهاجرةٍ، مثل العربيات المقيمات في الولايات المتحدة. كذلك وُجّهت للقانون انتقاداتٌ لقصوره عن الاعتراف بالعنف الاقتصادي والنفسي بوصفهما شكلين أصيلين من أشكال العنف ضد المرأة. وهو ما يفضي إلى خلاصةٍ واضحة: إن التعويل على القانون وحده، دون تغييرٍ ثقافيٍ ومجتمعيٍ عميقٍ، لا يكفي لإنجاز العدالة المنشودة للنساء.
ومن النساء في أمريكا إلى نضال الحراطين في موريتانيا لتحويل مظلوميتهم إلى رصيدٍ رمزيٍ ووجودٍ سياسيٍ. يأخذنا الكاتب والباحث إبراهيم أحمد الشيخ سيديا في رحلةٍ من بروكسل إلى نواكشوط، قبل الاستقلال وبعده، ليكشف عن ملامح التراتبية الاجتماعية التي تشكّلت في موريتانيا على مدى قرونٍ من العلاقات القبلية والرعوية. نشأت هذه التراتبية في سياقٍ اتّسم بغياب سلطةٍ مركزيةٍ قويةٍ قبل مجيء الاستعمار، ما أفرز منظومةً من التبعيات الشخصية، كان من أبرز تجلياتها ظهور علاقات رقٍّ وتبعيةٍ ارتبطت بالأوضاع الاقتصادية والحربية السائدة آنذاك.
الحراطين، شريحةٌ اجتماعيةٌ واسعةٌ من ذوي البشرة السمراء، ينحدر معظم أفرادها من أُسرٍ كانت خاضعةً في الماضي لعلاقات رقٍّ أو تبعيةٍ داخل البنية القبلية التقليدية. ومع أن مظلوميتهم تُعدّ الأبرز فإنها لم تكن الوحيدة، إذ عُرفت مجموعاتٌ أخرى، مثل الولوف والسونينكي والفلان، أنماطاً مختلفة من التراتب الاجتماعي الموروث، وإن ظل حضور قضاياها في المجال العامّ أقلّ كثافة.
ما يميز الحراطين هذا الوعيُ الذي تكوّن لديهم مع انطلاق مرحلة بناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال في محاولةٍ لتجاوز واقعهم الهشّ داخل بنية الدولة الاجتماعية. تأسست حركة “حر” سنة 1978 لتحرير الحراطين وانعتاقهم. ورفعت مطالب المساواة والاعتراف بمواطنتهم الكاملة، ما أسهم في تهيئة المناخ السياسي لصدور مرسوم 1981 القاضي بإلغاء الرقّ رسمياً.
يأخذنا الكاتب في جولةٍ تاريخيةٍ لصعود حركات انعتاق الحراطين وهبوطها، وتأثير اندماج قياداتهم في أجهزة الدولة. تطورت خطابات حركاتٍ أخرى انبثقت منها وقدّمت خطاباً أكثر حدّةً، لكنه واجه انتقاداتٍ بأنه يكرس خطاب الاضطهاد من دون معالجة جذوره البنيوية، فلا يحرّر المهمّشين، بل يُبقيهم أسرى زعاماتٍ تتغذّى على مأساتهم، محوّلةً النضال الحقوقي إلى رأسمالٍ انتخابيٍ بدل أن يكون رافعةً لمشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ يتجاوز الانقسامات الضيقة.
في المقالة الخامسة، ينكشف وجهُ هذا النضالِ الأشدُّ قسوةً ، إذ يقودنا الصحفي فضل يوسف في رحلةٍ تبدأ من محافظة الشرقية في مصر وتنتهي في عتمة شبكات التهريب العابرة الحدود، كاشفاً عن خيوط “إمبراطورية أبو سلطان”. وهي شبكةٌ تتغذى على أحلام الراغبين في الهجرة ولا يمتلكون الفرصة الشرعية.
يقود الشبكةَ جنديٌّ في صفوف الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد. وتتخذ من مدينة طبرق مركزاً لإدارة أذرعها المتشعبة الممتدة داخل الريف المصري. في تحقيقه، يتتبع فضل قصة الفتى كامل، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة حين غادر قريته بمحافظة الشرقية في 25 مايو 2023، متجهاً إلى ليبيا عبر وسطاء الشبكة، بعدما نُقل إليها مجاناً تحت وعودٍ بعبورٍ آمِنٍ إلى أوروبا.
ما إن وصل كامل إلى طبرق حتى وجد نفسه محتجزاً في إحدى مزارع أبو سلطان، ليُجبَر على الاتصال بأسرته ومطالبتها بدفع تكاليف الرحلة من مصر إلى ليبيا، ثم إلى أوروبا. وخلال انتظار تحويل الأموال إلى وسطاء الشبكة المنتشرين في الريف المصري، أُجبر كامل ومن معه على العمل القسري دون أجرٍ، وتعرّضوا للتعذيب بوصفه وسيلة ضغطٍ حتى تُسدَّد المبالغ المطلوبة.
وفي مساء التاسع من يونيو 2023، أبحر كامل مع مئات المهاجرين باتجاه إيطاليا على متن مركب صيدٍ متهالكٍ تابعٍ للشبكة يُدعى “المتوكل”. وبعد أيامٍ، في الرابع عشر من يونيو، أُعلن عن غرق المركب قبالة السواحل اليونانية. منذئذٍ، انقطع أثر كامل ورفاقه الذين كانوا على متن المركب. ومع أن والدته تواصلت مع أبو سلطان عقب الحادث، وادّعى لها أن ابنها بخيرٍ، أُدرج اسم كامل لاحقاً ضمن قائمة المفقودين.
وبعد عامين من الغموض الذي يحيط بمصير كامل، لم يُلقَ القبض على أبو سلطان، بل تشير الوقائع إلى اتساع نفوذه واقترابه من قيادات الكتيبة 2020، التي أُسّست أصلاً لمكافحة الهجرة غير النظامية وتجارة المخدرات في الجيش بشرق ليبيا. ولا تزال شبكته تنشط بين مصر وليبيا، فيما تواصل قواربها الإبحار من السواحل الليبية، محمّلةً بمهاجرين يقامرون بحياتهم مدفوعين بأمل الوصول إلى أوروبا.
*****
بعد رحلتي مع المقالات الخمس، وجدتُني أعود إلى سؤالي الأول حول ركوب ابنتي المواصلات العامة، لكن من منظورين مختلفين.
الأول استلهمتُه من تجربة نساء غزة، اللاتي صنعن أداتهن للدفاع عن النفس منطلقاتٍ من الضرورة لا الرغبة. فالحضور في الفضاء العامّ لم يكن لهنّ خياراً مؤجلاً أو موضوعاً للنقاش الأسري، بل شرطاً للبقاء ومواجهةً قاسيةً مع واقعٍ لا يترك بدائل.
أما المنظور الثاني، فجاء من كتابات “التشافي”، إذ لا يُقاس الصمود بالقوة وحدها، بل يُفهم بوصفه ممارسةً للرعاية وتراكماً بطيئاً للثقة، خطوةً بعد أخرى.
بين هذين الدرسين، أعدتُ النظر في قرار ركوب مريم المترو بمفردها. لم يعد يبدو لي تحدّياً يُخاض لإثبات الاستقلال، ولا خطراً يجب الفرار منه البتّة، بل تجربةً تتطلب التدرّج، والدعم، والوعي بالمساحة التي تتحرك فيها. فأن تكبر مريم قويةً لا يعني أن تُترك وحدها في مواجهة فضاءٍ عامٍّ لم يتصالح بعدُ مع النساء، بل أن تتعلّم كما علّمتني نساء غزة، وكما يذكّرنا مسار التشافي أن القوة الحقيقية تبدأ بحماية الذات، وأن البقاء أحياناً هو أشجع أشكال المقاومة.
المصدر مجلة الفراتس