سركيس قصارجيان… كاتب
شكّل هجوم تدمر نقطة انعطاف حاسمة في المسار الأميركي تجاه سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد. فمقتل جنود أميركيين في أوّل تواصل ميداني مع القوات السورية الجديدة، وعلى يد عنصر أمن منتمٍ في السابق لتنظيم “داعش”، لا يمكن اعتباره مجرد اختراق أمني خطير فقط، وإنما دليلاً على انعدام التوازن بين الطموحات السياسية الأميركية والواقع المؤسسي الهش على الأرض السورية.
الحدث أعاد فتح نقاش عميق داخل واشنطن حول جدوى الانخراط السريع مع دمشق، وحدود الضغط على قوات سوريا الديمقراطية للاندماج في جيش وطني لم تتبلور هويته بعد. كما تسلط الضوء على تصاعد الصراع غير المعلن بين الجناح الدبلوماسي الذي يرى في سوريا ساحة لإعادة توظيف النفوذ الأميركي، والجناح العسكري الذي يركز على إدارة المخاطر ومنع تكرار نماذج الفشل في العراق وأفغانستان.
هجوم تدمر لن يغيّر فقط إيقاع السياسة الأميركية، بل سيعيد ترتيب مواقع الفاعلين المحليين، مع تعزيز موقع “قسد” بوصفها شريكاً أمنياً لا غنى عنه في المدى المنظور، مقابل تراجع الثقة بقدرة دمشق على لعب دور مركزي في مكافحة الإرهاب دون إصلاحات عميقة وبطيئة.
أولاً: هجوم تدمر من حادث ميداني إلى اختبار استراتيجي
لم يكن الهجوم الذي استهدف قوات أميركية خلال نشاط تنسيقي مشترك قرب مدينة تدمر في الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر 2025 حادثاً أمنياً معزولاً، بل شكّل لحظة كاشفة للمنطق الذي قامت عليه المقاربة الأميركية لسوريا في مرحلة حكم الشرع. ففي توقيت بالغ الحساسية، حيث كانت واشنطن تحاول هندسة انتقال محسوب من نموذج الشراكة العسكرية الحصرية مع قوات سوريا الديمقراطية إلى صيغة أكثر شمولاً تشمل الحكومة السورية الانتقالية، جاء الهجوم ليصطدم مباشرة مع الافتراضات السياسية التي رافقت هذا التحول، ويعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن للدبلوماسية أن تسبق الأمن في بيئة لم تُحسم فيها معركة الدولة بعد؟
لا يمكن فهم هجوم تدمر بمعزل عن السياق البنيوي للدولة السورية بعد انهيار النظام السابق. فالدولة التي ورثتها السلطة الانتقالية ليست جهازاً موحداً أعيد تشغيله، بل كياناً أعيد تجميعه على عجل من شبكات أمنية متباينة الولاءات والخلفيات.
سعت القيادة السورية الجديدة، بدفع وتشجيع إقليمي وغربي، إلى ملء الفراغ الأمني بسرعة خوفاً من استبدالها، فاعتمدت سياسة دمج واسعة شملت مقاتلين من فصائل متعددة، بعضها قاتل النظام، وبعضها حافظ على علاقات رمادية مع تنظيمات جهادية، وبعضها الآخر انخرط في تسويات اضطرارية. هذه المقاربة، رغم ضرورتها السياسية، حملت في طياتها مخاطر أمنية جسيمة.
في هذا الإطار، جاء هجوم تدمر كترجمة عملية لفشل الانتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “بناء المؤسسة”. فالعملية لم تقع خلال اشتباك مع “داعش” في عمق الصحراء، بل أثناء نشاط تنسيقي يفترض أنه آمن، ما يجعل الرسالة أكثر خطورة: الخطر لم يعد فقط في الأطراف الخارجة عن السيطرة، بل في قلب الأجهزة الناشئة نفسها.
ثانياً: أزمة الثقة وعودة شبح الهجمات الداخلية
أعاد الهجوم إلى الواجهة أكثر السيناريوهات رعباً في الذاكرة العسكرية الأميركية: هجمات (Green-on-Blue). هذا النوع من الهجمات لا يُقاس بعدد الضحايا فحسب، بل بتأثيره التراكمي على الثقة، والانضباط، واستعداد القوات للعمل المشترك.
من منظور أمني، أبرزت الحادثة ثلاثة اختلالات رئيسية:
أولاً، ضعف آليات التدقيق الأمني والاستخباراتي داخل القوات السورية الجديدة، سواء على مستوى جمع المعلومات أو تبادلها مع الشركاء الأميركيين.
ثانياً، غياب ثقافة مؤسسية واضحة داخل هذه القوات، حيث لا تزال الروابط الشخصية والأيديولوجية تتقدم على الانتماء المهني.
ثالثاً، هشاشة بيئة العمليات المشتركة، التي لم تُختبر تدريجياً بل فُرضت سياسياً بوتيرة سريعة.
بالنسبة لسنتكوم، فإن هذه المعطيات تعني عملياً أن أي توسع في العمليات المشتركة دون إعادة هيكلة جذرية للمنظومة الأمنية السورية يُعد مقامرة غير محسوبة، قد تؤدي إلى خسائر إضافية، أو إلى انسحاب قسري لاحق بشروط أسوأ.
ثالثاً: الانقسام داخل واشنطن – صدام المقاربات
1- الرؤية الدبلوماسية: سوريا كفرصة لإعادة التموضع
منذ أواخر عام 2024، تحرّكت السياسة الأميركية في سوريا ضمن مساحة رمادية بين الانخراط والحذر. فعلى المستوى الخطابي، سعت إدارة ترامب إلى إظهار استعدادها للتعامل مع الواقع الجديد في دمشق، مدفوعة بجملة اعتبارات متداخلة، من بينها الرغبة في منع فراغ استراتيجي قد تملؤه قوى منافسة، والحاجة إلى الحفاظ على قنوات فاعلة لمكافحة تنظيم “داعش”، إضافة إلى ضغط داخلي متزايد لتقليص الالتزامات العسكرية الخارجية.
تنطلق الرؤية الدبلوماسية من افتراض أن سقوط الأسد أتاح لحظة نادرة لإعادة تشكيل سوريا ضمن منظومة إقليمية أقل عدائية للولايات المتحدة. ووفق هذا المنطق، فإن ترك دمشق في حالة عزلة أو ضعف سيؤدي حتماً إلى ملء الفراغ من قبل روسيا، إيران، أو حتى الصين.
ترى هذه المقاربة أن المخاطر الأمنية الآنية يمكن احتواؤها عبر الانخراط، وأن بناء الثقة يتطلب خطوات جريئة، حتى لو شابها بعض الفشل في المراحل الأولى. كما تعتبر أن الضغط المفرط على دمشق قد يقوّض التيارات البراغماتية داخلها، ويقوّي التيارات المتشددة.
2- الرؤية العسكرية: سوريا كساحة مخاطر مفتوحة
في المقابل، تتعامل سنتكوم مع سوريا بوصفها ساحة عمليات عالية التعقيد، حيث لا تُقاس النجاحات بالتصريحات السياسية، وإنما بعدد الهجمات التي لم تقع. ومن هذا المنطلق، ترى القيادة العسكرية أن الاعتماد على شركاء غير مختبرين يمثل تهديداً مباشراً للقوات الأميركية.
وتستند هذه الرؤية إلى خبرة مريرة في بناء جيوش «وطنية» بسرعة، أثبتت هشاشتها عند أول اختبار جدي، كما حدث في العراق عام 2014 وأفغانستان عام 2021.
3- نتائج الصدام المؤسسي
توجّه ترامب لم يكن موضع إجماع داخل منظومة صنع القرار، لتظلّ القيادة المركزية الأميركية تنظر إلى المشهد السوري من زاوية أكثر تشاؤماً، ترى في هشاشة البنى الأمنية الجديدة خطراً مباشراً على القوات الأميركية وعلى الاستقرار النسبي الذي تحقق منذ هزيمة “داعش” الإقليمية.
وقع هجوم تدمر عند نقطة التقاء هذين المسارين، وحوّلهما من خلاف إداري مكتوم إلى تباين استراتيجي مفتوح. فمن منظور الدبلوماسيين، كان التعاون الأمني المحدود مع دمشق خطوة اختبارية للانتقال إلى مستوى الشراكة الكاملة، وتهدف إلى بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة وتهيئة الأرضية لعملية سياسية وأمنية أطول أمداً. أما من منظور سنتكوم، فقد شكّل هذا التعاون مخاطرة محسوبة بالكاد، تم القبول بها تحت ضغط القرار السياسي، مع الإبقاء على قناعة راسخة بأن أي استعجال في توسيع هذا النموذج قد تكون كلفته أعلى من عوائده.
جاء الهجوم ليمنح هذا التحفظ العسكري مضموناً عملياً. فكون المنفذ عنصراً في قوى الأمن السورية، مع شبهات حول ارتباطات أيديولوجية سابقة، أعاد إلى الواجهة إشكالية عملية الدمج التي اعتمدتها دمشق على عجل. من زاوية أمنية بحتة، لا يُقرأ هذا الفشل بوصفه خللاً إجرائياً فقط، وإنما باعتباره مؤشراً على عجز الدولة الانتقالية عن فرض معايير صارمة للولاء والانضباط في مؤسساتها السيادية. وهذا العجز، في سياق حرب غير تقليدية ضد تنظيم كـ “داعش”، لا يُعد تفصيلاً ثانوياً، وإنما خطراً بنيوياً.
لم يُنهِ هجوم تدمر هذا الصدام، لكنّه رجّح كفة الحذر العسكري. فباتت القرارات المتعلقة بسوريا أكثر خضوعاً لمراجعات أمنية مطوّلة، وأقل اندفاعاً نحو خطوات رمزية كبرى.
الأثر الأعمق للهجوم تمثّل في إعادة ترتيب موازين التأثير داخل واشنطن. فبينما كان الجناح الدبلوماسي يعمل على توسيع هامش المناورة السياسية مع دمشق، وجد نفسه فجأة في موقع دفاعي، مضطراً لتبرير خيار الانخراط أمام رأي عام صُدم بمقتل جنود أميركيين في مهمة يفترض أنها منخفضة المخاطر. في المقابل، عززت سنتكوم موقعها بوصفها الجهة التي حذّرت مسبقاً من هشاشة الشريك الجديد، ودفعت باتجاه إعادة تثبيت المعايير العملياتية كمرجعية أساسية لأي تعاون مستقبلي.
هذا التحول لم ينعكس فقط في الخطاب الداخلي، وإنما تُرجم عملياً في قرارات سياسية لاحقة، من قبيل التشدد في القيود على الحركة والسفر، وإبطاء أي نقاش جدي حول المركزية الصارمة في سوريا، فضلاً عن إعادة تقييم قواعد الاشتباك والتنسيق الميداني. وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية حرصت على تطويق الهجوم سياسياً والاستمرار في لهجة دعم الشرع ووصفه بالمخلّص، إلا أنّ سقف الثقة انخفض لا شك، وسقف التوقعات أصبح أكثر تواضعاً.
رابعاً: قوات سوريا الديمقراطية: رصيد استراتيجي
في هذا السياق، برزت قوات سوريا الديمقراطية مجدداً صوابية حساباتها الأمنية جراء تداعيات الهجوم. فبينما كانت واشنطن، قبل الحادثة، تميل إلى النظر إلى “قسد” ككيان انتقالي يجب دمجه تدريجياً في الدولة السورية مع الأخذ بعين الاعتبار الرؤية التركية للدمج، أعاد الهجوم تذكير صناع القرار الأميركيين بأن هذه القوة لا تزال تمثل الضامن الأمني الأكثر موثوقية على الأرض.
خبرة “قسد” الطويلة في مكافحة “داعش”، وقدرتها على العمل ضمن منظومة قيادة وسيطرة متوافقة مع المعايير الأميركية، جعلت منها مرة أخرى الخيار الأقل كلفة في بيئة عالية المخاطر. وبهذا المعنى، لم يُضعف الهجوم موقع “قسد” كما كان يأمل بعض خصومها، وإنما عززه وأعاد تأجيل أي نقاش جدي حول تفكيكها أو دمجها القسري.
قبل الهجوم، دأبت بعض الشخصيات والجهات الأكاديمية والإعلامية الأميركية، التي تقدم رؤى متحيزة لأسباب ليست مجهولة، على تقديم “قسد” في بعض الدوائر الأميركية بوصفها عقبة أمام توحيد سوريا، ليعاد توصيفها بعد الهجوم، كعامل استقرار في بيئة مضطربة.
فالقوات التي خاضت معارك طويلة ضد “داعش”، وبنت هياكل أمنية محلية متماسكة، تبدو اليوم أكثر قدرة على ضمان أمن الشركاء الأميركيين مقارنة بالقوات السورية الجديدة. هذا لا يعني أن واشنطن تخلّت عن هدف دمج “قسد”، لكنه سيعني أن الجدول الزمني والآليات باتت موضع مراجعة.
كما منح الهجوم قيادة “قسد” ورقة تفاوض إضافية، ليس فقط مع دمشق، وإنّما مع واشنطن نفسها، لتأكيد ضرورة الحفاظ على بنيتها التنظيمية خلال أي عملية اندماج مستقبلية.
خامساً: دمشق بين اختبار الشرعية وضغط الواقع
على الطرف المقابل، واجهت دمشق انتكاسة سياسية في توقيت بالغ الحساسية. فالحكومة الانتقالية كانت تراهن على ملف مكافحة الإرهاب لتقديم نفسها كشريك لا غنى عنه، قادر على تجاوز إرث الفصائلية والتطرف. غير أن الهجوم قوّض هذه السردية، وأعاد إحياء الشكوك الغربية حول عمق التحول داخل مؤسسات الدولة السورية. كما فتح الباب أمام سيناريو انقسامات داخلية مستقبلية بين تيار يرى في الانفتاح على واشنطن فرصة لا بد من استثمارها، وتيار آخر يعتبر أن تقديم تنازلات أمنية لم يجلب سوى الضغوط والشكوك.
بالنسبة للسلطة الانتقالية في دمشق، جاء الهجوم في أسوأ توقيت ممكن، وبالتزامن مع السعي إلى تقديم نفسها كشريك أمني موثوق، وإلى بناء سردية دولية جديدة تقوم على “القطيعة مع الجهادية”. إلا أن اختراقاً بهذا الحجم أعاد إحياء كل الشكوك القديمة.
داخلياً، وضع الحدث سلطة الشرع أمام معضلة مزدوجة: فالتشدد في إجراءات التدقيق قد يؤدي إلى تمرد داخل الأجهزة، في حين أن التراخي سيؤدي إلى فقدان الثقة الدولية. وخارجياً، بات أي حديث عن ثقة دولية مطلقة أكثر تعقيداً.
سادساً: التعاطي الإعلامي الأميركي والعالمي مع الحدث
شهدت الأيام الأربعة الأولى عقب الهجوم (13–17 كانون الأول/ديسمبر) زخماً إعلامياً غربياً واسعاً، اتّسم بدرجة عالية من التماسك في السرد والتحليل، واعتماد كبير على البيانات الرسمية الأميركية والسورية، مع حضور ملحوظ لتحليلات تحذّر من تداعيات أمنية وسياسية أوسع.
وسائل الإعلام الليبرالية والوسطية
(نيويورك تايمز، واشنطن بوست، سي إن إن، بي بي سي، إن بي آر)
ركّزت هذه المنصات على هشاشة المؤسسات الأمنية في سوريا ما بعد الأسد. فقد نشرت نيويورك تايمز عدة تقارير تناولت الخلفية المحتملة للمهاجم، واصفة إياه بأنه “متعاطف سابق منخفض المستوى مع داعش” استفاد من مسارات الدمج، واعتبرت الحادث دليلاً على “الاختراق الجهادي” داخل أجهزة الدولة الناشئة.
أما سي إن إن، فسلّطت الضوء على البعد الإنساني، من خلال تقارير موسعة عن الجنود القتلى وعائلاتهم، مع ربط توقيت الهجوم بمحاولات واشنطن إعادة صياغة علاقتها مع دمشق. من جهتها، قدّمت بي بي سي سياقاً أوسع حول تصاعد نشاط “داعش” في وسط سوريا منذ سقوط النظام، مشيرة إلى تقديرات غير رسمية تفيد بارتفاع الهجمات بنسبة تقارب 40%، في ظل فراغ أمني نسبي.
وسائل الإعلام المحافظة
(فوكس نيوز، وول ستريت جورنال – ناشيونال ريفيو)
اعتمدت هذه التغطيات خطاباً أكثر حدّة، ركّز على الشرف العسكري وضرورة الرد الحازم. فقد أبرزت فوكس نيوز تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، وربطت الهجوم بما اعتبرته “أخطاء التطبيع المبكر” مع حكومة تضم عناصر ذات جذور جهادية. وذهبت افتتاحيات وول ستريت جورنال إلى التحذير من مخاطر الرهان على أجهزة أمنية منبثقة عن فصائل إسلامية، في إشارة مباشرة إلى خلفية “هيئة تحرير الشام”.
قدّمت هذه الجهات قراءة جيوسياسية، معتبرة الهجوم ضربة قوية لمسار بناء الثقة بين واشنطن ودمشق. وأشارت تقارير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الدوريات المشتركة كانت ذات طابع رمزي أكثر منه عملياتي، وتهدف إلى دمج دمشق في جهود مكافحة “داعش”. وربطت رويترز بين الحادثة وإمكانية تجميد أي تقدم في ملف تخفيف عقوبات “قانون قيصر”.
بصورة عامة، تجنّب الإعلام الغربي الانجرار إلى نظريات مؤامرة، وحافظ على تحميل المسؤولية لتنظيم “داعش”، مع تساؤلات ضمنية حول آليات التدقيق الأمني في الأجهزة السورية الجديدة.
سابعاً: التداعيات الإقليمية والدولية والسيناريوهات المستقبلية
إقليمياً، سيعزز الهجوم موقف الأطراف التي تشكك في قدرة الدولة السورية الجديدة على ضبط أراضيها، ويحدّ من قدرة تركيا لتصعيد الضغوط على “قسد”، وإجبارها على توخّي حذر أكبر في ظل تجدد الدعم الأميركي لقسد.
تجد تركيا نفسها اليوم أمام معضلة مزدوجة: فهي من جهة تعارض أي تعزيز لدور “قسد”، ومن جهة أخرى تدرك أن واشنطن، بعد تدمر، باتت أقل استعداداً للمغامرة بتفكيك شريك أثبت فعاليته.
أما الدول العربية المتحمّسة للانخراط بشكل أوسع مع دمشق، فقد تلقت إشارة تحذير إضافية حول مخاطر الاستثمار السياسي والاقتصادي في دولة لم تستقر مؤسساتها الأمنية بعد.
دولياً، سيعيد الهجوم إلى الأذهان حدود القوة الأميركية في هندسة التحولات، ويذكّر الحلفاء الأوروبيين بأن الاستقرار السوري لا يزال بعيد المنال.
ويتمثّل السيناريو الأكثر ترجيحاً في إدارة أزمة طويلة الأمد، تقوم على احتواء المخاطر دون حسم سياسي نهائي. فواشنطن لا ترغب في الانسحاب، وبما أنّها غير مستعدة أيضاً للذهاب بعيداً في الانخراط، فإن خيار تعزيز الشراكة مع “قسد” لمحاربة الإرهاب وتمكين تيار الشرع في وجه التيار الجهادي، يبدو أميركياً الأنسب في الوقت الحالي على الأقل.
يكشف هجوم تدمر أن سوريا الجديدة في ظل حكم الشرع لم تدخل بعد مرحلة الدولة، ولا تزال تعيش مرحلة ما قبل الاستقرار. وفي هذا الفراغ، تجد الولايات المتحدة نفسها ممزقة بين رغبتها في إنهاء تدخّلها العسكري، وحاجتها إلى منع عودة “داعش”. وبين هذين الهدفين، يبدو أن الحذر، لا الطموح، سيحكم السياسة الأميركية في المرحلة المقبلة، مع تعزيز الشراكة مع “قسد” والتراجع عن الحماس المفرط لآلية اندماجها مع دمشق وفق شروط أنقرة.المصادر التحليلية والمتخصصة
المركز الكردي للدراسات
المصادر
(رويترز، فورين أفيرز، مجموعة الأزمات الدولية، المونيتور)