عصام حوج….كاتب .
يبدو المشهد السوري وكأنه ساحة صراع بين أطراف متناقضة، لكن التدقيق قليلًا يكشف مفارقة أكثر إرباكًا: تخادم غير معلن بين نخب يُفترض أنها في حالة خصومة دائمة. تخادم لا يقوم على التنسيق المباشر، بل على نتائج متطابقة لسلوكيات وخطابات متقابلة ظاهريًا.
أتمنى فعلًا من جهابذة السياسة، ومن أولئك الذين يستميتون في الدفاع عن السلطة الحالية وتبرير سياساتها، أن يشرحوا لنا: ما الذي أنتجه سلوك وجرائم الميليشيات المحسوبة على السلطة في السويداء والساحل؟ هل كانت النتيجة بناء الثقة الوطنية، واستعادة وحدة البلاد؟ أم أنها، عمليًا، منحت أنصار مشاريع مثل «جمهورية الباشان» أو «مجلس وسط وغرب سوريا» أفضل مادة دعائية للترويج لخطاب انعزالي وتقسيمي، قائم على الخوف و القلق وفقدان الأمان والشعور بالإقصاء؟
وفي المقابل، أتمنى من جماعة «حق تقرير المصير» والفيدرالية أن يجيبوا بوضوح: ماذا أنتج خطابهم في هذا التوقيت وبهذه الصيغة؟ هل أسهم في فتح نقاش وطني عقلاني حول شكل الدولة ومستقبلها؟ أم أنه قدّم للسلطة وأبواقها سردية جاهزة لتخوين كل من يختلف معها، وتعزيز سردية الاغلبية والاقلية طائفياً ووسم أي مطالبة بالإصلاح أو اللامركزية بأنها مشروع تقسيمي؟
المفارقة أن كل طرف يدّعي أنه يواجه الآخر، بينما هو في الواقع يغذّيه ويمنحه أسبابًا إضافية للاستمرار. السلطة تجد في الخطاب الانعزالي ذريعة لإعادة إنتاج خطاب «حماية الوحدة» واقناع حاضنتها بممارساتها، وأنصار المشاريع الانفصالية يجدون في ممارسات السلطة الدليل اليومي على استحالة العيش المشترك، وتجييش حاضنتهم هكذا يدور الجميع في حلقة مفرغة، عنوانها التخادم لا الصراع.
بين الاول والثاني يضيع اي رأي عقلاني، واي موقف حكيم
الأخطر في هذا المشهد أن ضحيته ليست هذه النخب، بل المجتمع السوري نفسه، الذي يُدفع مرة بعد مرة إلى زوايا الخوف، والانقسام، وفقدان الثقة بأي أفق وطني جامع. وربما آن الأوان للسؤال الحقيقي: من يخدم من؟ ومن يدفع ثمن هذا التخادم المستمر؟