في 24 يوليو 2025 أبحر مركبٌ آخر تابعٌ لشبكة أبو سلطان من شرق طبرق، لكنّه غرق قبل الخروج من حدود المياه الليبية. محمد إبراهيم، وهو أحد المهاجرين المصريين الذي سافر عبر شبكة أبو سلطان إلى أوروبا ونجح في الوصول إلى اليونان، أكّد للفراتس أن اثنين من معارفه في الشرقية كانا على متن هذا المركب وهاجرا عبر شبكة أبو سلطان إلى ليبيا، وأنهما غرقا مع آخرين قبل خروج مركبهم من حدود المياه الليبية.
الصورة الأوسع تدعم رواية إبراهيم. فحتى 16 يوليو 2025، وصل إيطاليا نحو 33116 مهاجراً عبر البحر، بزيادة 8.4 بالمئة عن سنة 2024. انطلق 29610 منهم من السواحل الليبية، أي بزيادة 66.6 في المئة عن سنة 2024، بحسب وكالة نوفا الإيطالية للأنباء. وفي الاتجاه ذاته، شهدت اليونان ارتفاعاً بنسبة 174 بالمئة في أعداد الوافدين من شرق ليبيا منذ مطلع 2025.
يأتي الارتفاع متفقاً مع التحذير الذي أوردته وكالة “إي يو كرايم” (الوكالة الأوروبية لرصد الجريمة ومكافحتها) في تقريرها لتقييم المخاطر سنة 2024. إذ أشارت إلى استحداث المهرّبين ممرّاً جديداً بين ليبيا وجزيرة كريت اليونانية، فيما عدّت منظمة “ميكسد مايغريشن” أنه بات يشكّل مسارَ الهجرة غير المنظمة الأبرزَ في شرق المتوسط.
يفسّر هذا المشهدَ أيمن زهري، الباحث في سياسات الهجرة وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان. فيقول للفراتس إن شبكات التهريب مستمرةٌ “لأنها جريمةٌ عابرةٌ للحدود تُدار ضمن منظومةٍ عالميةٍ تشبه تجارة المخدرات، وتقودها عصاباتٌ دوليةٌ ومافيات تستغل الأرباح الضخمة”. ويضيف زهري، عضو اللجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر، أن الخطر الأكبر يكمن في اتصالات هذه الشبكات المباشرة داخل القرى، حيث يعمل بعض الوسطاء من عائلات الضحايا أنفسهم ليُقنِعوا الشباب بأن الرحلة “آمنة وسهلة”، ما يجعل الدائرة مغلقةً لا تنكسر.
بعد مرور عامين على غرق مركب المتوكل، الذي ابتلع البحر معظمَ ركّابه وبينهم الفتى كامل حميدة، ما زالت والدته أمل تتشبّث بمكالمتها مع مَن زعم أنه أبو سلطان. وتُردّد ما سَمِعَتْه في المنام: “يا ماما، أنا موجود وجاي”. وبينما تنتظر عودة ابنها، تُواصِل قوارب أخرى الإبحار من السواحل الليبية محمّلةً بأحلامِ فتيانٍ آخرين في سنّ كامل يوم ارتحل.
يخرجون من القرى نفسها، ويقعون في شِباك الوسطاء أنفسهم الذين لم توقفهم الملاحقات ولا أحكام الإدانة. فيما توصي التقارير الدولية، الحكومية وغير الحكومية، بإصلاح أحوال المصريين الاقتصادية والاجتماعية سبيلاً للقضاء على الهجرة غير المنظمة بالقضاء على دوافعها وأسبابها.
تتبدل الأسماء والمسارات، لكن الشبكات تبقى. فأبو سلطان، الذي تصفه مصادر ليبيةٌ بأنه لا يزال “عرّاب الهجرة في طبرق”، لم يُلقَ القبض عليه بعد. وما زالت شبكته تمتدّ بين مصر وليبيا، فيما تتصاعد أعداد الواصلين إيطاليا واليونان بمعدلاتٍ غير مسبوقة. وهكذا تبقى قصة الفتى كامل حميدة مرآةً لجريمةٍ لم تتوقف، وأمٍّ لم تستسلم بين حدودٍ تُغلق وبحارٍ تبتلع. ويظلّ الأمل مثل البحر لا يهدأ.
أرسلنا إلى القيادة العامة للجيش الليبي ما توصّلنا إليه من معلومات، وطلبنا توضيحاً حول ما إذا كان “م. س. الكحاشي” وشقيقه “آ. س.” اللذان يعملان في الجيش قد خضعا لتحقيقاتٍ بشأن التورط في قضايا هجرة غير شرعية. لكننا لم نتلقَّ رداً، حتى موعد نشر التحقيق. وقد تأكدنا من وصول أسئلتنا عبر تطبيق واتساب إلى المتحدث باسم الجيش الليبي، الذي طلب إرسالها عبر البريد الإلكتروني، ولا نزال في انتظار الردّ.
راسلنا “آ. س. الكحاشي” عبر حسابه الرسمي على فيسبوك، وردّ في البداية طالباً التعرّف إلى هويتنا. لكنه توقف عن الإجابة بعد مواجهته بما بحوزتنا من معلوماتٍ، عن تورّطه وشقيقه في عمليات الإتجار بالبشر شرق ليبيا.
وفي الخامس من نوفمبر 2025، تواصلنا مع مدير إدارة التوجيه المعنوي بالقيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، اللواء خالد محجوب، للردّ على ما ورد في تحقيقنا. فطلب إرسال خطابٍ رسميٍّ. ومع إرسال الخطاب، لم نتلقَّ رداً خلال شهر. وفي السابع من ديسمبر 2025، عاودنا التواصل ووجّهنا إليه أسئلةً مباشرةً حول تورط الكتيبة 2020 وبعض عناصرها في عمليات تهريب البشر، إلا أنه امتنع عن الردّ وطلب مجدداً إعادة إرسال الخطاب نفسه. ومع إرساله مرّتين، لم يردّ المسؤول حتى تاريخ نشر التحقيق.
تحتفظ الفراتس بالأسماء والبيانات الحقيقية العائدة لجميع المهرّبين الوارد ذكرهم في التحقيق.