ديما حسين صلح *
لم يكن سقوط نظام الأسد نهاية مرحلة، بل افتتاحًا لمرحلة أخطر وأعقد،فعندما تسقط السلطة، لا يبدأ البحث عن البديل فقط، بل ينفجر الصراع على من يرث الدولة، وعلى شكل هذا الإرث، وعلى حدود ما يُسمح له أن يكونه،وسوريا اليوم لا تعيش فراغًا سياسيًا، بل تعيش فائضًا في المشاريع، وتزاحمًا في الطموحات، وتصارعًا مفتوحًا على مركز القرار.
من هنا، يصبح أي توصيف لما يجري في حلب بوصفه حدثًا أمنيًا توصيفًا قاصرًا، لأن المسألة في جوهرها سياسية بامتياز،إنها معركة على هوية الدولة، وعلى من يحكمها فعليًا لا شكليًا.
حلب، بحكم موقعها وثقلها السكاني والاقتصادي، لم تكن يومًا مدينة عادية في الحسابات السورية،فهي نقطة الوصل بين الشمال والداخل، بين الاقتصاد والسياسة، وبين ما يمكن للدولة أن تتحول إليه وما يُراد لها أن تبقى عليه.
لذلك، فإن كل تصعيد فيها يتجاوز حدودها الجغرافية، وكل اشتباك يتحول تلقائيًا إلى مؤشر على صراع الإرادات الدائر خلف الستار، حيث تُكتب القرارات الكبرى بعيدًا عن ضجيج الميدان.
وعندما اندلعت المواجهات في الشيخ مقصود والأشرفية مؤخرًا، بدا المشهد، للوهلة الأولى، وكأنه صدام محلي محدود. غير أن القراءة المتأنية تكشف سريعًا أن ما انفجر لم يكن خلافًا على حيّ أو انتشار، بل مواجهة على مبدأ تأسيسي،فهل يُسمح للسلطة الجديدة بأن تحتكر السلاح وتعيد تعريف الدولة، أم يُفرض عليها التعايش القسري مع قوى مسلّحة صُمِّمت لتبقى فوق الدولة وتحت حماية الخارج؟
هنا تحديدًا، تبرز قوات سوريا الديمقراطية بوصفها عقدة سياسية لا يمكن تجاوزها فهي ليست مجرد فصيل محلي، بل نتاج هندسة أميركية دقيقة لقوة تضبط الجغرافيا دون أن تمتلك قرارًا سياديًا.
الولايات المتحدة لا تريد تقسيم سوريا، لكنها في الوقت ذاته لا تريدها أن تتماسك،ولهذا تدفع باتجاه دولة اسمية بسلطة موزّعة وسلاح غير موحّد، بما يضمن بقاء القرار معلقًا، قابلًا للتعطيل في أي لحظة، ومفتوحًا على التدخل عند الحاجة.
غير أن المشهد لا يكتمل من دون التوقف مطولًا عند الدور التركي، وهو الدور الأكثر التباسًا وتأثيرًا في آن واحد،فأنقرة لا تتعامل مع سوريا بوصفها دولة جارة تحتاج إلى استقرار كامل، بل كساحة يجب أن تبقى موحّدة شكليًا، ضعيفة سياسيًا، منقوصة السيادة، على أن يكون القرار الحقيقي فيها خارج دمشق.
الهدف التركي واضح وهو منع أي تشكّل كردي منظم، ومنع أي تفكير بفيدرالية أو حكم ذاتي أو استقلال، ولو تطلّب ذلك إبقاء سوريا في حالة توتر دائم.
لهذا السبب، كان التدخل التركي قويًا في دعم أحمد الشرع، لكن هذا الدعم لم يكن يومًا مطلقًا،فأنقرة تريد سلطة مركزية قادرة على ضبط الأكراد، لكنها لا تريد رئيسًا قويًا إلى حد امتلاك قرار مستقل.
بعبارة أدق، تركيا تريد دولة سورية قائمة، لكن تحت سقفها، وبقدرة محدودة على المناورة، وهو ما يفسر سلوكها القائم على تأجيج التوتر حينًا واحتوائه حينًا آخر، لا بحثًا عن حل نهائي، بل لإدامة دورها لاعبًا مقرِّرًا لا يمكن تجاوزه.
في المقابل، تقف إسرائيل على الضفة الأخرى من هذا الصراع، لا بدافع الدفاع عن سوريا، بل خوفًا من المشروع التركي نفسه،تل أبيب ترى في تمدد النفوذ التركي على حدودها الشمالية خطرًا استراتيجيًا طويل الأمد، ولذلك تواجهه بأدوات مختلفة عبر تفتيت الساحة السورية، إبقاؤها مشغولة بأزماتها الداخلية، واستثارة الأقليات لمنع تمركز السلطة في يد واحدة،فدعمها لقسد، والانفتاح على دروز السويداء، ليسا تعبيرًا عن حرص على التنوع، بل جزءًا من معركة كبح المشروع التركي داخل سوريا.
وهنا، تتقاطع الحسابات العربية مع هذا الصراع، ولكن من زاوية مختلفة،فالعرب، وخصوصًا السعودية، يريدون سوريا موحّدة بسلطة مركزية كاملة السيادة، بلا كانتونات، وبلا توترات أقليات، وبلا قرار خارجي.
وينطلق دعم الرياض للرئيس أحمد الشرع من هذه الرؤية تحديدًا القائمة على بناء دولة سنّية منضبطة، قادرة على ضبط السلاح، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وإغلاق باب الفوضى.
وهذا ما يضع المشروع العربي في تصادم غير مباشر مع كل من النفوذين التركي والإسرائيلي.
تاريخيًا، كان للعرب مشكلات عميقة مع تمدد النفوذ التركي والإسرائيلي في المنطقة، فقامت إسرائيل باستثمار هذا القلق العربي، وقدّمت نفسها شريكًا في مواجهته، ما فتح الباب أمام مسار التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية،غير أن الرهان على انتقال هذا المسار إلى السعودية اصطدم بحقيقة صلبة، فالشروط السعودية، وفي مقدّمها حل الدولتين، غير ممكنة للقبول لدى التيار المتشدد الحاكم في إسرائيل،وهنا بدأ التباعد، وبدأت إسرائيل تبحث عن ساحات مواجهة جديدة، بعد أن أنهكت النفوذ الإيراني بضربات متتالية.
اليوم، تتجه البوصلة الإسرائيلية نحو النفوذ التركي، وسوريا هي ساحة الاشتباك المفتوحة،وضمن هذا الصراع، تعيد تركيا فتح قنوات التواصل مع حزب الله لسببين واضحين،الأول، منع تفجير الساحل السوري وإبقاء العلاقة بين السلطة المركزية وحزب الله تحت السيطرة،والثاني، توجيه رسالة مباشرة لإسرائيل مفادها أن أنقرة تمتلك أوراق لعب قادرة على ضبط التوتر، ومنع إيران من تخريب الحكم المركزي، والتحكم بمسار الساحل إذا لزم الأمر.
إنها سياسة عرض القوة عبر إدارة الفوضى لا عبر منعها.
وسط هذا الاشتباك الطاحن، تعود حلب لتكون مركز الثقل،فهي ليست مدينة تُدار أمنيًا فحسب، بل مساحة يُختبر فيها من يملك القرار النهائي.
من ينجح في تثبيت سلطته في حلب، يفرض إيقاعه على الشمال، ويؤثر مباشرة في شكل التسوية الوطنية.
لذلك، لا تهدئة فيها بريئة، ولا تصعيد فيها اعتباطي، بل خطوات محسوبة ضمن معركة طويلة النفس.
سوريا اليوم تُدفَع إلى مفترق حاسم، إما دولة مركزية كاملة السيادة بدعم عربي واضح، أو كيان تُدار تناقضاته من الخارج، وتُستخدم مكوّناته كأدوات صراع بين تركيا وإسرائيل على الأرض السورية.
وحلب، في هذا المشهد، ليست ساحة عابرة، بل مركز الحسم.
من يربح معركتها السياسية، لا يحدد مصير مدينة، بل يكتب شكل سوريا في المرحلة القادمة بأكملها.
*كاتبة وصحافية لبنانية.