علينا أن نتذكر جبرا إبراهيم جبرا (1919-1994) في يوم 12 كانون الأول/ ديسمبر من كل سنة. على الجميع تذكر هذه العبقرية النادرة. ليس فقط على الروائيين والمترجمين واجب التذكر والاحتفاء، بل على الرسامين أيضًا والنقاد التشكيليين والشعراء على حدّ سواء، والقراء قبل كل هؤلاء جميعًا.
هذا الفلسطيني من أصل سرياني أرثوذكسي، ولد في بيت لحم في عهد الانتداب البريطاني، استقر في العراق بعد حرب 1948، حيث عمل بالتدريس في جامعة بغداد. في عام 1952 غادر إلى بريطانيا لدراسة الأدب الإنكليزي في جامعة هارفارد. وربما كان هذا سرّ توجهه إلى ترجمة الأدب الإنكليزي والأميركي، بين الرواية والنقد الأدبي والفلسفة. ومقابل ذلك كان حظه هو نفسه من الترجمة وفيرًا، فقد تُرجمت أعماله الروائية والقصصية إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة.
بدأ جبرا إبراهيم جبرا مشروعه الروائي برواية “صراخ في ليل طويل” سنة 1946. وكما يفعل أي كاتب في كتابه الأول، أراد جبرا قول كل شيء في هذه الرواية الصغيرة (112 صفحة في طبعة دار الآداب، 2003). وقد كانت الرواية العربية في ذلك الزمن تتخبط وسط البدايات المحتشمة، ثقيلة الخُطى وغائمة الأفق. لكن جبرا عبّر عن تلك القطيعة الموجودة بين الأفراد، وبينهم وبين مجتمعهم، ومدينتهم التي يعيشون فيها. هؤلاء الأفراد “ماتوا من جوع قلوبهم”، وتخلوا عن الأهداف والطموحات، ليس لأنهم فشلوا في تحقيق الأهداف والطموحات، بل لأنهم لا يمتلكونها أصلًا.
في سنة 1960 سيصدر جبرا رواية ناجحة جدًا هي “صيادون في شارع ضيق”، كتبها أصلًا باللغة الإنكليزية، وترجمها إلى اللغة العربية المترجم محمد عصفور. عاد فيها مرة أخرى إلى ثيمته المألوفة “الإنسان داخل المدينة”، من خلال حياة مهاجر فلسطيني في العراق والعلاقات التي كونها في مدينة تعيش صراعات كثيرة على جميع الأصعدة. وقد رأى النقاد أنه في هذه الرواية يظهر الكثير من ملامح شخصية جبرا من خلال بطله جميل فران.
في سنة 1970 عاد جبرا وكتب باللغة العربية روايته الجميلة “السفينة”. تناول فيها جيلًا من فلسطينيي الشتات معتمدًا على ذاكرة شخصياتها لتصوير ملامح هذه الشخصية العالمية الجديدة. و”السفينة” ليست مجرد رواية قوية بموضوعها وشخصياتها، بل هي نصّ أسّس لحداثة روائية عربية سوف تتركز بصفة أوضح في أعماله المقبلة أهمها “البحث عن وليد مسعود” التي أصدرها سنة 1978. وقد حلّ في المرتبة الثانية في قائمة أفضل مائة رواية عربية، التي أنجزها اتحاد الكتّاب العرب، بعد “ثلاثية نجيب محفوظ”. عاد جبرا من خلال هذه الرواية لتناول شخصية الفلسطيني الممثل في وليد مسعود الفلسطيني المتمرد الذي ترك وراءه تاريخًا من النضال ضد المحتل الصهيوني في فلسطين وغرق في شبكة من العلاقات المعقدة. رواية مليئة بالشخصيات والأفكار والمواقف وزوايا النظر. سيختفي وليد مسعود، وباختفاء وجوده المادي ستتناول الرواية اختفاءه الرمزي، وكل من يبحث عنه مما عاشوا معه وملأوا محيطه كأنهم يبحثون عن أنفسهم من خلال البحث عنه وتحديد مصائرهم وفق هذا البحث.
في سنة 1979 سيصدر جبرا رواية لا تقل أهمية عن سابقاتها، هي “يوميات سراب عفان” اجتهد فيها على تجاوز السرد التقليدي، وأعطى فيها الأهمية لشخصية نسائية فريدة هي “سراب عفان”. أما موضوعها فهو علاقة حب غريبة بين الكاتب نائل عمران وقارئة رواياته سراب عفان. تتداخل الأحداث بين خيالات سراب وتوقعاتها في الحياة الفعلية، وتوقعاتها في الحياة المتخيّلة، من خلال شخصيات رواية نائل عمران “الدخول في المرايا”. منذ الصفحات الأولى تفكّك الرواية شخصية سراب عفان، المرأة غير العادية التي تبحث عن خلاصها، ونائل عمران، الرجل الذي يتفاجأ بعشقها الجارف. وذلك التفكيك هو في المجمل بحث في الدوافع النفسية العميقة وفي محاولات تحرير الذات من القيود الاجتماعية والنفسية.
كان جبرا أيضًا رسامًا، بل وكان رائدًا في حركة الحروفية التي سعت إلى دمج الفن الإسلامي التقليدي في الفن المعاصر من خلال الاستخدام الزخرفي للنص العربي. قاده هذا الاهتمام إلى أن يصبح في الخمسينيات من القرن الماضي عضوًا مؤسسًا لمجموعة للفنون الحديثة في بغداد، وهي حركة جماعية فنية وفكرية حاولت الجمع بين التراث الفني العراقي وأساليب الفن التجريدية الحديثة. على الرغم من أن مجموعة بغداد للفن الحديث كانت ظاهريًا حركة فنية، إلا أن أعضاءها ضمّوا شعراء ومؤرخين ومهندسين معماريين. كان جبرا ملتزمًا بشدة بمؤسس المجموعة جواد سليم، واستلهم من الفولكلور والأدب العربيين ومن الإسلام. استمر انخراط جبرا في الوسط الفني مع كونه أحد الأعضاء المؤسسين لجماعة “البعد الواحد”، التي أسّسها الفنان البغدادي البارز شاكر حسن آل سعيد عام 1971. أكد بيان الجماعة على الالتزام بالتراث والحداثة وسعى إلى إبعاد الجماعة عن الفنانين العرب المعاصرين، الذين اعتبرتهم الجماعة يتبعون التقاليد الفنية الأوروبية فقط. إذ كان هذا التيار الفني يبحث عن العناصر التي تعبر عن خصائصهم الفردية، بالإضافة إلى هويتهم القومية العربية. أصبحت هذه الحركة فيما بعد معروفة باسم حركة الحروفية. وبالرجوع اليوم إلى هذه الحركة الفنية الفذّة، الواضحة الأهداف، ليس بوسعنا إلا توجيه النّقد إلى التيارات الفنية العربية التغريبية التي انتشرت اليوم بدون حاجة ظاهرة إليها.
أنتج جبرا إبراهيم جبرا في الشعر أربع مجموعات: “تموز في المدينة” (1959)، “المدار المغلق” (1981)، “لوعة الشمس” (1981) و”سبع قصائد”، وقد نشرت هذه المجموعة ضمن الأعمال الكاملة سنة 1990. يتميز جبرا إبراهيم جبرا بالواقعية الشعرية. فهو بعيد عن الخيال لكنه مليء بالغرابة، فالتجربة المقدمة في الشعر تستند إلى تجربة معاشة من قبله، مع قدر كبير من النضج، يهدف للتعبير فيه عن الصوت الحاضر المعاصر والذاتي؛ في إطار ما أصبح يعرف اليوم بقصيدة السيرة الذاتية. نظرًا للأبعاد الرمزية والأسطورية، أوجد جبرا ما بين القارئ وبينه علاقة احتمالية فيها نوع من التعقيد. ولأنه فلسطيني عانى الإبعاد والتهجير والمنفى لعبت الذاكرة دورًا كبيرًا في تجربته. بل إن الحضور الواضح للذاكرة في إبداعه الشعري جعل منها محركًا أساسيًا في عملية الربط بين الحاضر والماضي في النص الشعري. هذه الذاكرة المجروحة أظهرت إلى سطح التعبير الشعري السأم والحزن تعبيرًا عن الحالة الشعورية الواقعية، ومن الأمثلة الشعرية التي تُبيّن ما له من توجهات: “بيتنا في رأس التل/ حجر على حجر/ أبيض في شمس الضحى/ أخضر في ضوء القمر/ وحول البيت؟/ شوك ودم”.
قاده اهتمامه الشعري والمعرفي بالأساطير إلى نشر كتاب في غاية الأهمية سنة 1980 ترجمه عن اللغة الإنكليزية عنوانه “ما قبل الفلسفة”، وهو كتاب يقدّم دراسة في الأساطير والمعتقدات والتأملات البدائية في مصر وبلاد الرافدين والتي نشأت عنها الأديان والفلسفات. كما قاده اهتمامه وإبداعه الشعري إلى ترجمة مجموعة من أعمال شكسبير التراجيدية مثل “هاملت”، والمآسي الكبيرة: “عطيل”، “الملك لير” و”ماكبث”، مع تصدير هذه المآسي بدراسات نقدية بذل فيها جهدًا نقديًا كبيرًا، وأظهر من خلالها اطلاعه الواسع على إرث شكسبير الأدبي وعلى حسه النقدي الحاد تجاه هذا الإرث.
هذا جزء من إرث جبرا إبراهيم جبرا على الروائيين والمترجمين والنقاد العرب إتمامه وتطويره والاهتمام به في الجامعات والمؤتمرات والمنتديات الأدبية.