ملخص
الأزمة التي أحدثتها سياسات ترمب مع الحلفاء الأوروبيين هزّت الثقة داخل التحالف عبر الأطلسي، لكنها دفعت أوروبا في الوقت نفسه إلى تسريع بناء قدراتها الدفاعية والاستخباراتية وتقليل اعتمادها على واشنطن. قد تتحول هذه الصدمة، إذا أُعيد ترميم الثقة لاحقاً، إلى فرصة لبناء شراكة أطلسية أكثر توازناً، تتحمل فيها أوروبا عبئاً أكبر وتستفيد منها الولايات المتحدة أيضاً.
بعد 18 شهراً من ولايته الرئاسية الثانية في الولايات المتحدة، قد يبدو أن دونالد ترمب غيّر بصورة دائمة علاقات بلاده بحلفائها عبر الأطلسي. فقد كان خطابه تجاه الشركاء جارحاً، وسياساته متقلبة، كذلك فإن النهج العام لإدارته قوض تسوية ما بعد الحرب العالمية الثانية والبنية الأمنية التي تشكلت بعد الحرب الباردة بطرق بدت غير قابلة للتصور حتى خلال ولايته الأولى. فمن خلال الانتقاص من شأن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتهديد بضم أراضٍ تعود إلى دول أعضاء فيه، واحتمال انتهاك القانون الدولي، وسحب المساعدات الدفاعية لأوكرانيا، وتسييس الاستخبارات، ووقف عمليات النشر الروتينية للقوات في بولندا، استنزفت إدارة ترمب الثانية القوة الأميركية الناعمة والصلبة. لكن قتامة المشهد الحالي للتحالف عبر الأطلسي لا تلغي أنه يفرض تحولاً طال انتظاره، قد يجعل التحالف في نهاية المطاف أكثر قدرة وتوازناً مما كان عليه من قبل.
في مقال نشره في “فورين أفيرز” في فبراير (شباط) الماضي، أصاب عالم السياسة ستيفن والت حين لاحظ أن ترمب يستخدم القوة الأميركية كـ”مهيمن مفترس” من أجل “فرض الهيمنة على الأصدقاء والخصوم على حد سواء”. وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن “تمزق” في النظام الدولي القائم على القواعد، فيما وصف تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026 ترمب بحدة بأنه “رجل هدم”، بما يوحي بأنه لا عودة إلى الوراء. وعلى رغم أن هذه التوصيفات تصف اللحظة الراهنة بدقة، وأن تشاؤمها مفهوم، فإنها تبقى أسيرة اللحظة الراهنة. لكن خلف هذه الفوضى والخلاف يلوح احتمال غير متوقع: الأزمة نفسها التي صنعها ترمب تدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى تطوير قدرات عسكرية واستخباراتية قد تجعل شراكات واشنطن، في نهاية المطاف، أقوى من أي وقت مضى. والحقيقة أن العلاقة عبر الأطلسي عانت طوال عقود مشكلة حقيقية في اتكال أوروبا مجاناً على الولايات المتحدة. وسيقر معظم المسؤولين الأوروبيين بأن سلوك ترمب في ولايته الثانية، إلى جانب تصاعد التهديد الناجم عن النزعة الانتقامية الروسية، أقنعهم أخيراً بالسعي إلى الاعتماد على أنفسهم في الشؤون العسكرية والاستخباراتية.
يمكن للاستثمارات الأوروبية في الاستطلاع عبر الأقمار الاصطناعية، والدفاع الجوي، وتطوير الطائرات المسيّرة، وإنتاج الذخائر، أن تعزز القدرات الأميركية عبر إتاحة مزيد من الاستخبارات لواشنطن، وبصورة أكثر تنوعاً، ومخزونات مشتركة أعمق، وبدائل احتياطية في أنظمة الاتصالات، وجناح شرقي أقوى. باختصار، لن تضطر الولايات المتحدة بعد الآن إلى أن تكون المزوّد الافتراضي لكل عنصر حاسم في الاستجابة لأي أزمة أوروبية. غير أن القدرة لا تمثل سوى جزء واحد من معادلة التحالف، أما السؤال الأصعب فهو ما إذا كان يمكن إصلاح أسسه السياسية والأخلاقية. فقد قال وزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الشتاء إن القيم المشتركة الأساسية لا تزال تربط الولايات المتحدة بحلفائها التاريخيين في أوروبا. لكن الثقة باتت الآن ممزقة. وإصلاحها أمر ملح، لأن التهديدات التي تواجه أوروبا والولايات المتحدة معاً هائلة: دول تحاول تغيير النظام القائم مثل الصين وروسيا، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، بل وحتى تداعيات تغير المناخ على الأمن القومي.
سيتعين على واشنطن استعادة الثقة من خلال مزيج يجمع ما بين الفعل وضبط النفس. فإلى جانب تغيير لهجتها تجاه أوروبا، يجب على الإدارات الأميركية المقبلة أن تجدد التزامها، علناً وبصورة متكررة، بضمانة المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، وأن تتشاور مع الحلفاء قبل شن أي عمليات عسكرية كبرى، أياً يكن مسرح العمليات. فقد أظهرت حرب إيران التداعيات العالمية لصراعات تبدو محلية. ويجب عليها أن تدعم سيادة أوكرانيا وتعزز قدرتها على الردع في الجناح الشرقي للناتو. ويجب على واشنطن أن تتوقف عن التعامل مع أراضي الحلفاء بوصفها فرصة للتوسع، ومع انتخابات الحلفاء وسياساتهم الداخلية بوصفها فرصاً للتدخل السياسي.
القشة الأخيرة
قبل عام 2025 بوقت طويل، كانت مشكلة الاتكال الأوروبي على الولايات المتحدة مصدر إحباط لواشنطن. فبعد نهاية الحرب الباردة خصوصاً، قلصت عديد من الدول الأوروبية استثمارها في الدفاع والاستخبارات، مستفيدة من عوائد السلام لتوسيع البرامج الاجتماعية، ومعتمدة على الولايات المتحدة في القدرات القتالية المتقدمة، والاستخبارات، والقوة العسكرية. وحاولت إدارات أميركية متعاقبة دفع الدول الأوروبية إلى تقاسم عبء ضمان أمن القارة بصورة أكبر، لكنها لم تنجح حقاً. وقد أضفى تهديد ترمب المستمر بالانسحاب من “الناتو”، إلى جانب عدوان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الشرعية والإلحاح أخيراً على إعادة تسليح أوروبا.
أبرز الطرق التي أحدث بها ترمب شرخاً في العلاقة عبر الأطلسي كانت خطابه. فإلى جانب تهديداته بمغادرة “الناتو” أو الاستيلاء على أراضي دوله الأعضاء، واصل توبيخ الأوروبيين لعدم مساعدتهم الولايات المتحدة بما يكفي خلال ما يسمى حربها العالمية على الإرهاب، والآن خلال إدارتها حربها ضد إيران. والواقع أن “الناتو” أوفى بالتزامه بموجب المادة الخامسة بعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، إذ أسهمت دول أوروبية كثيرة بقوات في أفغانستان وخسرت جنوداً هناك. لذلك جعلت هذه الهجمات الكلامية أوروبا أكثر تردداً في الوقوف جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة في الحرب.
وبعيداً من الخطاب، أثبتت إدارة ترمب أن الولايات المتحدة قد لا تكون جديرة بالثقة في أوقات الأزمات. يرى معظم أعضاء حلف “الناتو” أن ابتعاد واشنطن عن أوكرانيا الديمقراطية في حربها الوجودية ضد روسيا، وتعاطف ترمب الظاهر مع وجهات نظر بوتين، يمثلان خرقاً كارثياً للمثل الأميركية الأساسية. وقد نبذ البيت الأبيض الأعراف التشاورية التي قام عليها التحالف عبر الأطلسي، ولا سيما قبيل هجومه المفاجئ على إيران في أواخر فبراير الماضي، إذ لم يسعَ إلى قرار من الأمم المتحدة، ولم يتشاور مع حلفائه باستثناء إسرائيل.
لا يشكك حلفاء الولايات المتحدة عبر الأطلسي في التزامها تجاههم فحسب، بل يشككون أيضاً في سلامة حكم واشنطن الاستراتيجي الأساس. ولأن معظم حلفاء الولايات المتحدة رأوا في الحرب الأخيرة التي شنتها واشنطن وإسرائيل ضد إيران خطأً، فقد امتنعوا عن تقديم المساعدة. لكن المشكلة أعمق من ذلك: فقد بدأ كثير من حلفاء أميركا ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها خطراً أمنياً، وصرح جهاز الاستخبارات الدفاعية الدنماركي علناً في ديسمبر (كانون الأول) 2025. وحذرت مراجعة مستقلة، أُجريت بتكليف من الحكومة البريطانية ونُشرت في أواخر مارس (آذار)، من “استعداد ناشئ لدى فاعلين أجانب ومواطنين عاديين، بمن فيهم حلفاء مثل الولايات المتحدة، للتدخل في الشؤون السياسية لدول أخرى والتأثير فيها سعياً وراء أجنداتهم الخاصة”. ولم تؤد الإجراءات الأخيرة لإدارة ترمب إلا إلى تعميق المخاوف الكامنة وراء هذه التقييمات للتهديد. فقد دعت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 إلى “تشجيع قوى داخل الدول الأوروبية تعارض المسار الحالي لأوروبا”، وتدخل كل من نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية علناً في الانتخابات المجرية الأخيرة بعدما شاركا في حملة دعمت المرشح الحاكم.
دعوة إلى التسلح
لم يعد أمام أوروبا خيار سوى التحوط في مواجهة الولايات المتحدة التي لم تعد موثوقة، وهي، في هذا المسار، تُجري تغييرات بنيوية في استراتيجياتها الدفاعية والاستخباراتية ستستمر أياً يكن شاغل البيت الأبيض لاحقاً. وتسابق الدول الأوروبية الزمن لتقليل اعتمادها على واشنطن، بدءاً ببناء قواعدها الصناعية الدفاعية. فقد كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا مدى استمرار اعتماد أوروبا على الترسانة الأميركية وسلاسل الإمداد الأميركية. ولمعالجة هذه المشكلة، تخلت ألمانيا في يوليو (تموز) 2025 عن عقود من الانضباط المالي التقليدي، وأعلنت أنها ستضاعف موازنتها الدفاعية إلى 178 مليار دولار بحلول عام 2029، بهدف سد فجوات القدرات وتوسيع قدراتها الصناعية. ويتكاتف حلفاء آخرون للولايات المتحدة للاستثمار المشترك في منظومات متقدمة، وتقليل ارتهانهم لقرارات واشنطن في تصدير السلاح. وإلى جانب استثمارات تاريخية في قواعدها الصناعية المحلية، تعمل الدول الأوروبية على تنويع مصادر شراء المعدات العسكرية ونقل سلاسل الإمداد إلى دول صديقة، بما يقلل اعتمادها على مصنعي الأسلحة الأميركيين، وذلك عبر التوجه إلى موردين محليين وأوروبيين وكوريين جنوبيين وغيرهم، ولا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والذخائر.
على المدى القريب، تبدو محاولة أوروبا تقليل اعتمادها على السلاح الأميركي أكثر تعقيداً، لأنها تشتري اليوم أسلحة أميركية بكميات تفوق كثيراً ما كانت تشتريه قبل عقد. ومع ذلك، قد تكون هذه المشتريات الطارئة، التي فرضتها الحاجة إلى تسليح أوكرانيا وإعادة ملء المخزونات الأوروبية، جزءاً من استراتيجية تحوط أطول مدى، هدفها تخفيف الاعتماد على واشنطن من دون إغلاق الباب أمام العمل العسكري المشترك معها مستقبلاً إذا عادت الولايات المتحدة حليفاً موثوقاً. وفي الوقت نفسه، تعمل أوروبا على تعزيز قدرتها على التعبئة، وزيادة مخزوناتها من الذخائر، وتحقيق استقلالية عملياتية أكبر، وضمان قدرة بنيتها اللوجستية على العمل من دون دعم أميركي. وتعطي الدول الأوروبية أولوية متجددة للدفاع الإقليمي والقدرة على الصمود، من خلال تحصين الموانئ ومراكز السكك الحديد والجسور والمطارات ومستودعات الوقود وشبكات الطاقة، فضلاً عن تقوية الدفاعات السيبرانية وتوفير بدائل احتياطية لشبكات الاتصالات.
كانت واشنطن في السابق تقود التخطيط الدفاعي لحلف “الناتو”. أما الآن، فتتولى الدول الأوروبية ملء فراغ القيادة. فبعد انسحاب الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) 2025 من رئاسة مجموعة الاتصال الدفاعية الخاصة بأوكرانيا، التي تنسق الدعم العسكري لكييف، تولت ألمانيا والمملكة المتحدة زمام المبادرة، في إشارة إلى استعداد الحلفاء الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر في دعم دفاع أوكرانيا. وتتعمق أطر التعاون الدفاعي الأوروبي، بما يرسخ بنية أمنية أكثر توزيعاً. فمبادرة “درع السماء الأوروبية”، التي تقودها ألمانيا، تجمع جهود الدفاع الجوي والصاروخي بين 24 دولة أوروبية، فيما ستتولى خطة الاتحاد الأوروبي الجديدة “إعادة تسليح أوروبا”، المدعومة بقروض قيمتها 175 مليار دولار من برنامج “العمل الأمني من أجل أوروبا”، تمويل عمليات شراء مشتركة لتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية للقارة.
على مدى عقود، كان الإنفاق الدفاعي الأوروبي موضع شكاوى أميركية ومماطلة أوروبية. لكن إكراه ترمب، ومعه عدوان بوتين، حققا ما عجزت عنه عقود من الضغوط الدبلوماسية الأميركية: جعلا إعادة التسلح الأوروبي أمراً مقبولاً، بل مرغوباً، لدى الرأي العام الأوروبي. فالبرلمانات التي كانت تقاوم سابقاً زيادات الموازنات الدفاعية باتت اليوم حريصة على إعلان هذه الزيادات.
اختبار الاستخبارات
قد تكون التحولات الجارية في مجال الاستخبارات أقل ظهوراً، لكنها لا تقل أهمية. فقد تركت علاقة إدارة ترمب المتوترة مع مجتمع الاستخبارات الأميركي نفسه آثاراً سلبية متتالية في علاقة هذا الجهاز بشركائه الاستخباراتيين. وتخشى العواصم الأوروبية أن تُسرَّب المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها إلى واشنطن، أو أن تُسيّس، أو أن تُستخدم في تمكين انتهاكات للقانون الدولي. وفي مقابلة مشتركة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال رئيسا جهازي الاستخبارات الداخلية والعسكرية في هولندا إن هذه المخاوف تدفعهما إلى تقليص التعاون الاستخباراتي مع واشنطن. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أفادت شبكة “سي أن أن” بأن الحكومة البريطانية بدأت حجب معلومات عن الولايات المتحدة تتعلق بمكافحة الاتجار بالمخدرات، لتجنب التواطؤ في ضربات قد تكون غير قانونية على قوارب، فيما فرضت كندا قيوداً أشد على الاستخدام العملياتي لمعلوماتها الاستخباراتية للسبب نفسه.
لا يستطيع حلفاء واشنطن القدامى، في الوقت الراهن، تعويض الاستخبارات التي توفرها الولايات المتحدة. لكنهم يتحوطون عبر زيادة الاستثمار في قدراتهم على التحليل وجمع المعلومات. ويتجلى هذا التحول بأوضح صوره في مجال الاستخبارات الفضائية، إذ توسع الدول الأوروبية شبكات أقمارها الاصطناعية لضمان تغطية مستقلة بالصور والرادارات. وتواصل فرنسا توسيع أنظمتها العسكرية للاستطلاع البصري والراداري. ومنذ عام 2022، نشرت ألمانيا أقماراً اصطناعية متقدمة تمنح برلين قدرة على التصوير في كل الأحوال الجوية وعلى مدى الساعة. وتشغّل إيطاليا اليوم شبكة من الأقمار الاصطناعية الصغيرة والمتقدمة، توفر صوراً عالية الدقة لسطح الأرض في كل الأحوال الجوية، ليلاً ونهاراً، لأغراض المراقبة العسكرية والأمن البحري، وكذلك لأغراض مدنية مثل الاستجابة للكوارث. أما الدول ذات الموازنات الأكثر تواضعاً، فتتجه إلى الحلول التجارية والبيانات الجغرافية المكانية المفتوحة المصدر للحصول على مصادر بديلة للمعلومات.
وبدأت الحكومات الأوروبية، وإن متأخرة، تمنح أجهزة استخباراتها صلاحيات قانونية أوسع بكثير، وتعزز قدراتها في استخبارات الإشارات والاستخبارات السيبرانية، من خلال بناء منصات اعتراض وقدرات استغلال رقمي لا تعتمد بالكامل على الوكالات الأميركية. وتُعد ألمانيا المثال الأبرز على ذلك. فبعد الحرب العالمية الثانية، قيّد جهاز استخباراتها الخارجية نفسه بضوابط عملياتية صارمة، وانتهى به الأمر إلى الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. وفي أواخر عام 2025، اقترحت برلين توسيعاً كبيراً لصلاحيات جهاز الاستخبارات وموارده، بما يسمح بجمع أوسع للاتصالات الأجنبية وبشن عمليات سيبرانية هجومية. وتمنح دول أوروبية أخرى أيضاً أجهزة استخباراتها قدرات وصلاحيات أكبر، وتوسع كوادرها، وتشتري أدوات استخبارات مفتوحة المصدر، وتنشئ خلايا لدمج المعلومات تجمع ما يرد من الجيش وأجهزة الاستخبارات والجهات السيبرانية والشرطة والقطاع الخاص، لإنتاج تقييمات أسرع للتهديدات وأكثر قابلية للتنفيذ.
ولا ترتبط هذه الاستثمارات صراحة بالمخاوف من الاستخبارات الأميركية. فهي خطوات تأخر الأوروبيون كثيراً في اتخاذها، كذلك فإن اعتداءات بوتين كشفت مواطن الضعف والثغرات في الأمن والاستخبارات الأوروبيين. لكن تعزيز القدرة على اتخاذ القرارات السيادية يُعدّ ضمانة بالغة الأهمية في مواجهة الولايات المتحدة التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها. فعندما تراجعت الولايات المتحدة عن دورها كأكبر مزود للاستخبارات لأوكرانيا، على سبيل المثال، تمكنت فرنسا من سد هذا النقص بصورة كبيرة.
استجابة متناقضة
تكمن المأساة في أن الإنفاق الأوروبي على الدفاع والاستخبارات بات يتأثر بالحاجة إلى التحوط ضد عدم موثوقية الولايات المتحدة بقدر ما يتأثر بالرغبة في تعزيز قدرات التحالف عبر الأطلسي. فالأموال التي كان من الممكن توجيهها لسدّ الثغرات الأكثر إلحاحاً في حلف “الناتو”، باتت تُستخدم الآن لشراء قدرات سيادية تضمن قدرة أوروبا على التحرك في حال تقاعس الولايات المتحدة. ولكن إذا أمكن استعادة الثقة عبر الأطلسي في نهاية المطاف، فإن استثمارات أوروبا الحالية قد تُثمر تعاوناً عسكرياً واستخباراتياً أقوى بكثير من التعاون الذي كاد ترمب يقطعه.
فزيادة إنتاج الذخائر، وتقوية القواعد الصناعية المحلية، وبناء قدرات عملياتية أكثر استقلالاً، يمكن أن تتيح لحلفاء الولايات المتحدة مواصلة عمليات عالية الكثافة مدة أطول، وتحمل مسؤولية أكبر في الأزمات الإقليمية، وتخفيف الضغط عن القدرات الأميركية. وهذا لن يجعل أوروبا فاعلاً أمنياً أكثر صدقية ويعزز وضعها الردعي فحسب، بل سيتيح أيضاً للولايات المتحدة توزيع قواتها بمرونة أكبر بين مسارح العمليات، ولا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويستطيع الحلفاء الأكثر اعتماداً على أنفسهم التحرك بسرعة أكبر في المراحل الأولى من أي أزمة، بدلاً من انتظار واشنطن كي تطلق كل استجابة. فأوروبا الأقوى ستضمن، مثلاً، قدرة “الناتو” على صد أي توغل روسي تقليدي من دون تدخل أميركي كبير.
وفي مجال الاستخبارات، فإن امتلاك مزيد من شبكات الأقمار الاصطناعية، وأجهزة استخبارات أفضل تمويلاً، وجهات رقابية أكثر استعداداً لتقبل الأخطار، سيتيح للحلفاء الأوروبيين تقديم معلومات وتقييمات مستمدة من مصادرهم الخاصة، بما يخلق تبادلاً استخباراتياً أكثر توازناً مع الولايات المتحدة. وستكسب واشنطن بذلك وجهات نظر إضافية، وخبرة إقليمية، وعمقاً أكبر في التغطية. وقد تخسر القدرة على تحديد أجندة العمل التي تمتعت بها عندما كانت المورد المهيمن للاستخبارات، لكنها ستكسب شركاء أكثر قدرة، يستطيعون تأكيد تقييماتها أو تحديها وصقلها على نحو مفيد.
ويقدم التاريخ أمثلة مفيدة على الكلفة التي تتحملها التحالفات حين تفتقر أجهزة استخباراتها المختلفة إلى قدرة مستقلة كافية. ففي الفترة التي سبقت حرب العراق عام 2003، كانت برلين وباريس تشككان بشدة في مزاعم واشنطن بأن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل. لكنهما لم تملكا قدرات مماثلة في جمع المعلومات الاستخباراتية، بما يتيح لهما تحدي الاستخبارات الأميركية بفاعلية. ولو امتلكتا منصات استخبارات تقنية خاصة بهما وشبكات بشرية داخل العراق، لربما منحت معلومات مستقلة وموثوقة شكوكهما وزناً أدلّياً كافياً لفرض تدقيق أشد في الموقف الأميركي داخل مجلس الأمن. وبدلاً من ذلك، رُفض تشككهما بوصفه تردداً أوروبياً، ومضت الولايات المتحدة نحو واحدة من أثمن الحماقات الاستراتيجية منذ حرب فيتنام.
وفي الآونة الأخيرة، أظهرت حرب روسيا على أوكرانيا سلبيات التبادل الاستخباراتي غير المتكافئ داخل التحالف. فقبيل الغزو الروسي الشامل عام 2022، وجّه مسؤولون أميركيون وبريطانيون تحذيرات عاجلة إلى حلفائهم الأوروبيين. غير أن بعض العواصم الرئيسة شككت في هذه التحذيرات، لأنها لم تكن تملك قدرة مستقلة على جمع المعلومات وتحليلها تتيح لها التحقق من أكثر التقارير الأميركية والبريطانية حساسية. وربما لم تكن أجهزة استخبارات أقوى لتتنبأ بالغزو بالدقة نفسها، لكنها كانت ستملك قدرة أكبر على تأكيد التحذيرات الأميركية والبريطانية والتصرف بناءً عليها. ولكان أُهدر وقت أقل في محاولة إقناع الشركاء بأن التهديد حقيقي، وتوافر وقت أكبر للتحضير للدفاع عن كييف. وينطبق المنطق نفسه على القدرة العسكرية المستقلة: فالمخزونات الأوروبية الأكبر والصناعات الدفاعية الأقوى كان يمكن أن تقدم مزيداً من المدفعية والذخيرة والدفاع الجوي والمركبات المدرعة في وقت أبكر من الحرب، وأن تدعم أوكرانيا بفاعلية أكبر عندما سُحب الدعم الأميركي من العتاد.
قد تصبح أوروبا أقوى بطرق تفيد الولايات المتحدة. لكن العلاقة عبر الأطلسي ستظل بحاجة إلى إصلاح مقصود حتى يمكن جني أي مكاسب مستقبلية من الأزمة الحالية. لقد انكسرت الثقة، ولن تعود ببساطة بعد مغادرة ترمب منصبه. واستعادتها تتطلب تغييراً طويل الأمد في لهجة القادة الأميركيين وسلوكهم عبر دورات انتخابية متعاقبة، لطمأنة حلفاء باتوا يشعرون بحاجة ماسة إلى تعلم البقاء من دون الولايات المتحدة. وسيتعين على واشنطن أن تتشاور مع شركائها عبر الأطلسي قبل أن تتحرك، وأن تلتزم نص وروح تعهداتها في المعاهدات، وأن تعتمد خطاباً متزناً عندما تختلف معهم، وأن تُظهر ضبطاً للنفس وتفكيراً استراتيجياً في استخدام القوة، وأن تضمن ألا تتلوث تقييماتها الاستخباراتية باعتبارات سياسية، وأن تواصل دعم أوكرانيا والجناح الشرقي لـ”الناتو”، مع تقاسم العبء بصورة أكثر إنصافاً.
لا يستطيع الحلفاء الأوروبيون أن يراهنوا على أمنهم المستقبلي لمجرد الأمل في أن يكون الرئيس الأميركي المقبل أكثر اتساقاً وقابلية للتوقع. ولن يتخلوا عن خططهم لمزيد من الاستقلالية إذا عاد إلى السلطة رئيس ملتزم الأطلسية. سيبحث الحلفاء عن أدلة طويلة الأمد تثبت أن التزامات الولايات المتحدة قادرة على الصمود أمام انتقال السلطة، وأنها يمكن أن تترسخ مرة أخرى في القانون والمؤسسات ودعم الكونغرس والتوافق السياسي بين الحزبين والتخطيط الدفاعي الروتيني. لذلك ستتطلب إعادة بناء الثقة أيضاً أن تستعيد واشنطن الانضباط الدستوري الذي منح الالتزامات الأميركية ذات يوم ثقلاً مؤسسياً. ويجب على الكونغرس أن يستعيد رقابة حقيقية على استخدام أميركا القوة، كذلك يجب على الثقافة السياسية الأميركية أن تتعامل مع التحالفات بوصفها التزامات وطنية دائمة، لا منّة يقدمها ساكن البيت الأبيض. ويبدو أن الشعب الأميركي، المنعم بجيران مسالمين والمحاط بمحيطات واسعة، قد نسي أن التحالفات ليست صدقة. فهي تمنح الولايات المتحدة دفاعاً أمامياً، ومدى استخباراتياً، ونفوذاً دبلوماسياً، وشركاء يستطيعون المساعدة في تحمل أعباء كانت واشنطن ستتحملها وحدها لولا ذلك.
وعلى رغم عمق الضرر والاستياء الناجمين عن ولاية ترمب الثانية، فإن أي إدارة مستقبلية ملتزمة استعادة التحالفات ستجد شركاء مستعدين. ومع مرور الوقت، وقد يستغرق ذلك عقداً، بل جيلاً، إذا أمكن إقناع حلفاء واشنطن بأن الولايات المتحدة تخلت عن الهيمنة المفترسة، فسيكونون متحمسين لإعادة الالتزام ببنية أمنية عبر الأطلسي تُقسّم فيها الأعباء بصورة أكثر توازناً. وتكمن مفارقة أعوام ترمب في أنه، عبر التعامل مع الحلفاء كخصوم، ومع الخصوم الفعليين كجديرين بالإعجاب، والسعي الدائم إلى انتزاع التنازلات، والتصرف كإمبريالي مارق، ربما يكون الرئيس قد أشعل فتيل تحول ضروري يتيح شراكات أكثر تكافؤاً وفائدة. وإذا أمكن تحقيق المصالحة، فقد يثبت التحالف عبر الأطلسي الذي سينبثق عنها في نهاية المطاف أنه أكثر قيمة لجميع أعضائه.
ترجمة عن “فورين أفيرز” 4 يونيو (حزيران) 2026
ديفيد جيو أستاذ زائر في قسم دراسات الحرب في “كينغز كوليدج لندن”، والمدير الأكاديمي لـ”مبادرة كامبريدج للأمن”، ومحلل وضابط عمليات سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
